بين زغلول 1919 والبرادعى 2011

بين زغلول 1919 والبرادعى 2011
اقترح علىّ المهندس اللماح هشام فتوح أن أعقد مقارنة بين سعد زغلول ومحمد البرادعى أهم شخصيتين فى ثورتى 1919 و2011. وترددت قليلاً لأن المقارنة لن تكون سهلة، وسعد زغلول له صورة ذهنية عظيمة فى عقول وقلوب المصريين، ومحمد البرادعى يعيش فى النمسا بعيداً عن الوطن وعن الساحة.

سعد زغلول بدأ مناضلاً واشترك فى الثورة العرابية، وسجن فترة قصيرة وخرج من السجن ليعمل كمحام، ثم تزوج بنت مصطفى باشا فهمى رئيس الوزراء صديق الإنجليز. وتولى وزارة المعارف (التعليم) وأظهر نشاطاً كبيراً وتحديثاً للتعليم وصادق اللورد كرومر الحاكم الفعلى لمصر سنوات طويلة، ولم يعرف عنه فى هذه الفترة أنه ناشط وطنى ضد الإنجليز. وبدأ نشاطه السياسى الشعبى فجأة حين ترشح للجمعية التشريعية ونجح فى أن يكون نائباً لرئيسها عام 2013.

محمد البرادعى تخرج أيضاً فى كلية الحقوق والتحق بالسلك الدبلوماسى، وانتدب بالمنظمات الدولية وحصل على الدكتوراة والتحق بالعمل فى منظمة الطاقة الذرية، حتى وصل إلى منصب رئيس المنظمة وحين حققت المنظمة نجاحاً حصل البرادعى على جائزة نوبل للسلام، وهى جائزة يمنحها برلمان النرويج وفيها جانب سياسى وليس لها علاقة بالأكاديمية السويدية التى تعطى باقى الجوائز بناء على قواعد راسخة ومحايدة. وبذا أصبح البرادعى نجماً فى العالم ونجماً كبيراً فى وطنه مصر الذى غادره منذ أن أنهى دراسته الجامعية وأصبح ارتباطه به محدوداً للغاية، وحصل على قلادة النيل تقديراً لجهوده العالمية، وهو أعلى وسام مصرى.

سعد زغلول ابن عائلة ريفية غنية نسبياً ولكنها ليست إقطاعية وأبوه كان عمدة ولم يكن بك ولا باشا. تربى فى القرية ثم فى الأزهر وأخيراً فى الحقوق الفرنسية، فحياة القرية وأحوالها المعيشية راسخة فى ذهنه وتربيته الأزهرية جعلته قريباً من البسطاء واستطاع أن يدخل فى أوساط الباشوات بعد زواجه وعاش حياتهم.

البرادعى تربى فى المدينة فى أسرة غنية، أبوه كان صاحب جاه ونفوذ وانتخب نقيباً للمحامين، ولذا كان اختلاطه بزملاء من نفس المستوى الاجتماعى ثم ترك مصر إلى الخارج حيث أقام طوال حياته بعيداً عن الوطن باستثناءات قليلة.

سعد زغلول والبرادعى كلاهما دخل الساحة السياسية لتحرير الوطن. زغلول رأس الوفد المصرى الذى قابل السير ونجت مطالباً بإلغاء الحماية على مصر، إلى قيادة المقاومة الشعبية ضد الإنجليز مطالباً بالاستقلال وبصياغة دستور جديد وإقامة حياة نيابية سليمة. ومحمد البرادعى كان يريد نظام حكم ديمقراطى وحياة برلمانية سليمة وتحقيق الحرية للمصريين.

سعد زغلول قدم مطالبه إلى المحتل وقاومه على الأرض وخطب فى الناس وقام بتجميعهم واضطر الإنجليز إلى نفيه لمدة شهر ثم أفرجوا عنه فذهب إلى باريس فى محاولات لجذب انتباه العالم للمسألة المصرية ثم عاد إلى مصر ليقود المعركة ضد الإنجليز، وقامت بريطانيا بنفيه للمرة الثانية بعيداً إلى جزيرة سيشيل. وقبل القبض عليه قاد مجموعات من المصريين وطلب منهم توكيلا للوفد المصرى بقيادته ثم كان مفاوضاً صلباً للإنجليز حتى اضطرت فى النهاية لإعادته لمصر، وتحقق لمصر دستور وبرلمان، وأصبح زغلول رئيس الوزراء ضد رغبة الإنجليز أكبر قوة فى العالم وضد رغبة الملك فؤاد.

محمد البرادعى أصدر بياناً قوياً نشره فى فيينا مطالباً بالديمقراطية والحرية للمصريين، وأعلن عن حضوره للقاهرة بعد غياب سنوات طويلة. وعندما حضر إلى مطار القاهرة كان فى استقباله أعداد غفيرة من الناشطين المصريين ومنع نظام مبارك أعداداً من الشباب من الوصول للمطار. خرج البرادعى من باب كبار الزوار وركب سيارته وانطلق إلى بيته وفاته أن يلقى بالتحية على المئات الذين ذهبوا لاستقباله فى المطار، وعلق أحدهم بأن هذا التصرف ليس من صفات الزعماء. ثم قابل البرادعى فى بيته مجموعة من حوالى 25 ناشطاً من مختلف الاتجاهات السياسية وتكونت الجمعية الوطنية للتغيير بصعوبة بعد أن ضغط عليه الحاضرون، فهو لم يكن يريد التورط فى مسؤولية جمعية يقودها ليس خوفاً من نظام مبارك بل لعدم رغبته فى أن يكون قائداً لعمل منظم له تبعاته ومسؤولياته.

خلال العام السابق للثورة سافر البرادعى إلى المنصورة وأقيم له استقبال حافل، ولكنه كان واضحاً أن عنده صعوبة فى لقاء الجماهير والأعداد الغفيرة، هنا كان الفارق الكبير بين سعد زغلول المحب للجماهير والتى احترمها وقادها بمهارة بالغة وبين عدم قدرة البرادعى وربما خوفه وفى الأغلب عدم رغبته فى الاختلاط بالعوام والبسطاء. ربما لأنه لم يختلط بالشعب طيلة حياته خارج مصر، وربما لتركيبته الخاصة. حدث نفس الشىء بعد 25 يناير حين كان يقابل مراسلو كبار الصحف العالمية ولم يتمكن الكثير من المصريين الذين يريدون لقاءه من مقابلته. سعد زغلول بذل مجهوداً كبيراً فى تكوين حزب الوفد، ورتق الخلافات بين أعضائه وخاض المعارك الضخمة معهم، ومحمد البرادعى بصعوبة بالغة وافق على تكوين حزب الدستور، ولم يهتم بقيادته ورفض عرضاً بتوحيد كل الأحزاب السياسية التى خرجت من رحم الثورة تحت رئاسته. وعندما ظهرت المشاكل بين الإخوان وبقية الأحزاب تكونت جبهة الإنقاذ ولم يستطع قيادة المجموعة فكان يفضل التحدث فى غرفة مغلقة مع عدد قليل من الناس ينتقيهم بنفسه ولا يتعامل مع الواقع السياسى. فى النهاية بعد 30 يونيو حين أصبح نائباً لرئيس الجمهورية استقال وسافر إلى فيينا حيث الهدوء وراحة البال التى يبغاها بينما سعد زغلول بعد مقتل السيردار الإنجليزى اضطر إلى الاستقالة ولكنه استمر فى النضال ضد الإنجليز وضد المعارضين للوفد.

الخلفية الاجتماعية والسياسية ومكان المعيشة وطريقة الحياة خلقت شخصيتين مختلفتين تماماً كلاهما وطنى يحب مصر ويريد أن يعمل لصالحها ولكن لكل شيخ طريقة تناسبه.

قوم يا مصرى مصر دايماً بتناديك
إقرأ الخبر الكامل من المصدر