حلقة دائرية يقف فيها خصمان كل منهما ممسك بعصا خشبية طويلة ويرتدى جلباباً صعيدى، ويغطى رأسه بعمامة يصل طول الواحدة منها من متر إلى خمسة أمتار لحماية رأسه ولتعبر عن هويته الجنوبية، يحاول كل خصم على نغمات المزمار والطبول وتشجيع وتركيز من الحاضرين النيل من الآخر بحركات سريعة بالعصا مصحوبة بخطوات دقيقة بالأرجل، هذا هو المشهد داخل حلقات التحطيب.فى ساحة أبو الحجاج بوسط مدينة الأقصر وأمام معبد الأقصر اجتمع العشرات من لاعبى التحطيب ليبرز كل لاعب مهاراته فى اللعب بالعصا أمام المئات من الحاضرين.شباب وشيوخ حضروا بأسرهم من مختلف محافظات الصعيد للمشاركة فى المهرجان القومى للتحطيب فى دورته الخامسة عشرة الذى تنظمه الهيئة العامة لقصور الثقافة.المصرى اليوم كانت هناك فى ساحة الحجاج بمدينة الأقصر خلال المهرجان القومى للتحطيب فى دورته الخامسة عشرة، هذا المهرجان الذى يقام كل عام فى نفس التوقيت فى شهر ديسمبر فى محاولة للحفاظ على لعبة التحطيب والدمج بينها وبين الفنون التراثية الشعبية الخاصة بالعصا.فى شهر ديسمبر من كل عام وعلى مدار خمسة أيام قدم لاعبو التحطيب وأعضاء فرق الفنون الشعبية عروضاً فنية تراثية مستوحاة من تراث الجنوب حظيت بتفاعل كبير من الجمهور الذى تنوع بين أبناء الأقصر وزوارها من المصريين والأجانب، وكان هناك تفاعل خاص مع حلقات التحطيب التى حظيت بتركيز شديد من الجمهور ومن اللاعبين مع حركات لاعبى العصا الذين تنوعت أعمارهم بين الشيوخ والشباب وحتى الأطفال فى رسالة منهم أن هذه اللعبة مستمرة متوارثة من جيل إلى جيل.تعد لعبة التحطيب من أقدم الفنون التراثية التى تعود إلى عصر قدماء المصريين، والتى ظلت بنفس قواعدها من آلاف السنين حتى اليوم ويمارسها أبناء الصعيد على وجه الخصوص، وطوروها وحافظوا على تراثها من خلال الممارسة فى المناسبات والأفراح وحلقات التحطيب حيث يمارسها الشباب على أنغام المزمار والطبول.ووثقت جدران مقابر بنى حسن بمحافظة المنيا، كيف استخدم قدماء المصريين لعبة العصا فى الحروب والدفاع عن النفس وكيف عبرت العصا عن لحظات الانتصار التى عاشها المصريون القدماء، ترجع تسمية «لعبة العصا» بالتحطيب نسبة إلى الحطب الذى كان يستخدمه المصريون القدماء فى صناعة العصا المستخدمة فى الدفاع عن النفس. خلال أيام المهرجان التقت المصرى اليوم مع عدد من شيوخ التحطيب «شيوخ العصا» ورصدت كيف حاولوا الحفاظ على هذه اللعبة وكيف ساهمت اللعبة فى وما هى أبرز مطالبهم لمزيد من الاهتمام بفنون العصا.لعبة الرجالاستقبلت حلقات التحطيب لاعبين من مختلف الأعمار، جمعهم الشغف بفنون العصا، من بين هؤلاء السيد فؤاد من محافظة المنيا الذى يمارس التحطيب منذ عشرين عاماً واعتاد المشاركة فى المهرجان كل عام.السيد فؤاد رجل أربعينى ويعمل تاجر فواكه ويجوب محافظات الصعيد من أجل التحطيب الذى تعلمه من والده وجده.قال للمصرى اليوم إن لعبة العصا هى من الطقوس الأساسية فى المناسبات مثل الأفراح والموالد بمدن الصعيد.وأكد أن أهم ما يجب أن يتعلمه لاعب العصا هو أدب العصا «والمتمثل فى احترام الكبير والخصم».لا يقتصر التحطيب على الموالد والأفراح ولكن هناك مسابقات للعب العصا يجريها الشباب داخل القرى والمراكز ولكن كلها مسابقات تنتهى بود وهذا ما اتفق عليه المشاركون فى المهرجان القومى للتحطيب أن يكون النزال فيما بينهم هو مجرد استعراض لمهارات اللعب بالعصا بشكل ودى ويكون اجتماعاً سنوياً بين محبى اللعبة من مختلف محافظات الصعيد وهو فرصة لتعليم شباب من مختلف المحافظات اللعب بالعصا. «لعبة العصا هى جيل بيسلم جيل لأن لاعب العصا الكل بيحترمه ويخاف منه».فى العصا حياةلعبة التحطيب كان لها دور كبير فى تشكيل حياة خلف توفيق الرجل السبعينى ابن مركز مراغة بمحافظة سوهاج، الذى علمه والده التحطيب منذ أن كان عمره عشرين عاماً.يلتزم اللاعب فى بداية حلقات التحطيب بأداء تحية السلام على الخصم وهذه التحية يبرز فيها كل لاعب مهاراته، ثم يبدأ كل لاعب بتسديد ضربات بالعصا للاعب الآخر الذى يحاول تلقيها وتفادى أن تصل الضربة إلى جسده أو أن تسقط العصا من يديه، عندها يتوقف المنافس عن أى ضربات احترامًا وحفاظًا على الطرف الآخر، لذلك فهمى لعبة تظهر فيها الأخلاق بصورة كبير.خلال الخمسين عاماً الماضية اختلفت فنون التحطيب كثيراً على حد قول خلف خاصة أن اللعب فى السابق كان عبارة عن نزالات عنيفة ومنافسة شرسة قد تنهى حياة اللاعب أما الآن فهو نزال يهدف إلى استعراض القوى فقط «اللعب زمان كان شديد وفيه تحدى كبير» تمثلت قوة هذه المنافسة فى الدورات الأولى للمهرجان على حد قوله حيث كان يتم تقسيم اللاعبين إلى فرق كل فريق يمثل محافظة من محافظات الصعيد، وكانت نهاية المنافسات تتسبب فى أزمات وخلافات بين اللاعبين.ولذلك فقد قرر المخرج الراحل عبد الرحمن الشافعى مؤسس مهرجان التحطيب إلغاء المنافسات وحول المهرجان إلى محاكاة لحلقات التحطيب فقط دون منافسة، ويرى خلف أن هذا هو السبب فى استمرار المهرجان وزيادة المشاركين كل عام وأيضاً مشاركة بعض اللاعبين فى مهرجانات التراث الشعبى فى الخارج.التحطيب بالنسبة لخلف «حياة» وخليط من آداب مختلفة مثل الاحترام، والعفو عند المقدرة والمودة والرحمة «أهالينا مكنوش متعلمين ولكن العصا علمتهم الود زى ما علمتهم إزاى يدافعوا بيها عن نفسهم».لم يتوقف دور لعبة التحطيب عند مجرد كونها لعبة فقط ولكنها ساهمت فى حل مشكلات بين العائلات المتخاصمة وأحياناً حل أزمات الثأر، من خلال رفع العصا كعلامة للسلام فى محاولة لاستقطاب الأطراف المتناحرة للسلام وشاهدت ذلك فى كثير من الخلافات بين العائلات قديماً.خلال حلقة التحطيب يركز كل لاعب فى طريقة لعب المنافس وأسلوبه وهذا ما فعله خلف خلال حلقات التحطيب خلال أيام المهرجان الخمسة حتى يتمكن من اختيار اللاعب المناسب له والمساوى له فى المهارات.فى كل حلقة تحطيب يختار كل لاعب منافسه وعن ذلك أن كل لاعب يختار منافسه وأهم معايير الاختيار هى الإمكانيات المتشابهة حتى لا يسعى أى طرف فى إحراج الطرف الآخر.قد يتعرض لاعب التحطيب فى الموالد والأفراح إلى بعض الإصابات الطفيفة، فحكى خلف للمصرى اليوم أنه تعرض لإصابة طفيفة فى الأذن فى أحد الموالد الشعبية خلال اللعب بالعصا بسبب عصا الخصم.يدرب خلف شباباً من عائلته على فنون لعب العصا لكى يشاركوا معه فى كل الموالد والأفراح حتى لا تنقطع هذه اللعبة من العائلة.يطالب خلف كليات التربية الرياضية ومراكز الشباب وقصور الثقافة الاهتمام بهذه اللعبة ويرى أن هذه اللعبة يجب أن يتم فتح مدارس متخصصة لتعليمها وتلقى اهتماماً أكبر خاصة فى مرحلة التدريب الأولى على فنون اللعب بالعصا، وطالب بأن يكون مهرجان التحطيب فى كل محافظات الصعيد بدلاً من محافظة واحدة.شيخ العصامن القواعد الأساسية للعبة التحطيب هو وجود حكم يدير حلقة اللعب وينظم عملية نزول كل لاعب للحلقة وفض أى محاولة للاشتباك حتى تسير جولة اللعب فى سلام ويتابع حركات اللاعبين ويحكم بينهم، ويضمن حق كل لاعب فى أخذ الوقت المناسب له، وهذه هى وظيفة «شيخ العصا» الذى يتم اختياره لإدارة حلقة التحطيب، من قبل اللاعبين أنفسهم ويشترط أن يكون أفضل لاعب وأكبر سناً، وفى المهرجان القومى للتحطيب فى دورته 15 اتفق اللاعبون على أن يكون الشيخ عامر توفيق هو الحكم فى دورات التحطيب خلال أيام المهرجان.بعمامة طويلة بيضاء يحيطها شال أبيض وقف ابن مركز قوص بمحافظة قنا لإدارة حلقات التحطيب والحكم بالعدل بين اللاعبين.قال للمصرى اليوم إنه يلعب بالعصا منذ خمسين عاماً وتم اختياره «شيخ العصا» خلال المهرجان القومى للتحطيب نظراً لأنه الأكبر سناً بين المشاركين والأكثر احترافاً فى اللعب بالإضافة إلى معرفته بعدد كبير من لاعبى العصا فى مختلف مدن مصر من خلال التواصل فيما بينهم فى الأفراح والموالد والمناسبات.الشيخ عامر، رجل تجاوز السبعين وقرر أن يهب سنوات تقاعده بعد رحلة قضاها فى العمل داخل وزارة التربية والتعليم والتعليم الفنى فى لعبة التحطيب وتلبية دعوات رفقاء العصا من مختلف محافظات الجمهورية، وهو من أول المشاركين فى المهرجان القومى للتحطيب منذ دورته الأولى حتى هذه الدورة. بهدوء شديد ومظهر مميز وثبات يقف الشيخ عامر فى وسط حلقة التحطيب بين اللاعبين ويرى أن لاعب العصا هو شخص مميز فى أخلاقه ومظهره، ولم يتوقف دور التحطيب على مجرد اللعب فقط بل ساعد على تأسيس علاقات وروابط متصلة جعلت كل اللاعبين على تواصل دائم فى المناسبات والموالد للعب وإبراز المهارة وهذه المناسبات تجذب المزيد من اللاعبين الجدد وساهمت فى الحفاظ على اللعبة.تغيرت بعض طقوس اللعب على مدار السنوات فقال الشيخ عامر أن اللعب بالعصا قديماً كان «مفهوش ود» كان أشبه بنزال بين خصمين بشراسة بينهما فائز وخاسر وكانت العصا ثقيلة «الشوم» أما اليوم يلعب المحطبون بعصا مصنوعة من الخيزران واللعب بالود لا يجوز الآن لأى لاعب أن يتسبب فى أى أذى للاعب الآخر على حد قوله.يحرص شيخ العصا على أن يلتزم كل لاعب بالقواعد الأساسية للعبة وهى الاحترام المتبادل بين اللاعبين وفى حالة حدوث أى شد وجذب بين اللاعبين يتدخل لإنهاء الجولة وفض الاشتباك، وأكد أن كل قراراته وأحكامه يجب احترامها من اللاعبين دون نقاش.من جيل لجيلتستقطب لعبة التحطيب المزيد من الشباب كل يوم، من خلال سامر وحلقات التحطيب داخل مراكز الشباب وفى المساحات المتاحة بجوار البيوت فى قرى الصعيد ولكن لا يوجد مدارس تحطيب تابعة لقصور الثقافة ومراكز الشباب، فهذه اللعبة تطورت بجهود ذاتية ويتعلمها اللاعب من أقرانه وأقربائه بالمشاهدة والتجريب، وهذا ما جعل جمال إبراهيم بغدادى وهو معلم فى المرحلة الابتدائية يلعب التحطيب منذ 35 سنة، ويشارك فى كل المناسبات التى تعقد حلقات التحطيب بها لإثراء مهاراته فى اللعبة ويعلم الشباب بجهود ذاتية.قال جمال إن الخطوة الأولى لتعلم التحطيب تبدأ من اختيار العصا الذى يتم بعناية شديدة، فالطول المناسب لعصا التحطيب طولها أربع عشرة قبضة يد أى طولها متر وعشرين سنتيمتراً، مصنوعة من الخيزران، واختيار هذه الخامة حتى لا يتضرر اللاعب ولا يصيبه أى أذى، ثم يبدأ اللاعب فى تعلم كيفية تحريك العصا والاعتياد عليها، مما يكسبه مرونة فى تحريكها وحملها.أوضح جمال أنه كلما زادت مرونة جسم اللاعب ولياقته البدنية كلما زادت لديه القدرة على التحكم بالعصا بشكل أفضل والاندماج مع المزمار الذى يعطى للاعب دفعة من الإثارة والقوة للعب.أوضح أن هذه اللعبة جاذبة للشباب ويسعى لتعليم الشباب بشكل تطوعى فنون اللعبة على حد قوله. وأكد أن هذه اللعبة لها جمهور كبير ويرى أن مهرجان التحطيب ساهم فى الحفاظ على اللعبة وأحيا اللعبة بشكل جيد وساهم فى زيادة أعداد اللاعبين ولكن يطالب وزارة الثقافة…
«المصرى اليوم» ترصد حكايات لعبة الرجال «التحطيب».. تراث صعيدى يجمع بين القوة والأخلاق
- منذ شهر
- المصرى اليوم
Loading image...
