هل تؤثر الحالة النفسية على العصب السابع؟.. أعراض يجب الانتباه لها

Loading image...
الغضب والتوتر مشاعر مألوفة في حياة كل إنسان، لكن ما لا يدركه كثيرون هو أن هذه المشاعر قد تترك بصمتها على الوجه نفسه — ليس مجازًا، بل فعليًا. فكم من شخص استيقظ صباحًا ليجد نصف وجهه لا يتحرك، أحد جانبيه مبتسم والآخر جامد كأنه فقد الحياة؟ هذه الحالة تُعرف بـ"شلل العصب السابع" أو "شلل بيل"، وهي إحدى أكثر المضاعفات المفاجئة التي يربط الأطباء اليوم جزءًا كبيرًا منها بالتوتر والضغوط النفسية.
وفقًا لتقرير نشره موقع "André Panossian Medical Blog" المتخصص في جراحات الأعصاب، فإن العلاقة بين الإجهاد النفسي وخلل العصب الوجهي باتت محور اهتمام متزايد، إذ تشير الأبحاث إلى أن التوتر المستمر قد يرفع احتمالات الإصابة بشلل بيل نتيجة تفاعل الجهاز العصبي مع الضغط المزمن، وتأثيره على الدورة الدموية الدقيقة المغذية للعصب السابع.
العصب السابع.. المُحرّك الخفي لتعبيرات الوجه
العصب الوجهي هو المسؤول عن حركات الوجه الإرادية — كالابتسام، والعبوس، وإغلاق العينين — بالإضافة إلى وظائف حسية كالتذوق في جزء من اللسان. وعندما يُصاب هذا العصب بالتهاب أو خلل في الإشارات العصبية، تبدأ ملامح الوجه في التغير تدريجيًا أو بشكل مفاجئ.
التوتر المزمن لا يهاجم العصب مباشرة، لكنه يخلق بيئة داخل الجسم مليئة بالهرمونات الالتهابية، مثل الكورتيزول والأدرينالين، والتي تضعف المناعة وتؤثر على الأوعية الدقيقة التي تغذي الأعصاب. ومع ضعف تدفق الدم، يتعرض العصب الوجهي لنقص الأكسجين، مما يؤدي إلى التورم أو التلف المؤقت في الغشاء المحيط به، فتظهر الأعراض.
كيف يصيب الغضب العصب السابع؟
عندما يتعرض الجسم لصدمة نفسية أو غضب شديد، يبدأ الجهاز العصبي السمبثاوي في إطلاق إشارات طوارئ تُعرف بـ"استجابة القتال أو الهروب". هذه الإشارات تجعل القلب ينبض بسرعة، وتضيق الأوعية الدموية في الوجه والرأس، مما يقلل من تدفق الأكسجين إلى الخلايا العصبية الحساسة.
إذا تكرر هذا النمط لفترات طويلة، تتعرض الأعصاب للإنهاك، وقد يحدث خلل في الإشارات الكهربائية التي تنقل الأوامر من المخ إلى عضلات الوجه. ومع مرور الوقت، قد يُصاب أحد جانبي الوجه بالشلل المؤقت.
يقول الأطباء إن بعض المرضى يصابون بالشلل الوجهي بعد فترة قصيرة من ضغوط نفسية عنيفة مثل فقدان عزيز، أو نزاع أسري، أو ضغط مهني حاد — مما يؤكد الدور النفسي الواضح في نشوء الحالة.
أعراض لا يجب تجاهلها
يبدأ شلل العصب السابع عادة بشعور غريب في الوجه: ثقل، تنميل، أو ألم خلف الأذن. خلال ساعات قليلة، قد يلاحظ المريض أن فمه يميل إلى أحد الجانبين أو أنه غير قادر على إغلاق عينه بشكل كامل. في بعض الحالات، يفقد المريض حاسة التذوق جزئيًا، أو يعاني من جفاف في العين أو الفم.
ومن العلامات اللافتة أيضًا تغيّر الصوت أثناء الكلام، وصعوبة نطق بعض الحروف، وهي نتيجة مباشرة لضعف العضلات المسؤولة عن حركة الشفاه.
دور المناعة والفيروسات
رغم أن التوتر يُعدّ عاملًا محفزًا قويًا، إلا أنه غالبًا يعمل بالتوازي مع أسباب أخرى مثل العدوى الفيروسية. بعض الباحثين يعتقدون أن الضغط النفسي يُضعف الجهاز المناعي لدرجة تسمح بعودة نشاط فيروسات خاملة في الجسم، مثل فيروس الهربس البسيط، الذي يمكنه مهاجمة العصب الوجهي والتسبب في التهابه.
هنا يصبح التوتر هو "المفتاح الذي فتح الباب" أمام الفيروس، وليس السبب الوحيد.
التوتر يضيّق الأوعية.. والعصب يختنق
من الناحية الفسيولوجية، يؤدي الغضب والتوتر إلى تقلص الأوعية الدموية الصغيرة في الوجه والرقبة، وهي التي تزود العصب السابع بالغذاء والأكسجين. هذا التقلص المتكرر يحد من تدفق الدم ويخلق حالة من "الاختناق العصبي"، فيتأثر العصب تدريجيًا، وقد تتلف بعض أليافه مؤقتًا. وتُظهر الدراسات الحديثة أن استعادة تدفق الدم وتحسين التغذية العصبية عبر العلاج الدوائي والراحة النفسية يمكن أن يؤدي إلى شفاء كامل خلال أسابيع قليلة في أغلب الحالات.
البعد النفسي في العلاج
لا يقتصر علاج شلل العصب السابع على الأدوية والكورتيزون وجلسات العلاج الطبيعي، بل يشمل دعم المريض نفسيًا ومساعدته على إدارة التوتر. فالعامل النفسي إذا لم يُعالج، قد يطيل مدة التعافي أو يسبب الانتكاس. والأطباء اليوم يشجعون على إدماج جلسات التأمل، وتمارين التنفس، والمشي المنتظم في الهواء الطلق، كجزء من برنامج التعافي. كما يُنصح المرضى بتجنّب التفكير المفرط ومتابعة النوم الكافي، لأن إصلاح الأعصاب يحدث بشكل رئيسي أثناء النوم العميق.
إشارات مبكرة تستحق الانتباه
من المهم طلب المساعدة الطبية عند أول إشارة غير طبيعية — مثل تدلي الفم أو الجفن، أو الشعور بوخز في الوجه — لأن التدخل المبكر خلال أول 48 ساعة يرفع فرص الشفاء الكامل.
الأطباء يحذرون من الاعتماد على الأعشاب أو التدليك المنزلي غير الموجّه، لأن الضغط على الأعصاب الملتهبة قد يزيد الحالة سوءًا.
لا تستهِن بالغضب
الغضب ليس مجرد انفعال عابر، بل استجابة جسدية شاملة تبدأ في المخ وتنتهي عند أصغر عصب في الوجه. عندما نحافظ على هدوءنا، نحن في الواقع نحمي قلوبنا، ومناعتنا، وحتى ملامحنا.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر