- تسجيل الآثار الغارقة: 98% للأجانب مقابل 2% للمصريين
- توقف 17 موقعًا أثريًا بسبب نقص التمويل والمعدات
- 5 آلاف يورو للغواص الأجنبي مقابل 7 آلاف جنيه للمصري
-انخفاض عدد الغواصين المصريين في الآثار إلى 13 فردًا
- وزير السياحة: الدولة تشجع الاستثمار الأجنبي في قطاع الآثار
- مدير عام الآثار الغارقة: عمليات البحث تتطلب تقنيات مسح بحري لا تنناسب مع إمكانياتنا الحالية
لم يكن إيهاب عبد المنعم، 39 عامًا، يتخيل أن ينتهي مشواره كمفتش آثار غارقة وغواص محترف بتقديم استقالته، بعد 14 سنة قضاها تحت الماء يوثق آثار وبقايا موانئ وسفن غارقة في ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويعود إلى السطح محملًا بالمخاطر.
إيهاب، رب أسرة يعول ثلاثة أطفال، واحد من نحو 15 غواصًا في وزارة السياحة والآثار، عمل في أحد أخطر تخصصات العمل الأثري، حيث الغوص في بيئات معقدة باستخدام معدات محدودة، ومخاطر لا تقل عن تلك التي يواجهها غواصو الإنقاذ أو النفط.
ورغم ذلك، ظل دخله الشهري بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية إذ يحصل على 7 آلاف جنيه، دون قدرة على الإدخار أو مواجهة الطوارئ، في حين يحصل نظيره الأجنبي على 5 آلاف يورو.
الفجوة بين ما يحصل عليه الغواص المصري والأجنبي تصل إلى 54 ضعفًا، تكشف منظومة كاملة من التفاوت في الأجور، والتكنولوجيا، وعدد الغواصين، وحق النشر العلمي، جعلت من قاع البحر المصري ساحة تهيمن عليها بعثات تمتلك المال والوقت والمعدات، بينما تكافح البعثات الوطنية للبقاء.
يقول إيهاب: «فضلت أقاوم فكرة الرحيل طويلًا بدافع الشغف، لكن في كل شهر كنت بسأل نفسي: إزاي أكمل بهذا المبلغ؟».
وعندما تلقى عرضًا للعمل في إحدى شركات البترول بالإسكندرية "لحام تحت المياه"، بأجر يتجاوز 40 ألف جنيه، إذ لم يكن القرار بحثًا عن رفاهية، بقدر ما كان محاولة لتأمين حد أدنى من الاستقرار لأطفاله. غادر إيهاب في صمت، كما غادر غيره من الكوادر المدربة، في نزيف بشري يعمّق أزمة يعانيها هذا التخصص بالفعل.
هيمنة أجنبية
اتساع دور البعثات الأجنبية لعقود داخل المواقع المصرية، يفتح تساؤلات جوهرية حول مدى انعكاس هذا التعاون على بناء قدرات وطنية مستدامة، خاصة في الملفات الدقيقة مثل الآثار الغارقة.
وصف شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، التعاون مع البعثات الأجنبية بأنه «تعاون مثمر»، في ظل عمل أكثر من 300 بعثة أثرية أجنبية في مصر، مؤكدًا على أن الدولة تشجع الاستثمار الأجنبي في قطاع الآثار، تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار ووفق الاتفاقيات الدولية.
يقول الدكتور هاني عز الدين، مدير عام الإدارة العامة للآثار الغارقة، إن مواقع البحث الغارقة تتطلب تقنيات مسح بحري وانتشال باهظة التكلفة، لا تتوافر للإمكانات المصرية الحالية، موضحًا أن مهام البعثة الوطنية تتركز غالبًا في حفائر الإنقاذ الساحلية، وليس المدن الغارقة العميقة.
وأضاف عز الدين، لـ"الشروق"، أنه رغم الإمكانيات الكبيرة للبعثات الأجنبية، يقوم الغواص المصري بمجهود كبير، إذ يؤدي المهام ذاتها التي يقوم بها الغواص الأجنبي المتخصص، وذلك من حيث النزول إلى الأعماق والتعامل مع الآثار الثقيلة واستخراجها، واستخدام أجهزة شفط هيدروليكية تعمل بضغط مائي موزون لإزاحة طبقات الرمال الكثيفة التي حجبت الآثار لقرون، تماماً كما يزيل المرمم الغبار عن لوحة زيتية ولكن في بيئة مائية معقدة.
انخفاض أعداد الغواصين
وبدوره، يوضح مصدر مسؤول بقطاع الآثار الغارقة، لـ"الشروق"، أن عدد الغواصين والمفتشين المصريين العاملين حاليًا لا يتجاوز 13 فردًا فقط، بعد أن كان العدد يصل إلى 25 غواصًا في فترات سابقة، ما يفرض عبئًا مضاعفًا على كوادر محدودة مطالبة بتغطية مواقع ممتدة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر ونهر النيل.
وأضاف، لـ"الشروق"، أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن فجوة الأجور والاستقرار الوظيفي، في مجال يتطلب تدريبًا طويلًا ومخاطرة دائمة.
الأغلبية لا تجد بديلًا سوى البحث عن مصدر دخل
وبدوره، يصف الدكتور زياد مرسي، غواص آثار غارقة وعضو البعثات المصرية والأجنبية منذ عام 2005، الوضع الإنساني للغواصين العاملين في مجال الآثار الغارقة بأنه أحد أكثر الملفات هشاشة، موضحًا أن الاستمرار في هذا التخصص لا تحكمه الحوافز المادية بقدر ما تحكمه الرغبة والشغف.
وأضاف لـ “الشروق"، إن من لا يملك ارتباطًا حقيقيًا بالمجال يصعب عليه الاستمرار، خاصة في ظل محدودية الدخل وغياب الاستقرار الوظيفي، بجانب لا يوجد بند في عقودنا تحمينا من المخاطر التي نواجهها تحت المياه.
وأشار إلى أن الأغلبية لا تجد بديلًا سوى البحث عن مصدر دخل آخر إلى جانب عملها الأصلي، أو الخروج من المجال تمامًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الغواصين اتجهوا للعمل في شركات البترول أو مراكز الغوص السياحية، حيث تتوافر فرص أفضل من حيث الأجور والاستقرار.
الأجور والمعدات: فجوة 54 ضعفًا
بحسب البيانات التي حصلت عليها «الشروق»، يصل متوسط تمويل بعض البعثات الأوروبية، العاملة في الآثار الغارقة إلى مليون يورو (نحو 54 مليون جنيه)، في حين لا يتجاوز تمويل بعض البعثات المصرية مليون جنيه فقط من ميزانية وزارة الآثار.
الرسم التالي يوضح الفجوة بين تكاليف البعثة الأوروبية والمصرية.
يتقاضى الغواص الأجنبي نحو 5 آلاف يورو شهريًا، بينما يحصل المصور المتخصص على 9 آلاف يورو، مقابل متوسط أجر للغواص أو الفني المصري لا يتجاوز 7 آلاف جنيه شهريًا، إضافة إلى وجبة غذاء أُقرها الوزير شريف فتحي مؤخرًا.
التصميم التالي، يوضح تفاوت الأجور بين الغواصين الأجانب والمصريين.
أما على مستوى المعدات، فتعمل البعثات الأجنبية بمضخات وأجهزة تصل قيمتها إلى 87 ألف جنيه، مقابل معدات محلية تُقدّر بنحو 15 ألف جنيه، مع فارق واضح في الكفاءة والعمر الافتراضي، ما يسمح للأجانب بإنجاز العمل في ثلث الزمن تقريبًا.
يصف محمد مصطفى، كبير الأثريين بإدارة الآثار الغارقة ومدير الإدارة سابقًا، هذا الوضع بأنه خلق نوعًا من “الطبقية البحثية”، حيث تمتلك البعثات الأجنبية القدرة على العمل في مدن غارقة ملكية، بينما تنحصر مهام البعثات المصرية في حفائر الطوارئ.
وأضاف لـ"الشروق"، أن كثيرًا من البعثات المصنفة رسميًا كمشتركة تُدار فعليًا من الجانب الأجنبي، سواء من حيث القرار العلمي أو المالي، بينما يقتصر الدور المصري في أحيان كثيرة على المشاركة الفنية أو الإشراف الإداري.
فجوة كبيرة في عدد المواسم الأثرية
كشفت السجلات الرسمية للإدارة العامة للآثار الغارقة، التي حصلت عليها "الشروق"، عن فجوة واضحة في عدد المواسم الأثرية بين البعثات الأوروبية والأجنبية ونظيرتها المصرية.
فبحسب البيانات، نفذت البعثات الأوروبية والأجنبية ما لا يقل عن 32 موسم عمل موثق رقميًا في مواقع الآثار الغارقة المصرية، أغلبها لصالح بعثة المعهد الأوروبي للآثار البحرية، التي وحدها عملت خلال 24 موسمًا متتاليًا منذ عام 2004 وحتى 2025، توزعت بين الميناء الشرقي وخليج أبوقير.
في المقابل، شاركت البعثة الإيطالية في 8 مواسم أثرية متفرقة بجزيرة نلسون بين عامي 2003 و2018، بينما عملت البعثة اليونانية على امتداد زمني طويل من 1998 حتى 2016، دون تحديد عدد المواسم رقميًا في سجلات القطع، ما يشير إلى استمرار العمل الأجنبي لفترات ممتدة داخل المواقع البحرية المصرية.
على الجانب الآخر، تُظهر البيانات محدودية المواسم المصرية الموثقة؛ إذ لم تُسجَّل سوى 3 مواسم عمل فقط للبعثات المصرية خلال الفترة من 2023 إلى 2025 في موقع أبو قير غرب، رغم أن العمل المصري في مواقع مثل المعمورة والعجمي امتد لسنوات طويلة منذ نهاية التسعينيات، لكن دون تحويل هذه الفترات إلى مواسم موثقة رقميًا أو مدعومة بتمويل مستقر.
وتعكس هذه الأرقام اختلالًا واضحًا في ميزان النشاط الأثري البحري، حيث استحوذت البعثات الأجنبية على النصيب الأكبر من المواسم والاستمرارية، مقابل حضور مصري محدود زمنيًا وتمويليًا، رغم اتساع نطاق المواقع وتعدد الاكتشافات المحتملة داخل المياه الإقليمية المصرية.
نتج عن ذلك التفاوت دعم البعثات بين المصريين والأجانب، توقف العمل في 17 مواقعًا استراتيجيًا منها البرلس والمعمورة بسبب “عدم توافر التمويل والمعدات والأجهزة اللازمة لانتشال القطع الضخمة”، بينما تواصل البعثات الأجنبية عملها في أكثر المواقع ثراءً، مثل رأس أبو قير والميناء الشرقي، حيث المدن الغارقة بالكامل مثل هيراكليون وكانوب، وعليها تنفرد بالبحث العلمي وحدها لكافة القطع التي تقوم باستخراجها، وتنشرها في دوريات أجنبيه وجامعات أوروبية تقوم بتمويل حفائرهم في مصر.
من خلال الخريطة التالية، نوضح أماكن البعثات المتوقفة وأسبابها وعددها.
ونحاول تبسيط المعلومات من خلال الرسم البياني الآخر، حيث يرصد عدد البعثات، وأماكنها وأسباب توقفه.
أزمة تمويل
من جانبه، يرى الدكتور عماد خليل، أستاذ العلوم البحرية ومدير البعثة المصرية بجامعة الإسكندرية، أن جوهر الأزمة يعود إلى ندرة المتخصصين وارتفاع تكلفة العمل تحت الماء، موضحًا أن جامعة الإسكندرية لا تزال الجهة الأكاديمية الوحيدة المتخصصة في تخريج كوادر هذا المجال.
وأضاف لـ"الشروق"، أن الجامعات الحكومية المصرية تفتقر إلى القدرة على تمويل بعثات أثرية بحرية، مقارنة بالجامعات الأجنبية التي تتحمل مؤسساتها البحثية كامل نفقات العمل، معتبرًا أن المشكلة ليست تقصيرًا أو تمييزًا، بل نتيجة منظومة مالية محدودة الإمكانيات.
