أردم أوزان يكتب: تسليح الهوية.. اللعب بالورقة الكردية في منطقة على حافة الانفجار

  • منذ 3 ساعات
  • سي إن إن عربية
Loading image...
هذا المقال بقلم الدبلوماسي التركي أردم أوزان، سفير أنقرة السابق لدى الأردن، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتب ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.

تشير المؤشرات الإقليمية المتسارعة إلى حقيقة يصعب تجاهلها، مفادها أن الشرق الأوسط يدخل طورًا جديدًا من عدم الاستقرار الطويل والمتوسع. وما نشهده اليوم لا يمثل ذروة التصعيد، وإنما بدايات تحوّل استراتيجي أعمق وأكثر خطورة.

الصورة العامة تعد أشد تعقيدًا من سابقاتها، سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، فقد تحولت البنية التحتية الحيوية إلى أهداف متكررة، وتم ضرب شبكات ومحطات المياه والكهرباء والخدمات المدنية بصورة متزامنة، مما جعل الدول الهشة تقترب بسرعة من عتبة الضغط البنيوي. ويكشف ارتفاع أعداد الضحايا في لبنان مدى سرعة انتقال الاحتكاك التكتيكي المحدود إلى حالة من العدوان الاستراتيجي، الذي توسع إلى أبعد من الجبهات العسكرية، وأخذ يتسلل إلى الأنظمة المدنية التي تقوم عليها حياة المجتمعات واستقرارها.

وزاد على هذا السياق المقلق، عودة تكتيك قديم إلى الواجهة، يتمثل في توظيف المناطق الكردية في إيران كورقة ضغط. المنطق الظاهري لهذا التكتيك بسيط، تحديد مجتمع يُنظر إليه بوصفه سهل التحريك، لإرسال إشارات توحي بوجود زخم سياسي أو ميداني، وتعزيز الانطباع بوجود خاصرة رخوة يمكن النفاذ منها. غير أن هذا النمط جُرّب مرارًا عبر عقود طويلة، ولم يفضِ في أي مرة إلى مكسب استراتيجي حقيقي.

لأن الافتراض الذي يقوم عليه هذا النهج افتراض خاطئ في جوهره. فالمناطق الكردية في إيران ليست أطرافًا رخوة أو مهمّشة أمنيًا، بل هي من بين أكثر المناطق خضوعًا للرقابة والتأمين داخل البلاد. وأي مؤشر على تدخل خارجي يُفسَّر فورًا باعتباره تهديدًا وجوديًا. وعليه، فإن تفعيل هذا المسار لا يخلق نفوذًا سياسيًا، بل يستدعي استجابة أمنية سريعة وحاسمة. وفي المحصلة، فإن الكلفة المباشرة تقع على المدن الكردية وسكانها وسبل عيشهم، لا على بنية الدولة الإيرانية أو مؤسساتها.

وهنا يتكشف الخلل البنيوي بوضوح، فرغم الإقرار بالمظالم الكردية والتي لا يمكن إنكارها، لكنها لا تصلح أساسًا لزعزعة إقليمية، إذ أن الدعم الخارجي لا يضمن الحماية، والتحريض التكتيكي لا ينتج حلولًا سياسية. وغالبًا ما يجد الفاعلون الأكراد أنفسهم منخرطين في مواجهات صاغها آخرون، ويتحركون فيها كأدوات في معادلات أكبر منهم، لا كلاعبين أساسيين يمتلكون زمام المبادرة، أو أن يكونوا الهدف المستفيد من هذه المواجهات. وهذا ما أصبح واضح خلال قرن كامل من التجارب يكرّس هذا النمط المؤلم من التكرار، الذي قد يكون هذه المرة أشد إيلامًا، فالواقع الإقليمي الراهن يجعل هذا النهج أكثر خطورة وزعزعة أكبر لأمن الأكراد وأمن المنطقة.

فالعراق يعيش حالة توازن داخلي هش، وإقليم كردستان يعاني انقسامات سياسية عميقة، وضغوطًا اقتصادية متراكمة، وتصدعات في بنيته الحاكمة. وأي ارتدادات قادمة من إيران لن تضرب طهران أولًا، بل ستطال أربيل والسليمانية قبل غيرهما. والافتراض بأن كردستان العراق قادرة على امتصاص مثل هذه الصدمات لم يعد افتراضًا واقعيًا.

أما سوريا، فهي تعيش على خريطة شبه مجمّدة. الشمال الشرقي يُدار ضمن توازن دقيق وحساس. وهناك مسار بطيء لإعادة ترتيب العلاقة بين "قوات سوريا الديمقراطية" ودمشق. في الوقت نفسه، أصبح الوجود الأمريكي أكثر ارتباطًا بدورات السياسة الداخلية في واشنطن. ولا يبدو أن أي طرف من الأطراف الفاعلة، سواء قوات سوريا الديمقراطية، أو دمشق، أو روسيا، أو إيران، أو تركيا، أو الولايات المتحدة، مستعد لفتح جبهة كردية جديدة. والكل متفق لإبقاء الشمال الشرقي مساحة إدارة مؤقتة بمرونة وليس منصة انطلاق لصراعات جديدة.

