خلف الأبواب المغلقة في العاصمة الصينية، لا يزال شبح الانهيار السوفيتي يحوم بقوة في أروقة صنع القرار، رغم الاحتفال بالذكر الـ105 لتأسيس الحزب الشيوعي.
وفي حين تمنع بكين النقاش العلني حول سقوط الحزب الشيوعي السوفيتي، فقد خصصت "مدرسة الحزب المركزية" لتكون مختبرا نخبويا وسريا لتشريح هذا السيناريو وتجنب تكراره، وفقا لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.
هذه الأكاديمية التي تأسست عام 1933 لترسيخ الماركسية واللينينية، وتولى إدارتها تاريخيا قادة بحجم ماو تسي تونج وشي جين بينج، أحدثت ثورة جذرية في مناهجها.
وبدلا من الاكتفاء بالفكر العقائدي المتصلب الذي ميز الحقبة السوفيتية، باتت تدرس لكوادرها الاقتصاد الغربي، والقانون، والشؤون العسكرية، وصولا إلى الإتيكيت الدبلوماسي، في مسعى حثيث للتكيف مع متغيرات العصر.
وصرح أستاذ في هذه المدرسة للصحيفة، بأن أحد الاجتماعات التي عُقدت بحضور مجموعة كبيرة من أعضاء الحزب الشيوعي النافذين للغاية، ناقش "المدة التي نعتقد أن الحزب سيظل فيها في السلطة، وما هي خططنا لليوم الذي ينهار فيه.. صراحة، هذا سؤال يطرحه الجميع في الصين".
هذا القلق الوجودي يجد جذوره في التشخيص الصيني لأسباب السقوط؛ فوفقا لوكالة "رويترز" للأنباء، يرى قادة الحزب الشيوعي الصيني أن "مقتل" الاتحاد السوفيتي لم يكن عسكريا، بل نتج عن التآكل الفكري الداخلي.
وحذّر نائب وزير وزارة الإشراف الصينية، ياو تسينج كي، خلال حوار مع مستخدمي الإنترنت، من أن الحزب السوفيتي الذي ضم 20 مليون عضو، وامتلك تاريخا يمتد لـ90 عاما، وحكم لـ70 عاما متواصلة، انهار في النهاية بسبب التراخي الأيديولوجي.
وأوضح المسؤول الصيني، أن الحزب السوفيتي سمح لأعضائه بالتعبير علنا عن آراء تخالف توجهات التنظيم، مضيفا: "إن العديد من أعضاء الحزب السوفيتي، بل ومن قياداته أيضا، أنكروا تاريخ الاتحاد السوفيتي، ورفضوا الطليعة الجسورة للاشتراكية، وتحولوا إلى مكبرات صوت لبث الأيديولوجيا الغربية". هذا الاضطراب قاد في النهاية إلى فوضى تنظيمية أسقطت كل شيء في المحصلة، وفق ما نقلته "رويترز".
"كتالوج الفشل".. عقدة جورباتشوف وعودة "الرجل الأوحد"
تسيطر تجربة الزعيم السوفيتي الأخير ميخائيل جورباتشوف على عقلية صناع القرار في بكين، لكن بصورة معكوسة تماما للرؤية الغربية.
وكما أوضح البروفيسور كيري براون، المؤرخ السياسي في "كينجز كوليدج" لندن، في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، تنظر القيادة الصينية إلى كل ما فعله جورباتشوف باعتباره "كتالوجا حول كيفية عدم إدارة الأمور".
ويضيف براون: "قد يحتفل الغرب بجورباتشوف كبطل، لكن بالنسبة للحزب الشيوعي في الصين، فإن مسيرته كانت تتوج بالفشل، والعد التنازلي للتصفيق الغربي العالي لم يكن سوى تأكيد على ذلك الفشل"؛ فقادة بكين لا يرون في إرثه روسيا حرة، بل يرون بلدا خضع للفقر، والفوضى، والفساد.
هذه الرؤية القاسية متجذرة بعمق في أروقة الحكم الصيني. فقد كشف البروفيسور شين زيهوا، الأستاذ المتخصص في تاريخ الاتحاد السوفيتي بجامعة شرق الصين الحكومية، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أنه كان ضمن مجموعة مصغرة من العلماء الموثوقين الذين استدعاهم الرئيس الصيني الأسبق جيانج زيمين في سبتمبر 2009 لمناقشة أسباب السقوط السوفيتي، حيث حسم زيمين النقاش حينها بعبارة قاطعة: "جورباتشوف خان الثورة".
انتقلت هذه العقيدة لتصبح المحرك الأساسي لسياسات الرئيس الحالي شي جين بينج. وينقل البروفيسور زيهوا عن خطابات داخلية لشي عقب توليه السلطة، تأكيده أن الإمبراطورية السوفيتية انهارت "لأنه لم يكن هناك رجل حقيقي بما يكفي للوقوف والمقاومة".
وفي سياق ذلك، يؤكد ديفيد شامبو، مدير برنامج السياسة الصينية بجامعة جورج واشنطن، أن قيادة الحزب الشيوعي الصيني تعيش تحت الظل السوفيتي، وتعي تماما خطورة إصلاحات جورباتشوف وترفض السير في طريقه.
وفي ندوة رقمية نظمها معهد "كينان" الأمريكي، قدم أول وزير خارجية لروسيا، أندري كوزيريف، مقارنة فريدة بين النخبتين، موضحا أن تفوق النموذج الصيني يعود لطبيعة القيادة الجيوسياسية.
وأشار كوزيريف إلى أن الزعيم الصيني دينج شياو بينج كان أكثر مرونة وفهما لآليات الرأسمالية وأقدر على إدارة الإصلاح من جورباتشوف أو يلتسين اللذين عجزا عن السيطرة على التضخم والأحداث المتسارعة. وقد تجلت هذه القدرة الصينية في دمج آليات السوق مع الحفاظ على قبضة سياسية حديدية، وهو ما ظهر في الحسم العسكري لاحتجاجات ساحة تيانانمين عام 1989، لقطع الطريق أمام أي اختراق أمريكي.
ولحماية هذه المكتسبات، ارتدت الصين عن نمط القيادة الجماعية وعادت إلى "حكم الرجل الواحد". ويحلل كارل مينزنر، الزميل الأقدم في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، لصحيفة "نيويورك تايمز"، استراتيجية الرئيس الصيني مؤكدا أن كل جهوده، بدءا من تشديد الرقابة الأيديولوجية وإعادة تأكيد هيمنة الحزب على الدولة، تهدف إلى توجيه البلاد بعيدا عن المصير السوفيتي.
لكن مينزنر يحذر من مفارقة تاريخية مقلقة؛ فبينما يحاول شي تجنب السقوط عبر تضخيم فكرة "القائد الملهم" على طريقة ماو تسي تونج، وإضعاف إنجازات دينج شياو بينج مهندس الانفتاح الاقتصادي، فإنه يخاطر بإعادة الصين إلى حالة عدم الاستقرار المزاجي المرتبط بحكم الفرد، حيث تتأرجح سياسات دولة عظمى بناء على رغبة رجل واحد.
"الاستبداد الذكي".. مقايضة الرخاء وتفادي فخ التسلح الأمريكي
لفهم كيف تخطت الصين الفخ الذي أسقط الاتحاد السوفيتي، تقدم الدكتورة جينيفر ليند، الزميلة المشاركة في برنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية بالمعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، تفسيرا سياسيا عميقا يستند إلى نظرية عالم السياسة الأمريكي الشهير صموئيل هنتنجتون المعروفة بـ"معضلة الملك".
توضح النظرية أن الحاكم المستبد يواجه خيارين أحلاهما مر: إما فرض رقابة سياسية صارمة تخنق الابتكار والنمو الاقتصادي وهو ما يمثل السيناريو السوفيتي المتصلب، أو تخفيف القيود السياسية لتحفيز الاقتصاد، ما يفتح الباب أمام قوى تطيح بالنظام على غرار سيناريو "البريسترويكا" لجورباتشوف.
لكن ليند تؤكد أن قادة بكين رفضوا الخيارين واختاروا بابا ثالثا أطلقت عليه اسم "الاستبداد الذكي"؛ حيث زاوجوا بين السيطرة السياسية الصارمة للحزب، والانفتاح الاقتصادي المدروس الذي يؤمن مناخا مستقرا للمستثمرين.
هذا التوجه تعزز عبر استيعاب بكين لدرس سوفيتي قاس؛ فوفقا لـ"شبكة الإذاعة الأسترالية"، أدركت الصين أن السقوط السوفيتي بدأ من الداخل بفعل جمود الاقتصاد الموجه والإنهاك المالي الناتج عن الانجرار إلى سباقات التسلح وحروب الوكالة المستنزفة مع أمريكا.
وفي هذا السياق، يوضح تقرير لصحيفة "إندبندنت عربية" كيف نجح الغرب في إقحام السوفيت في عسكرة مفرطة جعلت كيانهم قادرا على إفناء العالم عسكريا، لكنه عاجز عن إطعام شعبه.
لتفادي هذا "الفخ الأمريكي"، انطلقت بكين في مراجعة شاملة قادها دينج شياو بينج عام 1976، ركزت على الانفتاح والإنتاج وتأمين الحاجات اليومية للمواطنين.
وتخلت الصين عن الأيديولوجية الاقتصادية الجامدة متبنية "رأسمالية الدولة"، لتتحول إلى مصنع العالم وتنضم لمنظمة التجارة العالمية عام 2001. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن إخراج 850 مليون صيني من دائرة الفقر، بحسب بيانات البنك الدولي.
واليوم، تستخدم الصين فوائض أموالها في تمويل سندات الخزانة الأمريكية، ما يمنحها حصانة مالية وجيوسياسية تعجز واشنطن عن كسرها بالعقوبات التقليدية.
وعلى عكس الجمود السوفيتي، ربطت الصين شرعية الحزب الحاكم بالنمو الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين. ويوضح الخبير الاقتصادي البارز ومؤسس معهد "أونيرول" المستقل للاقتصاد، ماو يوشي، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أن العقود الماضية شهدت تحسنا مستمرا في حياة الجميع.
وفي الوقت نفسه، يحذر يوشي من أن تباطؤ النمو أو نشوء أزمات ديون وعقارات قد يهدد شرعية الحزب الشيوعي الحاكم، خصوصا أن توقعات الطبقة الوسطى الصينية ارتفعت ولم تعد تطلب الغذاء فقط، بل الهواء النظيف، والشفافية، والعدالة.
ولامتصاص هذا الغضب الشعبي المحتمل وسد الثغرة الأخلاقية التي عزلت الحزب السوفيتي عن شعبه سابقا، ذكرت "رويترز" أن الرئيس شي جين بينج يقود، بالتوازي مع قبضته السياسية، حملة غير مسبوقة ضد الفساد المستشري والبذخ بين المسؤولين. وجاءت هذه الحملة كاعتراف صريح بالمرارة الشعبية تجاه استغلال المناصب، لتمثل معادلة بقاء ذكية ترفض الانفتاح السياسي لكنها تتحرك بقوة لتطهير الفساد.
ولم تكتف بكين بمجاراة العالم، بل شنت ما وصفه المؤرخ ديفيد أونبي، من معهد ماكس بلانك، بـ"المثاقفة الهجومية"؛ فبينما فرض السوفيت طوقا حديديا أدى إلى هروب العقول، استثمرت الصين بكثافة في الجامعات ونقل التكنولوجيا وتحديث الفكر لمنع شلل القرار، بحسب ما يؤكده البروفيسور تشن شو جوانج، من جامعة الحزب التابعة للجنة المركزية.
وتتوج هذه المسيرة بتفوق مالي وتكنولوجي مرعب؛ إذ تؤكد الدكتورة جينيفر ليند، أن الصين تجاوزت مرحلة التقليد لتتصدر مرتبة متقدمة عالميا في مؤشر الابتكار العالمي، مهيمنة على قطاعات السيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، والرقائق المحلية، ونماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي مقارنة مفصلية، تحذر ليند الغرب؛ فبينما لم يصل الاتحاد السوفيتي اقتصاديا في أوج قوته إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، تعادل الصين اليوم 100% من حجم الاقتصاد الأمريكي بأربع قوى شرائية، ما يجعلها قوة عظمى استبدادية غير مسبوقة تاريخيا.
"الوثيقة رقم 9".. جدار الحماية العظيم ضد الاختراق الناعم
لحماية النظام من التآكل الفكري الذي دمر السوفيت، تبنت بكين استراتيجية الحظر الاستباقي.
وتكشف "الوثيقة السرية رقم 9" الصادرة عن القيادة الصينية، والتي تسربت عبر وسائل إعلام خارجية كما نقلت صحيفة "فاينانشال تايمز"، عن هذا الهاجس بوضوح؛ إذ حذرت من تسلل القوى الغربية المعادية والمعارضين المحليين إلى المجال الأيديولوجي، مشددة على ضرورة الانتباه لطرق التفكير الخاطئة للحفاظ على قبضة الحزب الشيوعي الحاكم.
وحددت الوثيقة 7 مهددات يمنع نقاشها في الأوساط الأكاديمية الصينية تجنبا لسياسة "الجلاسنوست" (الشفافية) السوفيتية، وجاء على رأسها: الديمقراطية الدستورية الغربية، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، واستقلال وسائل الإعلام، ونقد التاريخ الماضي للحزب.
هذا الحظر ينبع من قناعة راسخة بأن واشنطن تسعى لإسقاط بكين عبر أدواتها الناعمة وقيمها الديمقراطية، وهو ما يُعرف بـ"التطور السلمي" أو "الثورات الملونة"، كما وثق الفيلم الوثائقي الرسمي للحزب الشيوعي "المنافسة الصامتة" الذي أبرزته "شبكة الإذاعة الأسترالية".
ردا على ذلك، شيدت الصين "جدار الحماية العظيم" لقطع الطريق أمام النفوذ الثقافي والمعلوماتي الأمريكي، معتبرة حظر المنصات الغربية خط دفاع جيوسياسي لحماية سيادة الدولة.
وفي تفكيك لآليات هذا الاختراق الناعم، أوضح المساعد السابق لرئيس الوزراء الصيني الإصلاحي الأسبق، تشينج شياو نونج، عبر البرنامج التلفزيوني التايواني الفضائي، أن السقوط السوفيتي حدث نتيجة سماح تلك الأنظمة بوجود مساحات للمثقفين المستقلين.
هذا التسامح، من وجهة نظر نونج، خلق خطابات نقدية تفوقت على البروباجندا الرسمية ووفرت قاعدة مجتمعية للتحول المدعوم غربيا؛ لذلك، تمنع بكين ولادة مجتمع مدني مستقل، وتفرض منظومة فكرية موحدة تستند إلى "فكر شي جين بينج".
ورغم هذه القبضة، لم تؤمم الصين الأفكار بالكامل حتى يتيبس النظام كسابقه السوفيتي؛ إذ رصد معهد "تشاتام هاوس" ما أسماه "التعددية المقيدة"؛ حيث سمح الحزب الشيوعي الصيني بوجود قطاع خاص مزدهر، ومؤسسات إعلامية خاصة، وجامعات مرموقة.
هذا "المجتمع المدني المدار حكوميا" يساعد الحزب على رصد المشكلات المجتمعية الملحة ومعالجتها إداريا قبل أن تتحول إلى ثورة، دون أن يفقد سيطرته الإشرافية.
ولتأمين هذه المعادلة المعقدة، استبدلت الصين الدبابات بسلاح الخوارزميات. وتشير أبحاث البروفيسورة مارجريت روبرتس، التي نقلها المعهد نفسه، إلى أن بكين تجاوزت الحجب التقليدي إلى تكتيكات "الاحتكاك والإغراق"؛ وهي وسائل تقنية تؤخر الوصول للمعلومات الحساسة وتغرق الإنترنت بروايات بديلة تشتت الجمهور.
وتنقل عن الباحثة لينيت أونج أن الحزب تحول إلى "القمع الوقائي منخفض الكثافة"، معتمدا على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التعرف على الوجوه، والمراقبة الحيوية، ليصبح التحكم مدفوعا بالخوارزميات لا بالقوة العسكرية المباشرة.
وأد "القوى الطاردة".. القبضة الحديدية على الأطراف الجغرافية
لا يقتصر الرعب الصيني من السيناريو السوفيتي على الفضاء الإلكتروني والفكري، بل يمتد بقوة إلى الجغرافيا.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، يتمثل المحرك الأساسي وراء القبضة الأمنية العنيفة للصين في الأقاليم ذات الخصوصية العرقية في الخوف من "القوى الطاردة مركزيا" التي قد تؤدي إلى تفتت الإمبراطورية.
وتعلمت بكين الدرس جيدا من تفتت الاتحاد السوفيتي إلى 15 جمهورية مستقلة وخروج دول أوروبا الشرقية من المظلة السوفيتية، وهو ما اعتبرته دليلا على خطورة إهمال الأطراف الجغرافية، وفقا لـ"شبكة الإذاعة الأسترالية".
وعلى النقيض من التراخي السوفيتي، تتبنى الصين سياسة "السيادة المطلقة غير القابلة للتفاوض"، وتفرض قبضة أمنية وقانونية صارمة على أطرافها وثغورها الجيوسياسية في تايوان، وهونج كونج، وشينجيانج (تركستان الشرقية)، والتبت.