نسبة من مخصصات التمويل الموجهة إلى البعثات الأجنبية تكون من شركات ومؤسسات أجنبية توجه تحديدًا إلى البعثات الأجنبية العاملة في مصر، وبعضها يمول من رجال أعمال، وهو ما دفع محرر "الشروق" إلى التواصل مع رجل أعمال معروف بحبه للآثار والتراث، لسؤاله عن إمكانية تقديم دعمه للبعثات المصرية لاستمرار الحفائر في عدد من المناطق، وصف ذلك بأنه مكلف للغاية، حيث تحتاج الحفائر إلى مؤسسات لديه القدرة المالية على الاستمرار في ضخ الأموال بشكل متواصل، حيث من الممكن أن تظل أعمال الحفائر لسنوات.
وأكد أنه يستطيع فقط تمويل الاحتفالات التي تقوم بها البعثات حين الكشف عن القطع الأثرية والإعلان عن النتائج ويتكفل بكل شيء في هذا الإطار فقط.
من يمتلك تسجيل الآثار؟
الفجوة لا تتوقف عند حدود التمويل الميداني، بل تمتد لتشمل السيادة العلمية على المكتشفات؛ فوفقاً للإطار القانوني المنظم، تخضع كافة البعثات الأجنبية للمادة (32) من قانون حماية الآثار، التي تنص على أن المجلس الأعلى للآثار هو الجهة المختصة وحده بأعمال التنقيب، ويجوز له الترخيص للبعثات العلمية بالبحث تحت إشرافه.
ومع ذلك، تبرز معضلة «النشر العلمي»؛ حيث تمنح اللوائح البعثة الأجنبية (باعتبارها الجهة الممولة) حقاً حصرياً في نشر نتائج الكشف علمياً لسنوات عدة، وبسبب عجز الميزانيات الوطنية عن تغطية تكاليف الدراسات التحليلية وطباعة المجلدات الفاخرة وتوزيعها دولياً، يتحول الأثري المصري -قانوناً- من شريك أساسي إلى "مشرف إداري" في سجلات النشر الدولية، بينما تنفرد المؤسسات الأجنبية بحق تدوين التاريخ ونسبته لمراكزها العلمية، مستندة إلى "صك التمويل" الذي تفتقده البعثات الوطنية.
وتُظهر السجلات الرسمية، التي حصلت عليها "الشروق"، أن إجمالي القطع الأثرية الغارقة المسجلة باسم البعثات الأجنبية بلغ 15 ألفًا و488 قطعة، مقابل 288 قطعة فقط للبعثات المصرية، أي بنسبة تقارب 98% للأجانب مقابل 2% للمصريين.
وتتصدر بعثة المعهد الأوروبي للآثار البحرية (IEASM) المشهد بفارق واسع، بعدما نجحت وحدها في استخراج 14 ألفًا و256 قطعة أثرية، جرى إدخال 11 ألفًا و850 قطعة منها إلى مرحلة الدراسة العلمية، مقابل 288 قطعة فقط للبعثة المصرية التابعة للإدارة العامة للآثار الغارقة.
ولا يقتصر التفوق على بعثة واحدة؛ إذ سجلت البعثة الإيطالية العاملة في جزيرة نيلسون نحو 1065 قطعة أثرية، منها 952 قطعة للدراسة، فيما سجلت البعثة اليونانية في منطقة الشاطبي 127 قطعة، دخل 96 منها مرحلة الدراسة.
في المقابل، يقتصر رصيد البعثة المصرية المسجل بالمخازن على 277 قطعة فقط، منها 148 قطعة للدراسة، في صورة رقمية تعكس حجم التحدي المادي والتقني الذي تواجهه البعثات الوطنية.
ومن خلال الرسم البياني نوضح القطع المنتشلة من خلال البعثات الأجنبية والمصرية، وما يتم دراستها من هذه القطع.
تعتبر مصر واحدة من أغنى السواحل الأثرية في العالم، لكن تظل الآثار الغارقة رهينة لمن يمتلك التمويل والتكنرولوجيا، لا لمن يمتلك السيادة والخبرة التاريخية.
ويُبيّن الرسم التوضيحي الأخير كافة المعلومات محل البحث بصورة مبسطة وواضحة، بما يسهم في سهولة استيعابها وربط عناصرها على نحو جلي.
Sunken Treasures Inventory and Preservation by Mahmoud Hamdy
أُنتج هذا التحقيق بالتعاون مع مركز تدريب نقابة الصحفيين ومؤسسة هيكل للصحافة العربية
- توقف 17 موقعًا أثريًا بسبب نقص التمويل والمعدات
- 5 آلاف يورو للغواص الأجنبي مقابل 7 آلاف جنيه للمصري
-انخفاض عدد الغواصين المصريين في الآثار إلى 13 فردًا
- وزير السياحة: الدولة تشجع الاستثمار الأجنبي في قطاع الآثار
- مدير عام الآثار الغارقة: عمليات البحث تتطلب تقنيات مسح بحري لا تنناسب مع إمكانياتنا الحالية
لم يكن إيهاب عبد المنعم، 39 عامًا، يتخيل أن ينتهي مشواره كمفتش آثار غارقة وغواص محترف بتقديم استقالته، بعد 14 سنة قضاها تحت الماء يوثق آثار وبقايا موانئ وسفن غارقة في ساحل البحر الأبيض المتوسط، ويعود إلى السطح محملًا بالمخاطر.
إيهاب، رب أسرة يعول ثلاثة أطفال، واحد من نحو 15 غواصًا في وزارة السياحة والآثار، عمل في أحد أخطر تخصصات العمل الأثري، حيث الغوص في بيئات معقدة باستخدام معدات محدودة، ومخاطر لا تقل عن تلك التي يواجهها غواصو الإنقاذ أو النفط.
ورغم ذلك، ظل دخله الشهري بالكاد يغطي الاحتياجات الأساسية إذ يحصل على 7 آلاف جنيه، دون قدرة على الإدخار أو مواجهة الطوارئ، في حين يحصل نظيره الأجنبي على 5 آلاف يورو.
الفجوة بين ما يحصل عليه الغواص المصري والأجنبي تصل إلى 54 ضعفًا، تكشف منظومة كاملة من التفاوت في الأجور، والتكنولوجيا، وعدد الغواصين، وحق النشر العلمي، جعلت من قاع البحر المصري ساحة تهيمن عليها بعثات تمتلك المال والوقت والمعدات، بينما تكافح البعثات الوطنية للبقاء.
يقول إيهاب: «فضلت أقاوم فكرة الرحيل طويلًا بدافع الشغف، لكن في كل شهر كنت بسأل نفسي: إزاي أكمل بهذا المبلغ؟».
وعندما تلقى عرضًا للعمل في إحدى شركات البترول بالإسكندرية "لحام تحت المياه"، بأجر يتجاوز 40 ألف جنيه، إذ لم يكن القرار بحثًا عن رفاهية، بقدر ما كان محاولة لتأمين حد أدنى من الاستقرار لأطفاله. غادر إيهاب في صمت، كما غادر غيره من الكوادر المدربة، في نزيف بشري يعمّق أزمة يعانيها هذا التخصص بالفعل.
هيمنة أجنبية
اتساع دور البعثات الأجنبية لعقود داخل المواقع المصرية، يفتح تساؤلات جوهرية حول مدى انعكاس هذا التعاون على بناء قدرات وطنية مستدامة، خاصة في الملفات الدقيقة مثل الآثار الغارقة.
وصف شريف فتحي، وزير السياحة والآثار، التعاون مع البعثات الأجنبية بأنه «تعاون مثمر»، في ظل عمل أكثر من 300 بعثة أثرية أجنبية في مصر، مؤكدًا على أن الدولة تشجع الاستثمار الأجنبي في قطاع الآثار، تحت إشراف المجلس الأعلى للآثار ووفق الاتفاقيات الدولية.
يقول الدكتور هاني عز الدين، مدير عام الإدارة العامة للآثار الغارقة، إن مواقع البحث الغارقة تتطلب تقنيات مسح بحري وانتشال باهظة التكلفة، لا تتوافر للإمكانات المصرية الحالية، موضحًا أن مهام البعثة الوطنية تتركز غالبًا في حفائر الإنقاذ الساحلية، وليس المدن الغارقة العميقة.
وأضاف عز الدين، لـ"الشروق"، أنه رغم الإمكانيات الكبيرة للبعثات الأجنبية، يقوم الغواص المصري بمجهود كبير، إذ يؤدي المهام ذاتها التي يقوم بها الغواص الأجنبي المتخصص، وذلك من حيث النزول إلى الأعماق والتعامل مع الآثار الثقيلة واستخراجها، واستخدام أجهزة شفط هيدروليكية تعمل بضغط مائي موزون لإزاحة طبقات الرمال الكثيفة التي حجبت الآثار لقرون، تماماً كما يزيل المرمم الغبار عن لوحة زيتية ولكن في بيئة مائية معقدة.
انخفاض أعداد الغواصين
وبدوره، يوضح مصدر مسؤول بقطاع الآثار الغارقة، لـ"الشروق"، أن عدد الغواصين والمفتشين المصريين العاملين حاليًا لا يتجاوز 13 فردًا فقط، بعد أن كان العدد يصل إلى 25 غواصًا في فترات سابقة، ما يفرض عبئًا مضاعفًا على كوادر محدودة مطالبة بتغطية مواقع ممتدة بين البحر المتوسط والبحر الأحمر ونهر النيل.
وأضاف، لـ"الشروق"، أن هذا التراجع لا يمكن فصله عن فجوة الأجور والاستقرار الوظيفي، في مجال يتطلب تدريبًا طويلًا ومخاطرة دائمة.
الأغلبية لا تجد بديلًا سوى البحث عن مصدر دخل
وبدوره، يصف الدكتور زياد مرسي، غواص آثار غارقة وعضو البعثات المصرية والأجنبية منذ عام 2005، الوضع الإنساني للغواصين العاملين في مجال الآثار الغارقة بأنه أحد أكثر الملفات هشاشة، موضحًا أن الاستمرار في هذا التخصص لا تحكمه الحوافز المادية بقدر ما تحكمه الرغبة والشغف.
وأضاف لـ “الشروق"، إن من لا يملك ارتباطًا حقيقيًا بالمجال يصعب عليه الاستمرار، خاصة في ظل محدودية الدخل وغياب الاستقرار الوظيفي، بجانب لا يوجد بند في عقودنا تحمينا من المخاطر التي نواجهها تحت المياه.
وأشار إلى أن الأغلبية لا تجد بديلًا سوى البحث عن مصدر دخل آخر إلى جانب عملها الأصلي، أو الخروج من المجال تمامًا، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الغواصين اتجهوا للعمل في شركات البترول أو مراكز الغوص السياحية، حيث تتوافر فرص أفضل من حيث الأجور والاستقرار.
الأجور والمعدات: فجوة 54 ضعفًا
بحسب البيانات التي حصلت عليها «الشروق»، يصل متوسط تمويل بعض البعثات الأوروبية، العاملة في الآثار الغارقة إلى مليون يورو (نحو 54 مليون جنيه)، في حين لا يتجاوز تمويل بعض البعثات المصرية مليون جنيه فقط من ميزانية وزارة الآثار.
الرسم التالي يوضح الفجوة بين تكاليف البعثة الأوروبية والمصرية.
يتقاضى الغواص الأجنبي نحو 5 آلاف يورو شهريًا، بينما يحصل المصور المتخصص على 9 آلاف يورو، مقابل متوسط أجر للغواص أو الفني المصري لا يتجاوز 7 آلاف جنيه شهريًا، إضافة إلى وجبة غذاء أُقرها الوزير شريف فتحي مؤخرًا.
التصميم التالي، يوضح تفاوت الأجور بين الغواصين الأجانب والمصريين.
أما على مستوى المعدات، فتعمل البعثات الأجنبية بمضخات وأجهزة تصل قيمتها إلى 87 ألف جنيه، مقابل معدات محلية تُقدّر بنحو 15 ألف جنيه، مع فارق واضح في الكفاءة والعمر الافتراضي، ما يسمح للأجانب بإنجاز العمل في ثلث الزمن تقريبًا.
يصف محمد مصطفى، كبير الأثريين بإدارة الآثار الغارقة ومدير الإدارة سابقًا، هذا الوضع بأنه خلق نوعًا من “الطبقية البحثية”، حيث تمتلك البعثات الأجنبية القدرة على العمل في مدن غارقة ملكية، بينما تنحصر مهام البعثات المصرية في حفائر الطوارئ.
وأضاف لـ"الشروق"، أن كثيرًا من البعثات المصنفة رسميًا كمشتركة تُدار فعليًا من الجانب الأجنبي، سواء من حيث القرار العلمي أو المالي، بينما يقتصر الدور المصري في أحيان كثيرة على المشاركة الفنية أو الإشراف الإداري.
فجوة كبيرة في عدد المواسم الأثرية
كشفت السجلات الرسمية للإدارة العامة للآثار الغارقة، التي حصلت عليها "الشروق"، عن فجوة واضحة في عدد المواسم الأثرية بين البعثات الأوروبية والأجنبية ونظيرتها المصرية.
فبحسب البيانات، نفذت البعثات الأوروبية والأجنبية ما لا يقل عن 32 موسم عمل موثق رقميًا في مواقع الآثار الغارقة المصرية، أغلبها لصالح بعثة المعهد الأوروبي للآثار البحرية، التي وحدها عملت خلال 24 موسمًا متتاليًا منذ عام 2004 وحتى 2025، توزعت بين الميناء الشرقي وخليج أبوقير.
في المقابل، شاركت البعثة الإيطالية في 8 مواسم أثرية متفرقة بجزيرة نلسون بين عامي 2003 و2018، بينما عملت البعثة اليونانية على امتداد زمني طويل من 1998 حتى 2016، دون تحديد عدد المواسم رقميًا في سجلات القطع، ما يشير إلى استمرار العمل الأجنبي لفترات ممتدة داخل المواقع البحرية المصرية.
على الجانب الآخر، تُظهر البيانات محدودية المواسم المصرية الموثقة؛ إذ لم تُسجَّل سوى 3 مواسم عمل فقط للبعثات المصرية خلال الفترة من 2023 إلى 2025 في موقع أبو قير غرب، رغم أن العمل المصري في مواقع مثل المعمورة والعجمي امتد لسنوات طويلة منذ نهاية التسعينيات، لكن دون تحويل هذه الفترات إلى مواسم موثقة رقميًا أو مدعومة بتمويل مستقر.
وتعكس هذه الأرقام اختلالًا واضحًا في ميزان النشاط الأثري البحري، حيث استحوذت البعثات الأجنبية على النصيب الأكبر من المواسم والاستمرارية، مقابل حضور مصري محدود زمنيًا وتمويليًا، رغم اتساع نطاق المواقع وتعدد الاكتشافات المحتملة داخل المياه الإقليمية المصرية.
نتج عن ذلك التفاوت دعم البعثات بين المصريين والأجانب، توقف العمل في 17 مواقعًا استراتيجيًا منها البرلس والمعمورة بسبب “عدم توافر التمويل والمعدات والأجهزة اللازمة لانتشال القطع الضخمة”، بينما تواصل البعثات الأجنبية عملها في أكثر المواقع ثراءً، مثل رأس أبو قير والميناء الشرقي، حيث المدن الغارقة بالكامل مثل هيراكليون وكانوب، وعليها تنفرد بالبحث العلمي وحدها لكافة القطع التي تقوم باستخراجها، وتنشرها في دوريات أجنبيه وجامعات أوروبية تقوم بتمويل حفائرهم في مصر.
من خلال الخريطة التالية، نوضح أماكن البعثات المتوقفة وأسبابها وعددها.
ونحاول تبسيط المعلومات من خلال الرسم البياني الآخر، حيث يرصد عدد البعثات، وأماكنها وأسباب توقفه.
أزمة تمويل
من جانبه، يرى الدكتور عماد خليل، أستاذ العلوم البحرية ومدير البعثة المصرية بجامعة الإسكندرية، أن جوهر الأزمة يعود إلى ندرة المتخصصين وارتفاع تكلفة العمل تحت الماء، موضحًا أن جامعة الإسكندرية لا تزال الجهة الأكاديمية الوحيدة المتخصصة في تخريج كوادر هذا المجال.
وأضاف لـ"الشروق"، أن الجامعات الحكومية المصرية تفتقر إلى القدرة على تمويل بعثات أثرية بحرية، مقارنة بالجامعات الأجنبية التي تتحمل مؤسساتها البحثية كامل نفقات العمل، معتبرًا أن المشكلة ليست تقصيرًا أو تمييزًا، بل نتيجة منظومة مالية محدودة الإمكانيات.
نسبة من مخصصات التمويل الموجهة إلى البعثات الأجنبية تكون من شركات ومؤسسات أجنبية توجه تحديدًا إلى البعثات الأجنبية العاملة في مصر، وبعضها يمول من رجال أعمال، وهو ما دفع محرر "الشروق" إلى التواصل مع رجل أعمال معروف بحبه للآثار والتراث، لسؤاله عن إمكانية تقديم دعمه للبعثات المصرية لاستمرار الحفائر في عدد من المناطق، وصف ذلك بأنه مكلف للغاية، حيث تحتاج الحفائر إلى مؤسسات لديه القدرة المالية على الاستمرار في ضخ الأموال بشكل متواصل، حيث من الممكن أن تظل أعمال الحفائر لسنوات.
وأكد أنه يستطيع فقط تمويل الاحتفالات التي تقوم بها البعثات حين الكشف عن القطع الأثرية والإعلان عن النتائج ويتكفل بكل شيء في هذا الإطار فقط.
من يمتلك تسجيل الآثار؟
الفجوة لا تتوقف عند حدود التمويل الميداني، بل تمتد لتشمل السيادة العلمية على المكتشفات؛ فوفقاً للإطار القانوني المنظم، تخضع كافة البعثات الأجنبية للمادة (32) من قانون حماية الآثار، التي تنص على أن المجلس الأعلى للآثار هو الجهة المختصة وحده بأعمال التنقيب، ويجوز له الترخيص للبعثات العلمية بالبحث تحت إشرافه.
ومع ذلك، تبرز معضلة «النشر العلمي»؛ حيث تمنح اللوائح البعثة الأجنبية (باعتبارها الجهة الممولة) حقاً حصرياً في نشر نتائج الكشف علمياً لسنوات عدة، وبسبب عجز الميزانيات الوطنية عن تغطية تكاليف الدراسات التحليلية وطباعة المجلدات الفاخرة وتوزيعها دولياً، يتحول الأثري المصري -قانوناً- من شريك أساسي إلى "مشرف إداري" في سجلات النشر الدولية، بينما تنفرد المؤسسات الأجنبية بحق تدوين التاريخ ونسبته لمراكزها العلمية، مستندة إلى "صك التمويل" الذي تفتقده البعثات الوطنية.
وتُظهر السجلات الرسمية، التي حصلت عليها "الشروق"، أن إجمالي القطع الأثرية الغارقة المسجلة باسم البعثات الأجنبية بلغ 15 ألفًا و488 قطعة، مقابل 288 قطعة فقط للبعثات المصرية، أي بنسبة تقارب 98% للأجانب مقابل 2% للمصريين.
وتتصدر بعثة المعهد الأوروبي للآثار البحرية (IEASM) المشهد بفارق واسع، بعدما نجحت وحدها في استخراج 14 ألفًا و256 قطعة أثرية، جرى إدخال 11 ألفًا و850 قطعة منها إلى مرحلة الدراسة العلمية، مقابل 288 قطعة فقط للبعثة المصرية التابعة للإدارة العامة للآثار الغارقة.
ولا يقتصر التفوق على بعثة واحدة؛ إذ سجلت البعثة الإيطالية العاملة في جزيرة نيلسون نحو 1065 قطعة أثرية، منها 952 قطعة للدراسة، فيما سجلت البعثة اليونانية في منطقة الشاطبي 127 قطعة، دخل 96 منها مرحلة الدراسة.
في المقابل، يقتصر رصيد البعثة المصرية المسجل بالمخازن على 277 قطعة فقط، منها 148 قطعة للدراسة، في صورة رقمية تعكس حجم التحدي المادي والتقني الذي تواجهه البعثات الوطنية.
ومن خلال الرسم البياني نوضح القطع المنتشلة من خلال البعثات الأجنبية والمصرية، وما يتم دراستها من هذه القطع.
تعتبر مصر واحدة من أغنى السواحل الأثرية في العالم، لكن تظل الآثار الغارقة رهينة لمن يمتلك التمويل والتكنرولوجيا، لا لمن يمتلك السيادة والخبرة التاريخية.
ويُبيّن الرسم التوضيحي الأخير كافة المعلومات محل البحث بصورة مبسطة وواضحة، بما يسهم في سهولة استيعابها وربط عناصرها على نحو جلي.
Sunken Treasures Inventory and Preservation by Mahmoud Hamdy
أُنتج هذا التحقيق بالتعاون مع مركز تدريب نقابة الصحفيين ومؤسسة هيكل للصحافة العربية








