فى زمنٍ تتجدد فيه الأسئلة القديمة حول حدود المباح والمحرم، ودور الفن فى مجتمعات لم تحسم بعد علاقتها بالحداثة والتأويل، يأتى كتاب «الفن الحرام.. تاريخ الاشتباك بين السلفيين والمبدعين» للكاتب أيمن الحكيم، الصادر عن دار «الحكيم» للنشر، فى معرض القاهرة الدولى للكتاب، بوصفه عملًا توثيقيًا نادرًا، لا يكتفى بسرد وقائع الصدام بين الخطاب الدينى المحافظ والإبداع الفنى، بل يعيد تفكيك هذا الاشتباك بوصفه ظاهرة ثقافية وسياسية واجتماعية ممتدة، شكّلت وجدان المجال العام العربى لعقود طويلة.الكتاب لا يقدّم نفسه كبيان دفاعى عن الفن، ولا كملف اتهام ضد الدين، بل كمرآة صافية لمرحلة كاملة، تُستعاد فيها المعارك التى دارت حول الأغنية، والقصيدة، والفيلم، والمسرح، حين تحوّل الإبداع من فعل جمالى إلى «قضية رأى عام»، ومن تجربة فنية إلى ساحة اختبار للسلطة الرمزية للفتوى. هنا، لا نجد سردًا انفعاليًا، بل كتابة تميل إلى البرودة البحثية، تستند إلى الوثيقة، والوقائع المنشورة، ومحاضر التحقيق، والتصريحات المسجلة، بما يجعل الكتاب أقرب إلى أرشيف ثقافى مفتوح، لا إلى حكاية أحادية الصوت. الأهمية الخاصة لهذا الكتاب أنه يربط بين الوقائع المتناثرة، ويضعها فى سياق واحد، كاشفًا عن نمط متكرر: كلما حاول الفن الاقتراب من المسكوت عنه، أو إعادة تأويل الرموز الكبرى، اشتعل الصدام، وتقدّم منطق التحريم على منطق الحوار، ومع ذلك لا يسقط الكتاب فى فخ شيطنة طرف أو تبرئة آخر، بل يترك الوقائع تتكلم، ويمنح القارئ فرصة نادرة لإعادة التفكير فى تاريخ طويل من التوتر بين الجمال والخوف، والخيال والسلطة.وفى هذا السياق، تقدم «المصرى اليوم» لقرائها أجزاء من أحد فصول الكتاب بعنوان: «عبد الوهاب فى المحكمة بتهمة: من غير ليه!»، وهو واحد من أكثر فصول الكتاب دلالة على طبيعة الصدام بين الفن والخطاب الدينى المتشدد فى العقود الأخيرة من القرن العشرين.عبد الوهاب فى المحكمة بتهمة: «من غير ليه!»عندما أسلم عبد الحليم حافظ روحه إلى بارئها فى ٣٠ مارس عام ١٩٧٧ فى المستشفى بالعاصمة الإنجليزية لندن، كان إلى جواره على «الكوميدينو» الملاصق لسريره شريط كاسيت، وضعه بحرص وعناية بين زجاجات الأدوية والمحاليل، دليلًا على أهميته البالغة. وبمجرد أن تأكد نبأ الوفاة رفع صديقه مجدى العمروسى الذى لازمه فى رحلة علاجه الأخيرة الشريط فى هدوء، ودسه فى طيات ملابسه، لأنه يعرف قيمته ويدرك أهميته.على الشريط كان الموسيقار الكبير محمد عبدالوهاب سجل بصوته أغنية «من غير ليه!» التى كتبها الشاعر مرسى جميل عزيز، ولحنها عبد الوهاب، ليغنيها حليم فى حفل عيد الربيع فى عام٧٧، عقب عودة العندليب من رحلة العلاج.وعلى سرير المرض كان عبد الحليم يستغل لحظات صحوٍ قليلة ليستمع إلى الشريط بتركيز شديد، ليحفظ اللحن بأسرع ما يمكن.. وذهب العندليب، واستقرت الأغنية فى خزائن مجدى العمروسى، وظلت قابعة فى ظلامها ما يزيد على عشر سنوات.وخلال تلك السنوات العشر تلقى عبد الوهاب عشرات العروض من مطربين كبار، ليحصلوا على الأغنية، التى لم يسعف القدر عبد الحليم ليشدو بها.كان عبد الوهاب يرفض بحسم، معتذرًا ومتعللًا بشتى الأعذار. وكان الوحيد الذى تنبه إلى السبب الحقيقى لهذه الاعتذارات المتوالية هو الموسيقار سيد إسماعيل، الذى أدرك أن عبد الوهاب لا يريد أن تفلت الأغنية من حنجرته، وأنه ينوى أن يغنيها بنفسه.وعرض سيد إسماعيل على موسيقار الأجيال مساعدته فى إعداد توزيع موسيقى جديد للأغنية، وصادف العرض بالفعل هوى فى نفس عبد الوهاب، وما هى إلا أيام حتى استدعى أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة الماسية- أشهر الفرق الموسيقية آنذاك- ويطلب منه كتابه نوتة للحن، وتطلب التوزيع الجديد إحضار جهاز حديث من لندن اسمه «دورومير»، وسافرت السيدة نهلة القدسى حرم الموسيقار بنفسها لإحضاره، حتى يرفع الشوشرة من الشريط القديم.تفتق ذهن عبد الوهاب عن حيلة بارعة هى الاستعانة بصوته المسجل على الشريط، وكان يومها- قبل ذلك بعشر سنوات- أكثر صفاء وحيوية وقوة، على أن يضيف إليه لمسات جديدة، وتحول استوديو ٤٦ بالإذاعة المصرية إلى غرفة عمليات لإنجاز هذه المهمة.بذل عبد الوهاب جهدًا خرافيًا حتى تليق الأغنية برجوعه المنتظر إلى ساحة الغناء بعد غياب طويل، اكتفى خلاله بالتلحين فقط.وفى شهر مايو من عام ١٩٨٩ خرجت الأغنية للنور، محدثة دويًّا غير مسبوق، وتحولت فى ساعات إلى حديث العالم العربى، والأغنية المفضلة على جميع الإذاعات، والمتصدرة لقائمة المبيعات فى سوق الكاسيت، متفوقة على ألبومات نجوم الغناء الجدد. ولم يكن مجدى العمروسى مدير شركة صوت الفن المنتجة للأغنية والصديق الصدوق لعبد الوهاب مبالغًا عندما كتب فى وصف نجاح «من غير ليه!»: وعند نزول الشريط بصوت عبد الوهاب كان مثل عصا موسى التى التقفت كل ما فى السوق من أشرطة أخرى.. وكنت تسمع الشريط فى كل التاكسيات وسيارات المينى باص وأصبح شريط «من غير ليه» بصوت عبد الوهاب أنجح شريط فى صوت الفن منذ إنشائها.. ويمكننا أن نضيف أفعل تفضيل جديدة تخص الأغنية ذاتها، إذ كانت أطول أغنية غناها عبد الوهاب، ووصلت إلى ٤٦ دقيقة، واستغرق مرسى جميل عزيز فى كتابتها أكثر من عامين، فقد بدأ فى كتابتها فى ٧ أبريل ١٩٦٧ وانتهى منها فى ٨ نوفمبر ١٩٦٩ وبلغت أبياتها ١١٠ أبيات، وكانت حدثًا فى تاريخ الأغنية العربية كله. كانت علامات الرضا بادية على وجه عبد الوهاب، وأمارات التعب والإرهاق أيضًا، فقرر أن يمنح نفسه إجازة استجمام فى باريس، وما كاد يستقر فى عاصمة النور، حتى تلقى مكالمة قلبت سعادته وأزالت هدوءه. كانت المكالمة تؤكد له أن دعوى قضائية عاجلة أقيمت ضده تتهمه بالإلحاد والزندقة. واستمع عبد الوهاب إلى التفاصيل غير مصدق.. التفاصيل تروى أنه فى أعقاب النجاح المدوى للأغنية، وما أثارته من جدل خاصة فيما يتعلق بمطلعها الذى رآه البعض صادمًا، تطوع أحد المحررين الشبان يعمل بجريدة دينية أسبوعية بالذهاب إلى لجنة الفتوى بالأزهر الشريف. وبلا لف ولا دوران طلب رأيًا فقهيًّا فى أغنية «من غير ليه!». ولأن رئيس اللجنة د. عبدالله المشد لم يكن متابعًا للحركة الفنية، ويقضى جل وقته فى الرد على أسئلة الجمهور وتوضيح الرأى الشرعى فيما يستغلق على الناس فقد طلب أن يسمع كلمات الأغنية..وتقدم المحرر بالسؤال مكتوبًا إلى رئيس لجنة الفتوى: «صدرت أغنية فى الآونة الاخيرة للفنان محمد عبدالوهاب تتضمن كلمات تمثل مخالفة صريحة للشرع الإسلامى، وتقول هذه الكلمات: جايين الدنيا ما نعرف ليه.. ولا رايحين فين ولا عاوزين إيه». وفى مقطع آخر يقول: «مش معقول أبدًا يا حبيبى القدر اللى هدانى بحبك.. يوم من الأيام يبقى عزول».وبلا تردد كتب د. عبد الله المشد فتواه:إن هذه الكلمات تمثل إساءة بالغة لديننا الحنيف، وتدخل كاتبها ومرددها فى دائرة الشرك بالله لما فيها من تعارض مع ما جاء بآيات القرآن الكريم واستهانة بالقدر، وبذلك فإن الأغنية تدعو إلى الشرك بالله.. وعلى المسؤولين فى الدولة وهى دولة إسلامية أن يستتيبوا مؤلف الأغنية ومغنيها، فإن تابوا ورجعوا..وإلا عُزِّروا.. والله تعالى أعلم». ووقعت تلك الفتوى فى يد محام شاب، كان قبلها يشعر بغضب مستطير بعد سماعه للأغنية. كان عبدالحكيم شداد– ٢٥ عاما– قد تخرج قبل سنوات قليلة فى كلية الحقوق يتحسس خطواته الأولى فى عالم المحاماة.. كان ملتزمًا دينيًّا، ويداوم على حضور الندوات الدينية التى يعقدها الشيخ صلاح أبوإسماعيل.ولم ينتظر عبدالحكيم موعد الندوة الأسبوعية، فبادر بالاتصال بالشيخ ليسأله عن رأيه فى جريمة عبدالوهاب، فجاءه رد الشيخ بردًا وسلامًا: نعم.. الأغنية مخالفة للشرع وتعتبر سبًا وإهانة..!ولم يكتف عبدالحكيم برأى شيخه، بل سعى إلى من اعتبرهم أهل الثقة من أهل الشرع وعن طريق صديق له نجح فى الوصول إلى الداعية الشهير عبد الحميد كشك، الذى أكد له صحة ما قاله الشيخ المشد بل أضاف عليه ما هو أكثر انفجارًا: «إن عبدالوهاب اقتبس هذه الأغنية من أنصار مذهب الجبرية ومن أشعار إيليا أبوماضى الذى ينتمى إلى هذا المذهب».واطمأن قلب المحامى الشاب، وفى الصباح كان يدون بيانات دعواه القضائية أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، يختصم فيها محمد عبدالوهاب ورئيس اتحاد الإذاعة والتليفزيون ومدير الرقابة على المصنفات الفنية ومنتج الأغنية، مطالبًا بصفة عاجلة بوقف إذاعة الأغنية عبر وسائل الإعلام وعدم توزيعها عبر منافذ الكاسيت، ومصادرة الأغنية محل الدعوى لمخالفتها الشريعة الإسلامية، وإحضار مطربها لاستتابته أمام المحكمة، اعتمادًا على فتوى الشيخ المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف.وبُهت عبد الوهاب، وعاد إلى كلمات الأغنية التى كتبها مرسى جميل عزيز، والتى حمَّلها فلسفته فى الحياة، وأودعها خبرته الطويلة فى شكل قطرات من الحكمة المغموسة بالشجن والوجد، وراح يستعيدها من جديد:جايين الدنيا ما نعرف ليه/ ولا رايحين فين ولا عايزين إيه/ مشاوير مرسومة لخطاوينا/ نمشيها فى غربة ليالينا/ يوم تفرحنا ويوم تجرحنا/ وإحنا ولا احنا عارفين ليه / وزى ماجينا مش بإدينا / زى ما رمشك خد ليالينا / وحكم وأمر فيها وفيّ / ولقيت بيتى بعد الغربة /قلبك ده وعيونك دية / ولقيت روحى فى أحضان قلبك /بحلم وأصحى وأعيش على حبك / حتى فى عز عذابى بحبك ياللى زمانى رمانى فى بحر عينيك / ونسانى وقالى إنسانى / بحر عينيك يا حبيبى غريق / لكن فيه أحلى ليالى زمانى /توهت وتاهت دنيتى منى / بين أفراحى وبين أشجانى / دنيتى غنوة.. لأ تنهيدة / لأ شىء تانى.. لأ شىء تانى / دنيتى حبك حاجة حاسسها / حاجة لامسها حاجة شايفها / حاجة حاسسها لامسها شايفها / لكن ولا أوصاف توصفها.ووضع عبد الوهاب خطوطًا تحت المقطعين اللذين قال المحامى صاحب الدعوى إنهما مخالفان للشرع:- جايين الدنيا ما نعرف ليه / ولا رايحين فين ولا عايزين إيه.- مش معقول يا حبيبى إن القدر اللى هدانى لحبك / يوم من الأيام يبقى عزول.وظل يتأملهما حتى وهو فى طائرته التى عاد بها إلى القاهرة لمتابعة القضية عن كثب، إدراكًا منه أن الأمر جد خطير، حتى ولو كان صاحبها طالب شهرة، لأن التهمة التى خلعها عليه- الإلحاد ومخالفة الشرع- لا بد من التصدى لها بقوة وشراسة، لأنها من المناطق التى لا تغفرها الجماهير العربية أبدًا، خاصة بعد أن لاحظ أن من بين علماء الدين المتشددين من يميل إلى توجيه التهمة له ولو بشكل غير مباشر، عندما أكدوا أن هناك من الشعراء العرب من تأثر بالأدب الإغريقى الذى يصور الإنسان فى صراع دائم مع القدر، فى حين أن الإسلام ألغى هذه الفكرة، ورفض هذه النظرة، عندما أكد أن المسلم عليه أن يرضى بقضاء الله وقدره، ومع ذلك خرج علينا من يقول «قدر أحمق الخطى» و«لبست ثوب العيش لم أُستَشر»، وهو كلام يتعارض مع العقيدة الإسلامية، كما يتعارض هذا التشكيك فى جدوى الحياة، ودور الإنسان فيها، وهو الدور الذى حسمه القرآن الكريم عندما قال عن لسان الخالق، عز وجل: «ومَا خَلَقْتُ الْإِِنْسَ وَالْجِنَّ إِلاَّ لِيَعْبُدوُنِ».وأمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة، طلب عبد الوهاب من رئيسها المستشار طارق عطية سماع رأى الشيخ المشد رئيس لجنة الفتوى بالأزهر، مشككًا أن عالمًا أزهريًا يمكن أن يصدر مثل هذه الفتوى التى اعتمد عليها المحامى فى توجيه الاتهام له «بالإلحاد»، وهو اتهام يستحيل أن يخرج عن عالم أزهرى بهذه السهولة.وصدق حدس عبد الوهاب، فعندما جاء الشيخ المشد للشهادة أمام المحكمة فجر مفاجأة بنفيه أن تكون هذه الفتوى قد صدرت عنه، كل ما يذكره أن شخصًا اتَّصَل به وطلب منه أن يعرف رأيه فى أغنية عبدالوهاب الجديدة، ولما لم يكن قد استمع إليها ولا يعرف مضمونها فقد اعتذر عن عدم إبداء أى رأى.وبعد أربع ساعات من المداولات والمرافعات أصدرت المحكمة حكمًا تاريخيًّا برفض الدعوى، وقالت حيثيات براءة عبد الوهاب من تهمة الإلحاد:إن الموسيقار محمد عبد الوهاب ونشأته الدينية وحفظه للقرآن ينأى به عن التردى فى دائرة الشرك أو السخرية من القدر، وقالت المحكمة: إن عبارة «جايين الدنيا ما نعرف ليه» لا تعنى إلا سخرية الإنسان من نفسه وضعفه وقلة حيلته، فهو حقًّا لا…
عندما دخل الفن قاعة الاتهام «من غير ليه!».. عبدالوهاب فى مواجهة تهمة الإلحاد (ملف خاص)
- منذ شهر
- المصرى اليوم
Loading image...
