الحشرات تزداد انتشارًا في أمريكا.. وتغير المناخ ليس المتهم الوحيد

  • منذ 12 ساعات
  • سي إن إن عربية
Loading image...
(CNN) -- يصعُب تجنّب الحديث عن الحشرات في الوقت الحالي، فهي توسع نطاق انتشارها إلى مناطق جديدة، وتظهر بطرق أكثر إزعاجًا.. وتزيد المخاطر الصحية المرتبطة بها.

فالذباب المنزلي، على سبيل المثال، لا يقتصر ضرره على الإزعاج، بل قد يكون ناقلًا ميكانيكيًا للأمراض، إذ ينتقل بين النفايات وأسطح المطابخ، حاملًا معه مسبّبات أمراض مثل السالمونيلا وغيرها.

كما يُثير القرّاد قلقًا متزايدًا، خصوصًا القرّاد طويل القرون الذي ظهر لأول مرة في الولايات المتحدة عام 2017، ويمكن للإناث منه الاستنساخ وإنتاج آلاف النسخ. وفي حالة أخرى تبدو شبيهة بالخيال العلمي، يمكن للعاب بعض أنواع القرّاد أن يُسبّب حساسيّة شديدة تجاه اللحوم الحمراء ومنتجات الألبان، تُعرف باسم متلازمة "ألفا-غالويرتبط انتشار الحشرات بعوامل عدة، منها تغير المناخ، وتقلبات الطقس، ووفرة ثمار البلوط، إضافة إلى تغييرات استخدام الأراضي التي بدأت منذ الحقبة الاستعمارية. لكن الخبراء يؤكدون أن تغير المناخ وحده لا يفسر هذا الانتشار.

من منظور الصحة العامة، أصبحت الحشرات والقرّاد وغيرها من الكائنات الناقلة للأمراض مشكلة متنامية. فقد تضاعف عدد الحالات المبلّغ عنها للأمراض المنقولة عبر النواقل بين العامين 2005 و2019، وفق بيانات المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC)، كما يواصل العلماء اكتشاف مسببات أمراض جديدة.

وقال الدكتور غودارز مولائي، خبير القراد الذي يتابع انتشار هذه الحشرات والأمراض التي تنقلها في ولاية كونيتيكت: "لا أريد إثارة مخاوف لا داعي لها، لكنني أرى أن ما نشهده الآن ليس سوى قمة جبل الجليد. ففي الوقت الحالي، يقتصر انتشارها في الغالب على المناطق الساحلية، لكن مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، ستنتقل خلال السنوات المقبلة من السواحل إلى المناطق الداخليةويُعد القراد السبب الرئيسي للأمراض المنقولة عبر النواقل في الولايات المتحدة، بينما يحتل البعوض هذه المرتبة عالميًا بسبب العبء الكبير الذي تسببه الملاريا.

ويمكن للقراد في الولايات المتحدة نقل أكثر من 12 مرضًا، أبرزها مرض لايم. وتشير تقديرات تستند إلى بيانات مطالبات التأمين إلى أن ما يصل إلى 476 ألف شخص سنويًا قد يُشخّصون ويُعالجون من المرض، رغم احتمال عدم الإبلاغ عن بعض الحالات.

ويمكن علاج مرض لايم بفاعلية باستخدام المضادات الحيوية، خصوصًا عند اكتشافه مبكرًا، لكنه قد يؤدي إلى مشاكل طويلة الأمد، مثل التهاب المفاصل والصداع الشديد واضطراب ضربات القلب.

وقال الدكتور ريتشارد أوستفيلد، عالم بيئة الأمراض في معهد كاري لدراسات النظم البيئية: "تشهد أمراض لايم، وداء البابيزيات، وداء الأنابلازما، ارتفاعًا كبيرًا، من دون وجود أي مؤشرات على تباطؤ هذا الاتجاهويمكن أن يسبب داء البابيزيات أعراضًا شبيهة بالإنفلونزا وتدمير خلايا الدم الحمراء، فيما يتسبب داء الأنابلازما بمضاعفات خطيرة، منها فشل الجهاز التنفسي، ومشاكل النزيف وفشل الأعضاء والوفاة. كما يتزايد انتشار فيروس بواسان، رغم ندرته، ويمكن أن يسبب التهاب الدماغ.

وسجلت زيارات أقسام الطوارئ في الولايات المتحدة بسبب لدغات القراد هذا العام أعلى مستوياتها في هذه الفترة من الموسم خلال السنوات السبع الماضية، وفق بيانات CDC.

وقال الدكتورة إيريكا ماتشنغر، الأستاذة الساعدة بعلم الحشرات في جامعة ولاية بنسلفانيا: "بالتأكيد، أصبحت حشرات القراد موجودة في أماكن نشأ فيها الناس من دون أن يضطروا إلى القلق بشأنهاوتضاعف عدد المقاطعات التي أصبحت فيها حشرات قراد الأرجل السوداء، التي تنقل بكتيريا مرض لايم وطفيليات داء البابيزيات وبكتيريا داء الأنابلازما، مستقرة بين العامين 1996 و2015.

ولا يعود انتشارها إلى تغير المناخ فقط. وقالت ماتشنغر إن الأمر "معقد"، مشيرة إلى دور عوامل مرتبطة بتغيرات المشهد الطبيعي في الولايات المتحدة.

فالغزلان، التي ارتفعت أعدادها بعد تراجعها بسبب إزالة الغابات والصيد الجائر، لا تحمل بكتيريا مرض لايم، لكنها تنقل القراد. أما الفئران ذات الأقدام البيضاء، فتحمل البكتيريا المسببة للمرض، وتزدهر في المناطق التي تغيرت بفعل النشاط البشري، مثل توسع الضواحي.

كما تلعب ثمار البلوط دورًا غير متوقع، إذ يؤدي ارتفاع إنتاجها في عام معين إلى زيادة أعداد الفئران في العام التالي، ما يمنح صغار القراد فرصة أكبر للبقاء والانتقال إلى البشر.

وقال أوستفيلد إن أفضل مؤشر على عدد القراد المتوقع وجوده كل عام هو عدد الفئران ذات الأقدام البيضاء في الصيف السابق، وإن أفضل مؤشر على أعداد الفئران هو كمية ثمار البلوط التي سقطت في الخريف السابق.

لا يقتصر انتشار الحشرات على القراد. فبعوض "الزاعجة" الذي ينقل الفيروسات المسببة للشيكونغونيا وزيكا والحمى الصفراء، وسّع نطاق وجوده في الولايات المتحدة.

واكتُشفت أول بعوضة من نوع "الزاعجة المصرية" في كاليفورنيا عام 2013، كما رُصدت لأول مرة في ولاية أيداهو في أغسطس/آب. ويُقدّر أن هذا النوع ينتشر شمالًا بمعدل نحو 241 كيلومترًا سنويًا، وفق بحث من كلية البيئة في جامعة ييل، وقد يؤدي تغير المناخ إلى تسريع هذا التوسع على المدى الطويل.

وقال الدكتور جيم فريدريكس، عالم الحشرات ونائب الرئيس الأول للشؤون العامة في الجمعية الوطنية لإدارة الآفات: "ترتبط أعداد الآفات وبيولوجيتها بشكل وثيق بعوامل مثل درجات الحرارة وهطول الأمطاروأضاف أن الظروف الجوية، مثل الربيع المعتدل والرطب والعواصف المدارية، ساعدت على زيادة أعداد البعوض في مناطق عدة من الولايات المتحدة.

كما قد يكون الذباب، الذي ينقل الأمراض بطريقة غير مباشرة، أكثر انتشارًا هذا العام بسبب أنماط الطقس. وقد تستفيد دودة اللولب في العالم الجديد، التي تتحوّل إلى ذبابة في مرحلة البلوغ، من الظروف المناخية مع عودتها للانتشار في الولايات المتحدة بعد غياب دام 60 عامًا.

ويواجه الجنوب الغربي أيضًا زيادة متوقعة في أعداد العقارب، إذ تدفعها أمطار الرياح الموسمية، إلى جانب العناكب وغيرها من العنكبوتيات، إلى دخول المنازل.

مواجهة الحشرات

يرى الخبراء أن الوقاية الشخصية تبقىالوسيلة الأهم للحد من مخاطر الحشرات. وينصحون باستخدام طاردات الحشرات المسجلة لدى وكالة حماية البيئة الأمريكية، ومعالجة الملابس والأحذية بمادة البيرمثرين.

وقال الدكتور جيم فريدريكس، عالم الحشرات ونائب الرئيس الأول للشؤون العامة في الجمعية الوطنية لإدارة الآفات: "ترتبط أعداد الآفات وبيولوجيتها بشكل وثيق بعوامل مثل درجات الحرارة وهطول الأمطاركما يساعد التخلص من المياه الراكدة، وإبعاد أوراق الشجر المتراكمة والمخلفات وأكوام الخشب عن المنازل، على تقليل انتشار البعوض والقراد والعقارب.

وتتواصل الجهود العلمية لتطوير وسائل حماية جديدة. فقد أعلنت شركة "فايزر" أنها تتقدم بطلب للحصول على موافقة على لقاح لمرض لايم، سيكون الأول من نوعه منذ عقدين إذا وافقت عليه إدارة الغذاء والدواء الأمريكية.

كما يجري تطوير وسائل أخرى، منها دواء يخضع للتجارب السريرية يهدف إلى قتل القراد بعد اللدغ لمنع انتقال مسببات الأمراض.

وبالنسبة لمتلازمة "ألفا-غال"، وهي حساسية اللحوم التي يسببها القراد، يستخدم الأطباء بشكل متزايد دواء "زولير" (Xolair) لتقليل خطر ردود الفعل التحسسية الشديدة.

وتُدرس أيضًا حلول أكثر تقدمًا، مثل تعديل جينات الفئران لمنعها من حمل البكتيريا المسببة لمرض لايم، إلى جانب حلول تقليدية مثل القضاء على الغزلان في بعض الجزر المعزولة، ما أدى إلى استقرار معدلات الإصابة بمرض لايم.

لكن الخبراء يؤكدون أن هذه الوسائل تأتي بعد حماية الأشخاص لأنفسهم مباشرة.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر