المفكر والسياسى السورى برهان غليون لـ«المصري اليوم»«٢-٢»: تهجير الفلسطينيين إلى مصر والأردن سيدفع المنطقة لعقد جديد من الفوضى .. حوارات مستقبل الشرق الأوسط (الحلقة التاسعة و الخمسون )

  • منذ شهر
  • المصرى اليوم
  • عبدالله أبوضيف
Loading image...
وسط عالم يموج بالتحولات السياسية والاقتصادية، وفى ظل الصراعات المتزايدة التى تهز منطقة الشرق الأوسط، التى تعيش واقعًا معقدًا، فى ظل مرور أكثر من عامين على حرب الإبادة فى قطاع غزة دونما آفاق واضحة لإنهائها، مع تمدد النزاع إلى جنوب لبنان، ووصول أصدائه إلى اليمن والعراق، ثم إيران، نطرح فى سلسلتنا «مستقبل الشرق الأوسط» مسارات منطقتنا، عبر حوارات مع نخبة من الساسة والمنظرين والمفكرين والدبلوماسيين الحاليين والسابقين من مختلف الأطراف الإقليمية والدولية، لتقديم رؤاهم مستندين إلى تجارب الماضى ودروس الحاضر، لنستشرف معًا الطريقنحو المستقبل.وانطلاقًا من جذور الصراع العربى الإسرائيلى، مرورًا بالتدخلات الإقليمية وصعود بعض القوى الجديدة كالفواعل من غير الدول، وتعقد المشهد العربى، نفتح معًا أبواب نقاش مستنير حول الدروس المستفادة من التاريخ وتأثيرها على مستقبل منطقتنا؛ لطرح رؤى وأفكار لاستشراف الغد والدور الحاسم الذى يمكن أن تلعبه الدول العربية إذا ما أعادت إحياء روابط تاريخية فى محيطها والدفع نحو استقرار مستدام وتحقيق مصالحها.تنقسم محاور النقاش إلى جزأين، الأول أسئلة سبعة ثابتة، اعتمدناها بناء على طلب كثير من القراء، تتمركز حول مستقبل المنطقة، أما الثانى فيتضمن أسئلة تتجه نحو مساحات تتناسب مع خلفية الضيف صاحب الحوار، كى يضيف لنا أبعادا أخرى حول الرؤية التى تنتهى إليها الحوارات وصولا إلى كيف يمكن أن يكون للمنطقة مشروعها الخاص، بعيدا عن أى مخططات تستهدفها؟. يكتسب اسم المثقف السورى والمفكر السياسى البارز، برهان غليون، قيمة حقيقية كلما ضاق الأفق سياسيًا، واختلفت المعانى بين أبناء الدولة الواحدة التى تعانى مأساة حقيقية منذ عام ٢٠١١، يبدو أنها مازالت مستمرة بعد سقوط نظام ضاق منه هو شخصيًا ليخرج مع ملايين من أبناء شعبه ويصبح أول رئيس لتشكيل معارض حقيقى باسم «المجلس الوطنى السورى».برهان غليون، الذى يملك تاريخًا واسعًا من النقد الاجتماعى والسياسى، صاحب سجل حافل، فهو أستاذ علم الاجتماع السياسى ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر فى جامعة السوربون بالعاصمة الفرنسية باريس، وله العديد من المؤلفات التى تفسر المجتمع السورى وعدم إغلاق تفسير تحركاته على النواحى السياسية فقط.وفى الجزء الثانى من هذا الحوار يكشف رده على ما أثير حول النظام الجديد الذى اعتبره هو أيضا عليه تحديات جمة للوصول إلى صيغة توافق سورى كاملة تمنع التمزيق أو الاحتلال بعد سنوات ليست قصيرة من الفوضى التى شهدها التراب السورى، ويوجه نصيحته للرئيس أحمد الشرع حتى لا يتحول إلى «أسد» جديد فى سنوات حكمه المقبلة.. وإلى نص الحوار: كيف تستفيد المنطقة العربية من تجاذبات القوى الكبرى وأحاديث التعددية القطبية العالمية؟.. وكيف تلعب دورًا لصالحها فى هذا التنافس الدولى ولا تكون مقدراتها فى يد قوة واحدة أضرت بها واستنزفت ثرواتها طوال عقود؟- تستطيع الدول العربية الكبرى أن تستفيد من تجاذبات القوى الكبرى إذا رفضت أن تكتفى بدور الحليف التقليدى وغير المشروط للولايات المتحدة، وتبنت استراتيجية جديدة قائمة على تنويع العلاقات مع جميع الدول الكبرى، بدلًا من الاصطفاف الأحادى أو شبه الأحادى الراهن. ولا يكفى من أجل نجاح هذه السياسة متعددة الأطراف استغلال التنافس بين واشنطن وبكين وموسكو كما هو الحال جزئيًا اليوم، وإنما لابد من تعزيز هذه الاستراتيجية بإقامة علاقات إقليمية ثابتة ومتوازنة داخل دول المنطقة نفسها. فى مثل هذه الحال، يمكن للمنطقة العربية أن تتحول من ساحة للصراع إلى «مركز ثقل» إقليمى يعزز التوازنات العالمية.