وتتعامل بكين مع أي تحرك أو احتجاج في هذه المناطق، مثل احتجاجات هونج كونج عام 2019، باعتباره امتدادا محتملا لثورة ملونة مدعومة من واشنطن، ما يدفعها لتشديد السيطرة الاستباقية لسحق أي حركات ديمقراطية ومنع تشظي جغرافيتها السياسية.
ترويض الدب الروسي.. "تبادل الأدوار" في مواجهة عواصف واشنطن وترامب
تدرك بكين أن تحصين الجبهة الداخلية لا يكفي وحده دون هندسة بيئة دولية حاضنة.
وفي ورقة بحثية أعدها معهد "تشاتام هاوس" لصالح "مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي"، يبرز زلزال العهد الثاني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوائل عام 2025 كعامل حاسم في تصدع النظام الدولي الليبرالي. ويأتي ذلك بفعل سياساته الخارجية وقوميته الحادة، وهو ما استغلته الصين لطرح رؤيتها البديلة.
ويحلل البروفيسور تايلور فرافيل، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هذه الرؤية الصينية البديلة باعتبارها "نموذجا وستفاليا" يقوم على السيادة المطلقة وعدم التدخل، لحماية أمن الحزب من الضغوط الغربية.
وقد تطور هذا الطموح من فكرة "النظام الدولي الجديد" التي طرحها الرئيس الأسبق جيانج زيمين مع بوريس يلتسين عام 1997، ليصل في عهد شي جين بينج إلى مفهوم "مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية"، والذي يطمح لصياغة الحوكمة العالمية بحلول عام 2050 عبر شبكة دبلوماسية معقدة ومنصات "ثنائية متعددة الأطراف" تغيب عنها واشنطن، مما يتيح لبكين تمرير أجندتها بلا ممانعة.
وفي قلب هذه الاستراتيجية الصينية يبرز التحالف مع موسكو. ويقدم ديمتري ترينين، المدير السابق لمركز كارنيجي في موسكو، قراءة لانقلاب موازين القوة؛ ففي عام 1979 كان الاقتصاد الصيني يعادل 40% فقط من نظيره السوفيتي، أما اليوم فقد تضخم ليقزم نظيره الروسي بأربعة أضعاف.
ورغم هذا الانقلاب الصادم، لم تقع موسكو في فخ العداء، بفضل تكتيك "الاحترام الاستراتيجي" الصيني الذي امتنع عن إهانة القوة العظمى السابقة. وأدى هذا الالتفاف الدبلوماسي الذكي إلى تطمين الكرملين ليتغذى التحالف على "هوس مشترك" بمواجهة القوة الأمريكية.
يوضح الباحث كريستوفر فاسالو، في دورية "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكية، أن تمسك شي جين بينج بالتحالف مع فلاديمير بوتين ينبع من خوف جارف؛ فبكين ترى أن سقوط روسيا مجددا سيعيد إنتاج "المهانة السوفيتية" على حدودها الشمالية.
ولتحصين كوادره، أقر الرئيس الصيني في نوفمبر 2021 "القرار التاريخي الثالث" مطلقا أضخم حملة تعبئة أيديولوجية لمحاربة "العدمية التاريخية". وقد ربط هذا القرار بشكل مرعب بين "انهيار الاتحاد السوفيتي" وأحداث "ساحة تيانانمين 1989"، في رسالة تؤكد أن أي تراخٍ سياسي سيفتح الباب لأمريكا لتفكيك الدولة.
"التفاؤل التشاؤمي".. استدعاء المهانة التاريخية لبناء القوة الشاملة
ولإدامة حالة التحفز، تلعب بكين بورقة القومية ببراعة فائقة. ويفكك الباحث إيجور دينيسوف، من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، في تقرير لـ"معهد كارنيجي"، كيف تدير الصين إرث "قرن الإهانة".
ويستدل دينيسوف بقرار السلطات الصينية إعادة الاسم القديم المهين تاريخيا لقرية حدودية مع روسيا (آيجون). ورغم إغلاق ملف الحدود رسميا، احتفى التلفزيون الصيني المركزي بالقرار لضمان تأجيج الذاكرة المريرة في الوجدان الشعبي.
يُعرف هذا السلوك العقائدي بـ"التفاؤل التشاؤمي"، وهو المحرك لمشروع "الحلم الصيني". وتتجلى هذه العقيدة في مقولة شي جين بينج خلال زيارته لمعرض طريق النهضة: "إن التاريخ يثبت بأن التخلف والضعف يورثان العقاب والمهانة، وأن الطريق الوحيد للنمو هو بناء القوة الشاملة".
وتدير بكين هذا التناقض بـ"براغماتية فائقة"؛ ففي الوقت الذي سافر فيه الرئيس الصيني إلى موسكو لتعزيز التحالف ضد واشنطن، سمحت الرقابة الصينية للقوميين والنخب الأكاديمية، مثل البروفيسور وانج زانيانج، بشن هجوم علني ضد العدوان الروسي القيصري التاريخي. هذه المرونة تسمح بالتنفيس القومي دون المساس بالتعاون الصلب مع الكرملين لمواجهة التهديد الأمريكي الأكبر.
وفي النهاية، تلخص أبحاث جوزيف توريجيان، الأستاذ في الجامعة الأمريكية، المشهد برمته؛ فالهاجس الأكبر الذي يوجه شي جين بينج هو الحفاظ على "هيبة السلطة المركزية".
وينطلق الزعيم الصيني من قناعة جيوسياسية حاسمة بأن الدول العظمى تسقط بنيويا عندما تفقد سلطتها المركزية قوتها. وبناء عليه، فإن كل الإجراءات الصينية الراهنة ليست سوى درع استباقي مصمم بعناية لضمان ألا تلدغ بكين من الجحر السوفيتي الذي لا تزال تدرس جثته حتى اليوم.
وفي حين تمنع بكين النقاش العلني حول سقوط الحزب الشيوعي السوفيتي، فقد خصصت "مدرسة الحزب المركزية" لتكون مختبرا نخبويا وسريا لتشريح هذا السيناريو وتجنب تكراره، وفقا لصحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية.
هذه الأكاديمية التي تأسست عام 1933 لترسيخ الماركسية واللينينية، وتولى إدارتها تاريخيا قادة بحجم ماو تسي تونج وشي جين بينج، أحدثت ثورة جذرية في مناهجها.
وبدلا من الاكتفاء بالفكر العقائدي المتصلب الذي ميز الحقبة السوفيتية، باتت تدرس لكوادرها الاقتصاد الغربي، والقانون، والشؤون العسكرية، وصولا إلى الإتيكيت الدبلوماسي، في مسعى حثيث للتكيف مع متغيرات العصر.
وصرح أستاذ في هذه المدرسة للصحيفة، بأن أحد الاجتماعات التي عُقدت بحضور مجموعة كبيرة من أعضاء الحزب الشيوعي النافذين للغاية، ناقش "المدة التي نعتقد أن الحزب سيظل فيها في السلطة، وما هي خططنا لليوم الذي ينهار فيه.. صراحة، هذا سؤال يطرحه الجميع في الصين".
هذا القلق الوجودي يجد جذوره في التشخيص الصيني لأسباب السقوط؛ فوفقا لوكالة "رويترز" للأنباء، يرى قادة الحزب الشيوعي الصيني أن "مقتل" الاتحاد السوفيتي لم يكن عسكريا، بل نتج عن التآكل الفكري الداخلي.
وحذّر نائب وزير وزارة الإشراف الصينية، ياو تسينج كي، خلال حوار مع مستخدمي الإنترنت، من أن الحزب السوفيتي الذي ضم 20 مليون عضو، وامتلك تاريخا يمتد لـ90 عاما، وحكم لـ70 عاما متواصلة، انهار في النهاية بسبب التراخي الأيديولوجي.
وأوضح المسؤول الصيني، أن الحزب السوفيتي سمح لأعضائه بالتعبير علنا عن آراء تخالف توجهات التنظيم، مضيفا: "إن العديد من أعضاء الحزب السوفيتي، بل ومن قياداته أيضا، أنكروا تاريخ الاتحاد السوفيتي، ورفضوا الطليعة الجسورة للاشتراكية، وتحولوا إلى مكبرات صوت لبث الأيديولوجيا الغربية". هذا الاضطراب قاد في النهاية إلى فوضى تنظيمية أسقطت كل شيء في المحصلة، وفق ما نقلته "رويترز".
"كتالوج الفشل".. عقدة جورباتشوف وعودة "الرجل الأوحد"
تسيطر تجربة الزعيم السوفيتي الأخير ميخائيل جورباتشوف على عقلية صناع القرار في بكين، لكن بصورة معكوسة تماما للرؤية الغربية.
وكما أوضح البروفيسور كيري براون، المؤرخ السياسي في "كينجز كوليدج" لندن، في تصريحات لصحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية، تنظر القيادة الصينية إلى كل ما فعله جورباتشوف باعتباره "كتالوجا حول كيفية عدم إدارة الأمور".
ويضيف براون: "قد يحتفل الغرب بجورباتشوف كبطل، لكن بالنسبة للحزب الشيوعي في الصين، فإن مسيرته كانت تتوج بالفشل، والعد التنازلي للتصفيق الغربي العالي لم يكن سوى تأكيد على ذلك الفشل"؛ فقادة بكين لا يرون في إرثه روسيا حرة، بل يرون بلدا خضع للفقر، والفوضى، والفساد.
هذه الرؤية القاسية متجذرة بعمق في أروقة الحكم الصيني. فقد كشف البروفيسور شين زيهوا، الأستاذ المتخصص في تاريخ الاتحاد السوفيتي بجامعة شرق الصين الحكومية، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أنه كان ضمن مجموعة مصغرة من العلماء الموثوقين الذين استدعاهم الرئيس الصيني الأسبق جيانج زيمين في سبتمبر 2009 لمناقشة أسباب السقوط السوفيتي، حيث حسم زيمين النقاش حينها بعبارة قاطعة: "جورباتشوف خان الثورة".
انتقلت هذه العقيدة لتصبح المحرك الأساسي لسياسات الرئيس الحالي شي جين بينج. وينقل البروفيسور زيهوا عن خطابات داخلية لشي عقب توليه السلطة، تأكيده أن الإمبراطورية السوفيتية انهارت "لأنه لم يكن هناك رجل حقيقي بما يكفي للوقوف والمقاومة".
وفي سياق ذلك، يؤكد ديفيد شامبو، مدير برنامج السياسة الصينية بجامعة جورج واشنطن، أن قيادة الحزب الشيوعي الصيني تعيش تحت الظل السوفيتي، وتعي تماما خطورة إصلاحات جورباتشوف وترفض السير في طريقه.
وفي ندوة رقمية نظمها معهد "كينان" الأمريكي، قدم أول وزير خارجية لروسيا، أندري كوزيريف، مقارنة فريدة بين النخبتين، موضحا أن تفوق النموذج الصيني يعود لطبيعة القيادة الجيوسياسية.
وأشار كوزيريف إلى أن الزعيم الصيني دينج شياو بينج كان أكثر مرونة وفهما لآليات الرأسمالية وأقدر على إدارة الإصلاح من جورباتشوف أو يلتسين اللذين عجزا عن السيطرة على التضخم والأحداث المتسارعة. وقد تجلت هذه القدرة الصينية في دمج آليات السوق مع الحفاظ على قبضة سياسية حديدية، وهو ما ظهر في الحسم العسكري لاحتجاجات ساحة تيانانمين عام 1989، لقطع الطريق أمام أي اختراق أمريكي.
ولحماية هذه المكتسبات، ارتدت الصين عن نمط القيادة الجماعية وعادت إلى "حكم الرجل الواحد". ويحلل كارل مينزنر، الزميل الأقدم في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، لصحيفة "نيويورك تايمز"، استراتيجية الرئيس الصيني مؤكدا أن كل جهوده، بدءا من تشديد الرقابة الأيديولوجية وإعادة تأكيد هيمنة الحزب على الدولة، تهدف إلى توجيه البلاد بعيدا عن المصير السوفيتي.
لكن مينزنر يحذر من مفارقة تاريخية مقلقة؛ فبينما يحاول شي تجنب السقوط عبر تضخيم فكرة "القائد الملهم" على طريقة ماو تسي تونج، وإضعاف إنجازات دينج شياو بينج مهندس الانفتاح الاقتصادي، فإنه يخاطر بإعادة الصين إلى حالة عدم الاستقرار المزاجي المرتبط بحكم الفرد، حيث تتأرجح سياسات دولة عظمى بناء على رغبة رجل واحد.
"الاستبداد الذكي".. مقايضة الرخاء وتفادي فخ التسلح الأمريكي
لفهم كيف تخطت الصين الفخ الذي أسقط الاتحاد السوفيتي، تقدم الدكتورة جينيفر ليند، الزميلة المشاركة في برنامج الولايات المتحدة وأمريكا الشمالية بالمعهد الملكي للشؤون الدولية "تشاتام هاوس"، تفسيرا سياسيا عميقا يستند إلى نظرية عالم السياسة الأمريكي الشهير صموئيل هنتنجتون المعروفة بـ"معضلة الملك".
توضح النظرية أن الحاكم المستبد يواجه خيارين أحلاهما مر: إما فرض رقابة سياسية صارمة تخنق الابتكار والنمو الاقتصادي وهو ما يمثل السيناريو السوفيتي المتصلب، أو تخفيف القيود السياسية لتحفيز الاقتصاد، ما يفتح الباب أمام قوى تطيح بالنظام على غرار سيناريو "البريسترويكا" لجورباتشوف.
لكن ليند تؤكد أن قادة بكين رفضوا الخيارين واختاروا بابا ثالثا أطلقت عليه اسم "الاستبداد الذكي"؛ حيث زاوجوا بين السيطرة السياسية الصارمة للحزب، والانفتاح الاقتصادي المدروس الذي يؤمن مناخا مستقرا للمستثمرين.
هذا التوجه تعزز عبر استيعاب بكين لدرس سوفيتي قاس؛ فوفقا لـ"شبكة الإذاعة الأسترالية"، أدركت الصين أن السقوط السوفيتي بدأ من الداخل بفعل جمود الاقتصاد الموجه والإنهاك المالي الناتج عن الانجرار إلى سباقات التسلح وحروب الوكالة المستنزفة مع أمريكا.
وفي هذا السياق، يوضح تقرير لصحيفة "إندبندنت عربية" كيف نجح الغرب في إقحام السوفيت في عسكرة مفرطة جعلت كيانهم قادرا على إفناء العالم عسكريا، لكنه عاجز عن إطعام شعبه.
لتفادي هذا "الفخ الأمريكي"، انطلقت بكين في مراجعة شاملة قادها دينج شياو بينج عام 1976، ركزت على الانفتاح والإنتاج وتأمين الحاجات اليومية للمواطنين.
وتخلت الصين عن الأيديولوجية الاقتصادية الجامدة متبنية "رأسمالية الدولة"، لتتحول إلى مصنع العالم وتنضم لمنظمة التجارة العالمية عام 2001. وقد أثمرت هذه الاستراتيجية عن إخراج 850 مليون صيني من دائرة الفقر، بحسب بيانات البنك الدولي.
واليوم، تستخدم الصين فوائض أموالها في تمويل سندات الخزانة الأمريكية، ما يمنحها حصانة مالية وجيوسياسية تعجز واشنطن عن كسرها بالعقوبات التقليدية.
وعلى عكس الجمود السوفيتي، ربطت الصين شرعية الحزب الحاكم بالنمو الاقتصادي ومستوى معيشة المواطنين. ويوضح الخبير الاقتصادي البارز ومؤسس معهد "أونيرول" المستقل للاقتصاد، ماو يوشي، لصحيفة "فاينانشال تايمز"، أن العقود الماضية شهدت تحسنا مستمرا في حياة الجميع.
وفي الوقت نفسه، يحذر يوشي من أن تباطؤ النمو أو نشوء أزمات ديون وعقارات قد يهدد شرعية الحزب الشيوعي الحاكم، خصوصا أن توقعات الطبقة الوسطى الصينية ارتفعت ولم تعد تطلب الغذاء فقط، بل الهواء النظيف، والشفافية، والعدالة.
ولامتصاص هذا الغضب الشعبي المحتمل وسد الثغرة الأخلاقية التي عزلت الحزب السوفيتي عن شعبه سابقا، ذكرت "رويترز" أن الرئيس شي جين بينج يقود، بالتوازي مع قبضته السياسية، حملة غير مسبوقة ضد الفساد المستشري والبذخ بين المسؤولين. وجاءت هذه الحملة كاعتراف صريح بالمرارة الشعبية تجاه استغلال المناصب، لتمثل معادلة بقاء ذكية ترفض الانفتاح السياسي لكنها تتحرك بقوة لتطهير الفساد.
ولم تكتف بكين بمجاراة العالم، بل شنت ما وصفه المؤرخ ديفيد أونبي، من معهد ماكس بلانك، بـ"المثاقفة الهجومية"؛ فبينما فرض السوفيت طوقا حديديا أدى إلى هروب العقول، استثمرت الصين بكثافة في الجامعات ونقل التكنولوجيا وتحديث الفكر لمنع شلل القرار، بحسب ما يؤكده البروفيسور تشن شو جوانج، من جامعة الحزب التابعة للجنة المركزية.
وتتوج هذه المسيرة بتفوق مالي وتكنولوجي مرعب؛ إذ تؤكد الدكتورة جينيفر ليند، أن الصين تجاوزت مرحلة التقليد لتتصدر مرتبة متقدمة عالميا في مؤشر الابتكار العالمي، مهيمنة على قطاعات السيارات الكهربائية، والطاقة النظيفة، والرقائق المحلية، ونماذج الذكاء الاصطناعي.
