الفن حياة| «ابن الواحة».. عادل العمدة: حولت النخيل من عبء بيئى إلى فن (الحلقة 13)

  • منذ شهر
  • المصرى اليوم
  • بشري عبدالمؤمن
Loading image...
ليس كل ما يُحرق يُنسى، ولا كل ما تُهمله العين يفقد حقه فى الجمال، ففى الوادى الجديد، حيث يتجاور الصمت والنخيل، وحيث تتراكم التفاصيل الصغيرة خارج عدسة الاهتمام، اختار الفنان عادل العمدة أن يُصغى لما لا يُسمَع عادة، لم يبحث عن خامةٍ مستوردة، ولا عن فكرةٍ جاهزة، بل انحنى على ما كان الناس يعبرون عنه سريعًا، ويمضون. من هنا، بدأت رحلة تحويل «النخيل»- بما يحمله من ذاكرة وبيئة وسوء استخدام- إلى لغة فنية، وإلى سؤال مفتوح عن دور الفن: هل هو زينة، أم محاولة بطيئة لتغيير طريقة نظرنا إلى ما حولنا؟فى هذا الحوار، لا يتحدث «العمدة» عن لوحات فقط، بل عن صبرٍ طويل، وعن خامةٍ تحتاج وقتًا لتجف، كما تحتاج الفكرة وقتًا لتُفهم، يحكى عن بيئة لم تستوعبه فى البداية، وعن فنٍّ لم يَعِدْه بالعيش السهل، لكنه منحه معنى، وجعل من النخيل- الذى كان يُحرق- شاهدًا على أن الجمال أحيانًا لا يُولد إلا من الهامش.يستقبلنا «العمدة» ببساطة ابن الواحات، وبحماس من يؤمن بأن الفن ليس رفاهية، ويقول فى حواره مع «المصرى اليوم» إن علاقته بالفن لم تبدأ كقرار مهنى، بل كميلٍ قديم كان يكبر معه خطوة خطوة: «هو بالنسبة للفن فى العموم كان هواية من الطفولة، بدأت تكبر معايا فى مراحل تالية». وبين الطفولة واليوم، يشرح أنه مرّ بتجارب كثيرة ومواد مختلفة، بحثًا عن صيغة تُخرِج الفن الذى بداخله إلى الواقع: «اشتغلت على خامات متعددة، على أساس إنى أخرج الفن اللى جوايا، وبدأت بتخبطات فى الأول».لكن التحول الحقيقى- كما يراه- لم يكن مجرد انتقال من خامة إلى أخرى، بل لحظة قرر فيها أن يكون لعمله أثر أبعد من الإعجاب العابر، يروى «العمدة» المولود فى عام ١٩٧٧ ذلك بوضوح: «فى مرحلة من المراحل وجدت إن لأ أنا عايز أعمل حاجة مميزة تفيدنى وتفيد اللى حواليا». ومن هذا المنطلق تبلورت فكرته: إعادة توظيف خامة «النخيل» من بيئته فى الوادى الجديد، خامة يقول إن المجتمع كان يتعامل معها بسلوكٍ سلبى، إما بالحرق أو الإهمال، بما يفاقم التلوث ويُكرّس صورة «اللاجدوى».يوضح «العمدة» أن خامة «النخيل» التى يعمل عليها كانت مهمشة إلى درجة أنها أصبحت جزءًا من المشكلة البيئية: «الخامة دى مهمشة، بتتحرق، بتعمل تلوث فى البيئة، السلوك ناحية الخامة سلبى».هنا لم يرَ المادة بوصفها «مخلفًا»، بل بوصفها احتمالًا فنيًا يمكن أن يبدّل النظرة ذاتها، ولذلك قرر أن يطوعها: «فأنا حاولت أن أطوعها وأدخلها فى الفن بتاعى». لم يقف الأمر عند الفكرة، بل تحوّل إلى مسار طويل من التجريب والتأهيل، بحثًا عن طريقة تضمن للمنتج الفنى عمرًا أطول واستدامة أعلى، خصوصًا إذا وصل إلى عميل بعيد عن البيئة الأصلية للخامة.فى حديثه عن المراحل الأولى، يشير «العمدة» إلى أنه بدأ بخطوات بسيطة ثم توسع تدريجيًا: «الأول دربتها على أشكال فنية، متفصلة على أشكال معينة، وبعدين حاولت أطور الموضوع، وأتحرى إزاى أؤهل الخامة للشغل بتاعى على أساس يبقى فيها استمرارية واستدامة للمنتج». اللافت هنا أنه لا يتحدث عن فكرة فقط، بل عن منهج شبه حرفى فى التعامل مع «النخيل»، منهج يستند إلى ملاحظة تراثية أيضًا. يقول إنه استدل على قابلية الخامة للاستمرار من بيوت قديمة فى الواحات: «لقيتها فى المنازل القديمة بتاعتنا، مفيش فيها أى تلفيات، وبقالها أكثر من عشر سنين».لكن التجربة لم تكن سهلة، فالتعامل مع خامات الطبيعة ليس عملية فورية، بل ترتبط بالمواسم وبالطقس وبالتجفيف والمعالجة. يشرح «العمدة» تفاصيل تبدو أقرب إلى «مختبر» داخل البيئة المفتوحة: «الخامة لازم تضمن إنها تجف نهائى، بصورة طبيعية، وببخرها بالدخان». وبين التجفيف الطبيعى والتبخير بالدخان، يكتشف «العمدة» أن الخامة تحتاج صبرًا ووقتًا قبل أن تصبح صالحة للنحت أو التشكيل، وهو ما جعله يطور خطوات شبه ثابتة يكررها مع كل دفعة خامات جديدة.وحين خرج بمنتجه إلى المعارض، كان عليه أن يقدّم نفسه للجمهور من بوابةٍ مفهومة: التراث. يقول «العمدة» إنه بدأ من «أجسام تراثية» فى محافظته، يحولها إلى مجسمات ونماذج تحكى للآخرين عن الوادى الجديد بطريقة غير مباشرة: «بدأت إنى أشتغل على الأجسام التراثية اللى موجودة عندى فى المحافظة، إزاى أصدّرها وأورى للناس، وأعمل جذب للمحافظة بتاعتى بطريقة غير مباشرة بالنماذج اللى أنا بعملها». ثم اتسعت الدائرة إلى مشاهد من مصر عمومًا: «وسعت الموضوع، إنى أعمل مصر بالعموم، بعض المشاهد اللى للمصريين عامة، أعمل نماذج منها».فى هذا المسار، لم يتعامل «العمدة» مع الفن بوصفه منتجًا واحدًا بمقاس واحد، بل كحرفة تتكيف مع رغبات الجمهور. يذكر أنه عمل أيضًا لوحات كبيرة تتحكم فى المساحة وفق طلب العميل، بهدف الوصول إلى شرائح أوسع: «أعمل تابلوهات ولوحات كبيرة، أتحكم فى حجم المساحة حسب رغبة العميل، على أساس أستهدف أكبر شريحة من العملاء». ومع المعارض، جرّب تقديم «عرض حى» أمام الناس ليشرح لهم كيف تتحول الخامة من شىء مهمل إلى قطعة فنية: «بعمل فى المعارض زى لايف، عرض حى، أورى للعميل إزاى أنا بتعامل مع الخامة، لقيت إن الناس بتتفاعل».هذا التفاعل- كما يقول- لم يكن مجرد مجاملة، بل انعكس فى طلبات شراء وهدايا، يضيف «العمدة»: «لدرجة إن الناس بتطلب منى هدايا معينة لدول معينة». ومن هنا يعود إلى فكرته الأساسية: الفن كأداة تغيير سلوكى: «أنا معتبرها رسالة، أغير سلوك معين، بدل ما هو سلبى يبقى إيجابى».وعن سؤال «الدراسة» و«الفنان الفطرى»، لا يتردد «العمدة» فى وضع الموهبة والممارسة فى المقدمة، حيث يرى أن الاستمتاع هو شرط الاستمرار، وأن من يحب ما يفعل لا يتوقف عند مرحلة واحدة: «هواية، والممارسة، والهواية ممكن هى اللى تديك القوة، فيه فرق إنك بتشتغل شغلانة وإنك حابب الشغلانة نفسها، اللى بيستمتع بيها بيبقى فيه استمرارية، وبحاول أطور الشغل بتاعى، ما بكررهاش».غير أن البيئة نفسها- بما فيها من دعم وعرقلة- تظل جزءًا من المعادلة، يعترف «العمدة» ابن قرية تنيدة بالواحات الداخلة فى الوادى الجديد، بأن المجتمع المحيط ليس دائمًا مستوعبًا لفكرته، خصوصًا حين حاول تأسيس بيت تراثى وتجربة عرض خارج القوالب المعتادة: «البيئة بتاعتى مش مستوعبة اللى أنا بعمله، الناس كانت مستغربة أنا بعمل إيه فى المجتمع القروى»، لكنه يؤكد أنه لم يجعل ذلك سببًا للتراجع: «أنا ما نظرتش للشىء السلبى ده».وفى المقابل، يطرح القاهرة كحل «عملى» للانتشار، لا كبديلٍ للواحات، يقول «العمدة» إن كثيرًا من…