فمن شأن هذه السياسة الدولية الديناميكية والمتعددة الأقطاب أن تساعد دول المنطقة على كسر الاحتكار التكنولوجى والعسكرى، وعلى تحقيق مكاسب كبيرة سواء فى توطين الصناعات الدفاعية ونقل تكنولوجيا التصنيع (وليس مجرد الشراء) مقابل صفقات السلاح. ومثل هذه السياسة ترد على حاجة ترامب لإظهار «قوة أمريكا»، كما تستجيب لحاجة الصين للتوسع التكنولوجى والالتحاق بقطار سباق الذكاء الاصطناعى.هذا يعنى أن المنطقة المتوسطية مهيأة لأن تتحول إلى «ممر لوجستى عالمى» تتنافس القوى الكبرى على طرق التجارة العابرة منها: الممر الاقتصادى الذى تدعمه أمريكا (يربط الهند بأوروبا عبر الخليج)، ومبادرة «الحزام والطريق» الصينية. وعلى العرب استثمار هذه الفرصة التى تمنحهم تمويلات ضخمة لتطوير موانئ مركزية لا غنى عنها لأى قوة دولية.وقد نجحت بعض الدول العربية، من خلال تنويع علاقاتها، فى فرض نفسها على أجندة السياسة البيئية، فأصبحت السعودية ومصر وعمان فى ٢٠٢٥ مراكز إنتاج عالمية للهيدروجين الأخضر، مستغلة رغبة أوروبا فى تقليل الاعتماد على الغاز الروسى، ورغبة أمريكا فى قيادة قطاع الطاقة الجديد. وفى ميدان الطاقة، استمر التنسيق العربى مع روسيا عبر «أوبك+» للحفاظ على استقرار الأسعار، مما جعل واشنطن تدرك أن استقرار اقتصادها مرهون بالتفاهم مع الرياض، وليس بالتمسك بسياسة الإملاءات عليها.وبالمثل، لقد منح انضمام السعودية والإمارات ومصر إلى مجموعة «بريكس» فى ٢٠٢٤ إمكانية استخدام عملات محلية فى بعض التبادلات التجارية، خففت من وطأة «سطوة الدولار» وقوة مقاومة أكبر للعقوبات أو الضغوط الاقتصادية الأمريكية. ومنذ الآن، تحولت دول مثل قطر ومصر إلى «وسطاء لا غنى عنهم» فى الأزمات الدولية (أوكرانيا، غزة، أفغانستان)، مما جعل القوى الكبرى تتجنب الصدام معها للحفاظ على قنوات الاتصال.لو قدر لك أن ترسم صورة المستقبل لهذه المنطقة فى ظل الصراعات الحالية والمخاطر المحيطة بها.. كيف ترى هذه السيناريوهات تفصيلًا؟- بناءً على التطورات الدراماتيكية التى شهدها عام ٢٠٢٥، وتداخل رؤية «أمريكا أولًا» لترامب مع طموحات نتنياهو لـ«الشرق الأوسط الجديد»، نحن أمام مسارين:الأول أن تنجح التهدئة الإقليمية التى يسعى إليها الرئيس ترامب كما يبدو حتى الآن، ويتحقق نوع من الاستقرار نتيجة نجاح خطة السلام فى غزة، والاعتراف بمسار واضح للدولة الفلسطينية الموعودة، وتجميد الصراعات العسكرية الكبرى لصالح التنمية الاقتصادية، بما فى ذلك إيجاد تسويات مقبولة فى جنوب سوريا ولبنان، وإنهاء مشاريع الأحزمة الأمنية الإسرائيلية، والتغول الإسرائيلى على الجوار العربى، وإرادة الهيمنة الإقليمية، والتوصل إلى اتفاقيات أمنية تضمن الحد الأدنى من الأمان وصدقية الدول وسيادتها. وفى هذه الحالة نحن أمام دورة استقرار وازدهار حميدة فى العقدين القادمين.والمسار الثانى أن تخفق مشاريع التهدئة وينجح التطرف الإسرائيلى فى فرض خطته التوسعية التى تتطابق مع تصريحات ترامب عن «إسرائيل الصغيرة التى يجب أن تتمدد». فيستمر التغول الإسرائيلى فى غزة والضم الزاحف للضفة الغربية، وتنجح إسرائيل فى فرض أحزمتها الأمنية فى جنوب لبنان وسوريا، وتتحول إلى «أحزمة ناسفة» لأى أمل فى استقرار الدولتين العربيتين، ومن ثم جوارهما العربى، بذريعة تحقيق «الأمن الوقائى» لإسرائيل. وإذا ما نجحت إسرائيل فى دفع الفلسطينيين إلى مصر والأردن لتحقيق مشروع إسرائيل اليهودية الصافية، ستكون النتيجة تقويض اتفاقيات السلام القائمة ودفع المنطقة إلى عقد جديد من الفوضى التى لا تستطيع أى قوة أن تسيطر عليها، مع خطر انهيار كامل لمؤسسات الدول الهشة، وفى مقدمها لبنان وسوريا اللتان لم يعد بإمكانهما تحمل المزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية، بالإضافة إلى تجدد موجات النزوح الكبرى وزعزعة استقرار دول الجوار العربية والتركية والأوروبية، التى تعيش هى ذاتها فى أزمة حادة مستدامة.هناك من العوامل ما يعزز كلا الاحتمالين. ويتوقف الأمر فى تجنب المسار الأسوأ وتشجيع مسار التهدئة، حتى المؤقتة، ودعم مشاريع التنمية الإقليمية، وتجنب العودة للحرب والثورات الدائمة والانهيار، على عاملين. الأول قدرة الدول العربية على التماسك والتعاون فيما بينها لمواجهة الضغوط الإسرائيلية والأمريكية، وفرض «ثمن سياسى» حقيقى مقابل انخراطها الاقتصادى مع واشنطن، يمنع السيناريو التوسعى من التحول إلى واقع لا مهرب منه. والثانى نجاحنا فى الحفاظ على مستوى عالٍ من الضغط على حكومة إسرائيل المتطرفة والعنصرية، سواء على مستوى المنطقة أم على الصعيد الدولى والأممى، وضمان عدم تراجع الرئيس ترامب، بل حثه على تطوير موقفه والاعتراف باستحالة حل الأزمة التاريخية للمنطقة المشرقية من دون حل المسألة الإسرائيلية، وما تعنيه من تسلط منطق القوة الغاشمة التى لا تعترف بأى قانون دولى أو حقوق قومية وإنسانية للشعوب الأخرى، ولا ترى أمنها وازدهارها إلا بتقويض أمن هذه الدول والشعوب وحرمانها من فرص التعاون والتقدم والازدهار.فى ضوء ما يحدث كيف ترى المطالب المصرية للنظام السورى الحالى بضرورة طرد الجهاديين المصريين والأجانب من هيكل الجيش الجديد؟- من الصعب أن يكون لهذا الطلب صدى لدى السلطة السورية طالما أن القاهرة لا تزال تشكك فى النظام الجديد. وهو يبدو وكأنّه تأكيد على هذا التشكيك وذريعة لتبرير الموقف المصرى السلبى من هذا النظام، خاصة أن مسألة الأجانب مطروحة بشفافية من قبل واشنطن، الداعم الأول للنظام، مثلما هى مطروحة من قبل الرأى العام السورى بأكمله تقريبًا، ولا نقاش فى أنه لا ينبغى للأجانب أن يتبوؤوا أى مناصب قيادية فى البلاد. فهذه بالأساس قضية داخلية.وكيف ترى هذه الإشكالية تحديدا فى ضوء رؤيتك للوضع على الأرض، وما شاب ذلك من اتهامات واضحة من ارتكابهم مذابح ضد فئات سورية مثل العلويين والدروز؟- لم تصدر من أى طرف اتهامات واضحة بأن العناصر الأجنبية فى الهيئة هى المسؤولة عن ارتكابات الساحل أو السويداء، بالرغم من أن السلطة اعترفت بارتكاب أخطاء. فهناك متطرفون أيضًا من غير الأجانب ومنهم أيضًا. فقضية التجاوزات لا ترتبط بالأجانب بمقدار ما هى انعكاس لتناقضات الوضع الانتقالى وهشاشة القوى الأمنية ونقص تدريبها وخبرتها فى حفظ الأمن واحترام القانون.وما أفضل نظام من وجهة نظرك سياسيا لسوريا، خاصة أن الرئيس الشرع يرى أن سوريا غير جاهزة قبل ٥ سنوات لانتخابات حقيقية؟- أفضل نظام لسوريا، كما هو الحال لكل شعوب العالم فى نظرى، هو أن يكون الشعب سيد أمره ويختار حكامه بطريقة ديمقراطية تسمح بتداول السلطة واحترام الحقوق المتساوية لجميع الأفراد المواطنين. لكن مثل هذا النظام لا يملك بعد شروط تحقيقه المادية والسياسية والفكرية فى بلاد عاشت فى ظل نظام الخوف والقهر والعنف والمذابح نصف قرن، وانتهت بحرب إبادة جماعية ذهب ضحيتها أكثر من مليون ضحية، وهُجّر بسببها نصف سكان البلاد، ودُمرت جزئيًا أو كليًا أكثر مدنها وقراها، وتحولت بنيّاتها التحتية ومؤسساتها إلى رميم، ولا يزال ٩٠ بالمئة من السكان يعيشون تحت حد الفقر.أحلام السوريين وأولوياتهم فى هذه الفترة الانتقالية، التى أتمنى ألا تدوم خمس ولا أربع سنوات، هى الأمن على الأرواح ولقمة الخبز، وترميم النسيج الاجتماعى الممزق، وإعادة توحيد البلاد الممزقة بين أمراء حرب مدعومين من الخارج. بعد ذلك، عندما يخرج الشعب من تحت الأنقاض، ويتعرف على ذاته ويعيد بناء وعيه الوطنى وتوحيد إرادته، يصبح من السهل له أن يفرض إرادته ويقرر مصيره بنفسه.…