وفي مقارنة مفصلية، تحذر ليند الغرب؛ فبينما لم يصل الاتحاد السوفيتي اقتصاديا في أوج قوته إلى 50% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، تعادل الصين اليوم 100% من حجم الاقتصاد الأمريكي بأربع قوى شرائية، ما يجعلها قوة عظمى استبدادية غير مسبوقة تاريخيا.
"الوثيقة رقم 9".. جدار الحماية العظيم ضد الاختراق الناعم
لحماية النظام من التآكل الفكري الذي دمر السوفيت، تبنت بكين استراتيجية الحظر الاستباقي.
وتكشف "الوثيقة السرية رقم 9" الصادرة عن القيادة الصينية، والتي تسربت عبر وسائل إعلام خارجية كما نقلت صحيفة "فاينانشال تايمز"، عن هذا الهاجس بوضوح؛ إذ حذرت من تسلل القوى الغربية المعادية والمعارضين المحليين إلى المجال الأيديولوجي، مشددة على ضرورة الانتباه لطرق التفكير الخاطئة للحفاظ على قبضة الحزب الشيوعي الحاكم.
وحددت الوثيقة 7 مهددات يمنع نقاشها في الأوساط الأكاديمية الصينية تجنبا لسياسة "الجلاسنوست" (الشفافية) السوفيتية، وجاء على رأسها: الديمقراطية الدستورية الغربية، وحقوق الإنسان، واستقلال القضاء، واستقلال وسائل الإعلام، ونقد التاريخ الماضي للحزب.
هذا الحظر ينبع من قناعة راسخة بأن واشنطن تسعى لإسقاط بكين عبر أدواتها الناعمة وقيمها الديمقراطية، وهو ما يُعرف بـ"التطور السلمي" أو "الثورات الملونة"، كما وثق الفيلم الوثائقي الرسمي للحزب الشيوعي "المنافسة الصامتة" الذي أبرزته "شبكة الإذاعة الأسترالية".
ردا على ذلك، شيدت الصين "جدار الحماية العظيم" لقطع الطريق أمام النفوذ الثقافي والمعلوماتي الأمريكي، معتبرة حظر المنصات الغربية خط دفاع جيوسياسي لحماية سيادة الدولة.
وفي تفكيك لآليات هذا الاختراق الناعم، أوضح المساعد السابق لرئيس الوزراء الصيني الإصلاحي الأسبق، تشينج شياو نونج، عبر البرنامج التلفزيوني التايواني الفضائي، أن السقوط السوفيتي حدث نتيجة سماح تلك الأنظمة بوجود مساحات للمثقفين المستقلين.
هذا التسامح، من وجهة نظر نونج، خلق خطابات نقدية تفوقت على البروباجندا الرسمية ووفرت قاعدة مجتمعية للتحول المدعوم غربيا؛ لذلك، تمنع بكين ولادة مجتمع مدني مستقل، وتفرض منظومة فكرية موحدة تستند إلى "فكر شي جين بينج".
ورغم هذه القبضة، لم تؤمم الصين الأفكار بالكامل حتى يتيبس النظام كسابقه السوفيتي؛ إذ رصد معهد "تشاتام هاوس" ما أسماه "التعددية المقيدة"؛ حيث سمح الحزب الشيوعي الصيني بوجود قطاع خاص مزدهر، ومؤسسات إعلامية خاصة، وجامعات مرموقة.
هذا "المجتمع المدني المدار حكوميا" يساعد الحزب على رصد المشكلات المجتمعية الملحة ومعالجتها إداريا قبل أن تتحول إلى ثورة، دون أن يفقد سيطرته الإشرافية.
ولتأمين هذه المعادلة المعقدة، استبدلت الصين الدبابات بسلاح الخوارزميات. وتشير أبحاث البروفيسورة مارجريت روبرتس، التي نقلها المعهد نفسه، إلى أن بكين تجاوزت الحجب التقليدي إلى تكتيكات "الاحتكاك والإغراق"؛ وهي وسائل تقنية تؤخر الوصول للمعلومات الحساسة وتغرق الإنترنت بروايات بديلة تشتت الجمهور.
وتنقل عن الباحثة لينيت أونج أن الحزب تحول إلى "القمع الوقائي منخفض الكثافة"، معتمدا على الذكاء الاصطناعي، وأنظمة التعرف على الوجوه، والمراقبة الحيوية، ليصبح التحكم مدفوعا بالخوارزميات لا بالقوة العسكرية المباشرة.
وأد "القوى الطاردة".. القبضة الحديدية على الأطراف الجغرافية
لا يقتصر الرعب الصيني من السيناريو السوفيتي على الفضاء الإلكتروني والفكري، بل يمتد بقوة إلى الجغرافيا.
وبحسب صحيفة "نيويورك تايمز"، يتمثل المحرك الأساسي وراء القبضة الأمنية العنيفة للصين في الأقاليم ذات الخصوصية العرقية في الخوف من "القوى الطاردة مركزيا" التي قد تؤدي إلى تفتت الإمبراطورية.
وتعلمت بكين الدرس جيدا من تفتت الاتحاد السوفيتي إلى 15 جمهورية مستقلة وخروج دول أوروبا الشرقية من المظلة السوفيتية، وهو ما اعتبرته دليلا على خطورة إهمال الأطراف الجغرافية، وفقا لـ"شبكة الإذاعة الأسترالية".
وعلى النقيض من التراخي السوفيتي، تتبنى الصين سياسة "السيادة المطلقة غير القابلة للتفاوض"، وتفرض قبضة أمنية وقانونية صارمة على أطرافها وثغورها الجيوسياسية في تايوان، وهونج كونج، وشينجيانج (تركستان الشرقية)، والتبت.
وتتعامل بكين مع أي تحرك أو احتجاج في هذه المناطق، مثل احتجاجات هونج كونج عام 2019، باعتباره امتدادا محتملا لثورة ملونة مدعومة من واشنطن، ما يدفعها لتشديد السيطرة الاستباقية لسحق أي حركات ديمقراطية ومنع تشظي جغرافيتها السياسية.
ترويض الدب الروسي.. "تبادل الأدوار" في مواجهة عواصف واشنطن وترامب
تدرك بكين أن تحصين الجبهة الداخلية لا يكفي وحده دون هندسة بيئة دولية حاضنة.
وفي ورقة بحثية أعدها معهد "تشاتام هاوس" لصالح "مجلس الاستخبارات الوطني الأمريكي"، يبرز زلزال العهد الثاني للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أوائل عام 2025 كعامل حاسم في تصدع النظام الدولي الليبرالي. ويأتي ذلك بفعل سياساته الخارجية وقوميته الحادة، وهو ما استغلته الصين لطرح رؤيتها البديلة.
ويحلل البروفيسور تايلور فرافيل، من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، هذه الرؤية الصينية البديلة باعتبارها "نموذجا وستفاليا" يقوم على السيادة المطلقة وعدم التدخل، لحماية أمن الحزب من الضغوط الغربية.
وقد تطور هذا الطموح من فكرة "النظام الدولي الجديد" التي طرحها الرئيس الأسبق جيانج زيمين مع بوريس يلتسين عام 1997، ليصل في عهد شي جين بينج إلى مفهوم "مجتمع ذي مستقبل مشترك للبشرية"، والذي يطمح لصياغة الحوكمة العالمية بحلول عام 2050 عبر شبكة دبلوماسية معقدة ومنصات "ثنائية متعددة الأطراف" تغيب عنها واشنطن، مما يتيح لبكين تمرير أجندتها بلا ممانعة.
وفي قلب هذه الاستراتيجية الصينية يبرز التحالف مع موسكو. ويقدم ديمتري ترينين، المدير السابق لمركز كارنيجي في موسكو، قراءة لانقلاب موازين القوة؛ ففي عام 1979 كان الاقتصاد الصيني يعادل 40% فقط من نظيره السوفيتي، أما اليوم فقد تضخم ليقزم نظيره الروسي بأربعة أضعاف.
ورغم هذا الانقلاب الصادم، لم تقع موسكو في فخ العداء، بفضل تكتيك "الاحترام الاستراتيجي" الصيني الذي امتنع عن إهانة القوة العظمى السابقة. وأدى هذا الالتفاف الدبلوماسي الذكي إلى تطمين الكرملين ليتغذى التحالف على "هوس مشترك" بمواجهة القوة الأمريكية.
يوضح الباحث كريستوفر فاسالو، في دورية "ذا ناشيونال إنترست" الأمريكية، أن تمسك شي جين بينج بالتحالف مع فلاديمير بوتين ينبع من خوف جارف؛ فبكين ترى أن سقوط روسيا مجددا سيعيد إنتاج "المهانة السوفيتية" على حدودها الشمالية.
ولتحصين كوادره، أقر الرئيس الصيني في نوفمبر 2021 "القرار التاريخي الثالث" مطلقا أضخم حملة تعبئة أيديولوجية لمحاربة "العدمية التاريخية". وقد ربط هذا القرار بشكل مرعب بين "انهيار الاتحاد السوفيتي" وأحداث "ساحة تيانانمين 1989"، في رسالة تؤكد أن أي تراخٍ سياسي سيفتح الباب لأمريكا لتفكيك الدولة.
"التفاؤل التشاؤمي".. استدعاء المهانة التاريخية لبناء القوة الشاملة
ولإدامة حالة التحفز، تلعب بكين بورقة القومية ببراعة فائقة. ويفكك الباحث إيجور دينيسوف، من معهد موسكو الحكومي للعلاقات الدولية، في تقرير لـ"معهد كارنيجي"، كيف تدير الصين إرث "قرن الإهانة".
ويستدل دينيسوف بقرار السلطات الصينية إعادة الاسم القديم المهين تاريخيا لقرية حدودية مع روسيا (آيجون). ورغم إغلاق ملف الحدود رسميا، احتفى التلفزيون الصيني المركزي بالقرار لضمان تأجيج الذاكرة المريرة في الوجدان الشعبي.
يُعرف هذا السلوك العقائدي بـ"التفاؤل التشاؤمي"، وهو المحرك لمشروع "الحلم الصيني". وتتجلى هذه العقيدة في مقولة شي جين بينج خلال زيارته لمعرض طريق النهضة: "إن التاريخ يثبت بأن التخلف والضعف يورثان العقاب والمهانة، وأن الطريق الوحيد للنمو هو بناء القوة الشاملة".
وتدير بكين هذا التناقض بـ"براغماتية فائقة"؛ ففي الوقت الذي سافر فيه الرئيس الصيني إلى موسكو لتعزيز التحالف ضد واشنطن، سمحت الرقابة الصينية للقوميين والنخب الأكاديمية، مثل البروفيسور وانج زانيانج، بشن هجوم علني ضد العدوان الروسي القيصري التاريخي. هذه المرونة تسمح بالتنفيس القومي دون المساس بالتعاون الصلب مع الكرملين لمواجهة التهديد الأمريكي الأكبر.
وفي النهاية، تلخص أبحاث جوزيف توريجيان، الأستاذ في الجامعة الأمريكية، المشهد برمته؛ فالهاجس الأكبر الذي يوجه شي جين بينج هو الحفاظ على "هيبة السلطة المركزية".
وينطلق الزعيم الصيني من قناعة جيوسياسية حاسمة بأن الدول العظمى تسقط بنيويا عندما تفقد سلطتها المركزية قوتها. وبناء عليه، فإن كل الإجراءات الصينية الراهنة ليست سوى درع استباقي مصمم بعناية لضمان ألا تلدغ بكين من الجحر السوفيتي الذي لا تزال تدرس جثته حتى اليوم.








