«ما بنامش» والطريق «بلا أمان».. «المصري اليوم » ترصد حكايات سائقي الصعيد في العيد (معايشة)

  • منذ شهر
  • المصرى اليوم
  • عمر مراد
Loading image...
فى الوقت الذى يجهز فيه الجميع لاستقبال عيد الفطر وتزدحم البيوت بزيارات الأقارب، يواصل سائقو الميكروباص على خط «القاهرة – الصعيد» العمل لساعات طويلة، غير قادرين على مشاركة أسرهم أجواء الاحتفال، فى ظل زيادة الإقبال على السفر بين المحافظات خلال موسم العيد.على طريق خط «القاهرة - الصعيد» الصحراوى، يقف «الأسطى» خلف زجاج سيارته، عيناه ترصدان الطريق كصقر أرهقه السهر، ساعيًا نحو كسب قوت يومه حتى يهنأ أولاده بروحانيات العيد نيابة عنه، وسط ظروف مناخية صعبة يترقبها الناس فى العيد، حسبما أشارت هيئة الأرصاد الجوية.يبتلع سائقو الميكروباص غصة غيابهم عن موائدهم، ليتحول «العيد» فى قاموسهم من نزهة وفرحة إلى «موسم شقاء» مُغمس بعرق الجبين، خلف زجاج غطته أتربة السفر، يصارعون شمس الطريق الصحراوى التى لا ترحم، وتقلبات جوية تطمس معالم الطريق، قابضين على «الطارة» كأنهم يقبضون على الجمر؛ فالغلطة ثمنها حياة، والتأخير يعنى حرمان أم أو أب من احتضان ذويهم المغتربين فى أزقة القاهرة فى يوم الزينة.انتقلت «المصرى اليوم» إلى موقف سيارات الأجرة بمنطقة المنيب، ورصدت تكدس الركاب والتزاحم الكبير للفوز بمقعد داخل ميكروباص للعودة إلى محافظته بالوجه القبلى.يقف محمود عبد المغنى، سائق ميكروباص صاحب الـ37 عامًا، أمام سيارته التى يصفها بأنها «حلم العمر»، حيث يحرص يوميًا على تفقد حالتها الفنية قبل الانطلاق فى رحلته من مركز ديرمواس بمحافظة المنيا إلى القاهرة، والتى تبعد عنها بحوالى 241 كيلومترًا، ويؤكد أن طبيعة عمله تفرض عليه مسؤولية كبيرة، نظرًا لارتباطها بسلامة الركاب خلال الرحلات اليومية الطويلة.يقول محمود: «عشقت هذه المهنة منذ أن كنت فى العشرين من عمرى، وكان حلمى الأكبر هو امتلاك هذه السيارة، وساعدنى والدى فى تحقيق هذا الطموح حين باع جزءًا من أرضه، لتصبح السيارة بعد ذلك مصدر دخلى الأساسى، وعليها أعتمد فى تلبية احتياجات أسرتى والإنفاق على ابنتي».أكد محمود أن مواسم الأعياد تمثل فترة نشاط ملحوظ فى عمله، حيث تزداد أعداد الركاب والرحلات، ما يتيح له فرصة لتحقيق دخل إضافى، وقال: «نحن نترقب مواسم الأعياد من العام إلى العام؛ لنتمكن من توفير مبلغ مالى جيد، فهذه المواسم هى الفرصة الحقيقية لتعويض فترات الركود التى تمر بنا».ويصف محمود طبيعة الطريق بأنها غير مستقرة، موضحًا: «الطريق ملوش أمان، وربنا اللى بيستر»، حيث يواجه يوميًا تحديات متعددة، من بينها الزحام المرورى وغياب الإضاءة فى بعض المناطق، ما يزيد صعوبة القيادة خاصة خلال ساعات الفجر.يتحدث محمود عن ضغوط العمل خلال المواسم، قائلًا: «فى ذروة المواسم، قد تمر أيام لا أنام فيها سوى ساعتين أو ثلاث. يبدأ يومى فى الرابعة صباحًا ويستمر لساعات طويلة بين الذهاب والعودة سريعًا؛ لتعزيز الدخل».ويضيف: «كثافة العمل والزحام تؤثر على حالتى الذهنية؛ فصوت الكلاكس داخل أذنى كل دقيقة، حتى وأنا نائم، مما يعكس مدى الضغط المستمر طوال الطريق».وفيما يتعلق بتكلفة التشغيل، يوضح محمود: «اضطررت لرفع قيمة الأجرة لمواجهة موجة الغلاء. قد يشعر الزبون بالاستياء، لكننى أوضح له أن تكاليف المعيشة وأسعار الوقود قد ارتفعت بشكل كبير، وباتت هذه الزيادة ضرورية فى ظل الظروف الاقتصادية الراهنة».يقف على محمد، سائق ميكروباص صاحب الـ40 عامًا من مركز طما بمحافظة سوهاج، أمام سيارته التى تعتبر مصدر رزقه الوحيد. ابنه الأصغر يسأله ببراءة: «هترجع امتى يا بابا من مصر؟». فيبتسم على خلف شعور بالقلق، مدركًا أن الرحلة الطويلة بين سوهاج والقاهرة لن تتيح له فرصة الاحتفال بالعيد مع عائلته.يتحسس العجلات، يفحص المحرك، ويتأكد من كل شيء، مستعدًا لموسم صعب مليء بالمسؤولية؛ حيث حياته وحياة الركاب بين يديه.يقول على: «فى الأيام العادية، تقتصر رحلتى على جولة واحدة ذهابًا وإيابًا بين سوهاج والقاهرة. لكن الأمر يختلف جليًا فى هذا الموسم؛ إذ قد يتطلب العمل أكثر من رحلة. الرزق بيد الله، لكن الطريق يكون عبئًا علينا، ولا نحظى بقسط كافٍ من النوم. ومع ذلك نعتبر هذا الموسم بمثابة عيد لجميع السائقين».وعن حكايات الركاب وآمالهم وآلامهم، يقول على: «لكل راكب على متن الميكروباص قصة مختلفة، فهناك من لم يزر بلدته منذ عام كامل، ومع قدوم العيد يكون أول المتصلين لحجز مقعده، أشعر بمدى اشتياق كل فرد لمسقط رأسه، وتغمرنى السعادة حين أوصل كل منهم إلى منزله؛ ليلتقى بأحبابه أو يقضى شؤونه».ويضيف على: «الرحلة بالنسبة لى ليست مجرد نقل ركاب، بل هى حلقة وصل بين الناس ومن يحبون. أقول فى نفسى: أنا مُوصل الأحباب ببعضهم. ورغم أننى قد لا أتمكن من قضاء العيد مع أبنائى الثلاثة، إلا أننى أتمنى أن أراهم فى حال أفضل منى، وسأبذل كل جهدي؛ لضمان حصولهم على تعليم جيد».ويرى على أن طريقه صعب ومحمل بالمخاطر، حيث يقول: «فى الوقت الذى يغط فيه الناس فى نومهم، أكون أنا خلف عجلة القيادة سعيًا وراء لقمة العيش. لو غفلت عيناى لدقيقة واحدة…