تركيا بدورها تمر بمرحلة إعادة ضبط داخلية محكومة بدقة، يجري فيها تفكيك هياكل حزب العمال الكردستاني تدريجيًا، فيما تتغير الديناميكيات المحلية في الجنوب الشرقي. وتسعى الدولة إلى تثبيت الاستقرار دون العودة إلى أطر السلام السابقة. وهذا المسار يخلق بيئة لا تتسامح مع أي محفز خارجي للتصعيد، لأن التصعيد يتعارض بنيويًا مع مسار التهدئة وإعادة الضبط الجاري.

عبر هذه الساحات جميعها، يبقى ثابت واحد لا يتغير، وهو أن الأكراد ما زالوا موزعين بين أربع دول، خاضعين لتحالفات مختلفة، ومحكومين بسياقات سياسية متباينة. هذا التشتت ليس مجرد تفصيل تاريخي، وإنما عامل بنيوي يسمح بتكرار توظيفهم في صراعات الآخرين.

خصوصًا مع دخول عنصر جديد إلى المعادلة مؤخرًا. فقد أعلن الرئيس دونالد ترامب أنه لا يرغب في رؤية الفاعلين الأكراد يُزجّ بهم في موجة التصعيد الحالية. هذا الموقف لا يزيل المخاطر البنيوية القائمة، لكنه يضيف ضغطًا سياسيًا مهمًا؛ فالفاعل الخارجي الرئيسي الموجود في الساحة السورية يبعث بإشارة واضحة مفادها أن تفعيل الورقة الكردية ليس جزءًا من المسار الذي يفضله. وهذا قد يقلل من احتمالات التصعيد المتعمد عبر هذه القضية، حتى وإن ظل خطر سوء التقدير من قبل الفاعلين المحليين أو الإقليميين قائمًا.

غير أن المخاطر لا تأتي من الخارج فقط، بل تنبع أيضًا من الداخل. فالحياة السياسية الكردية لا تزال تعتمد على تحقيق مكاسب تكتيكية متفرقة دون إطار استراتيجي جامع. وغالبًا ما يُساء فهم الدعم الخارجي بوصفه ضمانة للأمن طويل المدى. كما تُعامل المكاسب قصيرة الأجل كبديل عن رؤية سياسية موحدة. وهذه المقاربة لا تولد قوة، بل تعمق الهشاشة.

المنطقة بأسرها تدخل مرحلة تتسم برؤيا مؤسسية ضعيفة، وحدود مفتوحة، وهوامش ضيقة للخطأ. وفي مثل هذا السياق، فإن استخدام الورقة الكردية للضغط على إيران لا يمكن اعتباره استراتيجية. إنه ببساطة تصعيد إضافي يُضاف إلى بيئة مشبعة أصلًا بعدم الاستقرار.

ومرة أخرى، لا ينبغي أن يكون الأكراد أداة في لعبة الضغط الإقليمي. فرغم أنهم شعب جعل انقسامه التاريخي استغلاله سهلًا والدفاع عنه بالغ الصعوبة، فإن أي نظام إقليمي مستقر لا يمكن أن يقوم على إعادة تدوير سيناريوهات قديمة في منطقة لم تعد تحتمل خطًا استراتيجيًا جديدًا. وفي مثل هذا السياق، فإن إعادة فتح ملفات الهوية كسلاح سياسي يعد وصفة مؤكدة لمزيد من التصعيد في بيئة إقليمية شديدة الخطورة.

* نبذة عن الكاتب:

أردم أوزان دبلوماسي تركي متمرس يتمتع بخبرة 27 عامًا في الخدمة الدبلوماسية. وقد شغل العديد من المناصب البارزة، بما في ذلك منصبه الأخير كسفير لدى الأردن، بالإضافة إلى مناصب في الإمارات العربية المتحدة والنمسا وفرنسا ونيجيريا.

ولد في إزمير عام 1975، وتخرج بمرتبة الشرف من كلية العلوم السياسية بجامعة أنقرة. واكتسب معرفة واسعة بالمشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي في الشرق الأوسط، حيث قام بتحليل تعقيدات الصراعين السوري والفلسطيني، بما في ذلك جوانبهما الإنسانية وتداعياتهما الجيوسياسية.

كما شارك في العمليات الدبلوماسية المتعددة الأطراف، وتخصص في مجال حقوق الإنسان والتطورات السياسية الإقليمية. وتشمل مساهماته توصيات لتعزيز السلام والاستقرار من خلال الحوار والتفاوض بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية والمنظمات الدولية. ويواصل حاليا دراساته عن الشرق الأوسط بينما يعمل مستشارا.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر