فى هذا العصر الذى ينتشر فيه الذكاء الاصطناعى على نطاق واسع، تتسابق شركات التكنولوجيا لتدريب وتشغيل نماذجها اللغوية الضخمة باستخدام مراكز بيانات هائلة تستهلك كميات هائلة من الكهرباء وتستنزف الموارد.حتى بين أولئك الذين يعتمدون على أدوات الذكاء الاصطناعى، تُعتبر هذه المراكز غير مرغوبة على الإطلاق، إذ تُقابل مقترحات بناء مراكز جديدة منها بشكل متزايد بالرفض القاطع، حسبما ذكر «Scientific American».ولتجنب هذه المخاوف وتخفيف الأعباء البيئية، يخطط بعض رواد الأعمال لبناء مراكز بيانات تعمل بالطاقة الشمسية فى المدار، ولكن علماء الفلك كشفوا فى دراسة حديثة أن مجموعات ضخمة من هذه الأقمار الصناعية قد تُغير سماء الليل تغييرًا جذريًا.يقول آرون بولى، عالم الفلك فى جامعة كولومبيا البريطانية، المؤلف الرئيسى للدراسة: «لقد فقد الناس إحساسهم بجمال سماء الليل بسبب المدن التى تعانى من التلوث الضوئى، والآن نحن نعيد صياغة تلك القصة من خلال الأقمار الصناعية».وأوضح بولى: «فإذا ما نُفذت أكثر خطط (الكوكبات الضخمة) (megaconstellations) طموحًا، فإن ضوء الشمس المنعكس عن الألواح الشمسية الكبيرة لتلك الأقمار سيخلق مشهدًا ضوئيًا دائمًا لا مفر منه عند الفجر والغسق، بحيث يمكن رؤيته حتى من أكثر مواقع السماء المظلمة عزلةً، وكذلك من المدن الأكثر تلوثاً بالضوء».وفكرة مراكز البيانات المدارية ليست مجرد فرضية بعيدة المنال؛ فقد قدمت شركات كبرى فى مجال الطيران والفضاء- مثل «سبيس إكس» (SpaceX) و«بلو أوريجين» (Blue Origin)- بالإضافة إلى شركات ناشئة طموحة وذات تمويل قوى مثل «كاوبوى سبيس كوربوريشن» (Cowboy Space Corporation)، مقترحات إلى لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC) لإنشاء كوكبات من مراكز البيانات تتألف من أعداد تتراوح بين 20 ألفًا ومليون قمر صناعى. وسيكون المدار الأكثر كفاءة- وبالتالى الأكثر طلبًا- لهذه الأقمار هو ذلك الذى يدور حول قطبى الأرض بمحاذاة الخط الفاصل بين الليل والنهار، حيث يمكنها تلقى ضوء الشمس بشكل مستمر من نجمنا.ولفهم التأثيرات المصاحبة على سماء الليل بشكل أفضل، قام بولى وزملاؤه بنمذجة السطوع البصرى لثلاثة تكوينات لمراكز البيانات المدارية اقترحتها شركات مختلفة: حلقة قمر صناعى واحد لشركة «كاوبوى سبيس»، وحلقتان متقاطعتان من الأقمار الصناعية لشركة «بلو أوريجين»، ومزيج من حلقات متقاطعة وغلاف إضافى من الأقمار الصناعية يدور حول الأرض لشركة «سبيس إكس».كذلك درس الباحثون المسافة بين الأقمار الصناعية، فالتوزيع الأوسع للأقمار الصناعية من شأنه أن يقلل من خطر الاصطدام، ولكنه سيغطى مساحات أكبر من السماء، ما يخلق غطاءً ضوئيًا واسع النطاق بدلًا من حلقات منفصلة.وأظهرت عمليات النمذجة التى أجراها الفريق أن الأقمار الصناعية المقترحة ستُحدث تغييرًا جذريًا فى مظهر سماء الليل، فعند رصدها من خطوط العرض المنخفضة، سيصل سطوع هذا الموكب المدارى من الأقمار الصناعية إلى ذروته عند شروق الشمس وغروبها؛ أما عند الاقتراب من القطبين، فستبدو هذه المجموعات الساتلية ساطعة ومرئية طوال معظم ساعات الليل خلال فصل الشتاء وفترتى الاعتدالين.وخلص الفريق إلى أنه فى غياب تخطيط دقيق للحد من سطوع هذه المجموعات، قد يفوق عدد الأقمار الصناعية- فى السيناريو الأقصى- عدد النجوم المرئية بمقدار مائة ضعف.بالنسبة لعلماء الفلك، ستُشكّل هذه الأقمار الصناعية كابوساً يعوق عمليات الرصد؛ إذ ستزاحم الأجرام السماوية الخافتة وتحجبها، أو حتى تنافس وهجُها سطوعَ مجرة درب التبانة. وستكون هذه الآثار مزعجةً بشكل خاص فى القارة القطبية الجنوبية (أنتاركتيكا)، حيث تستفيد المراصد من عزلة القارة وجفاف أجوائها وظلام الشتاء القطبى المستمر على مدار الساعة لدراسة إشارات دقيقة، مثل إشعاع الخلفية الكونية الميكروى.كذلك فإن الانبعاثات الحرارية الصادرة عن هذه الأقمار ستُشوش على عمليات الرصد بالأشعة تحت الحمراء، وقد تتسبب اتصالاتها مع المحطات الأرضية أو المركبات الفضائية الأخرى فى مشكلات لعلم الفلك الراديوى، وحتى التلسكوبات الفضائية لن تسلم من هذا التأثير، إذ ستظهر هذه الأقمار الصناعية بشكل متكرر وتقتحم مجالات رؤيتها أثناء عمليات الرصد.وتعاون علماء الفلك وشركات الأقمار الصناعية للتخفيف من بعض هذه الآثار؛ فعلى سبيل المثال، تنسق شركة «سبيس إكس» مع «المرصد الوطنى لعلم الفلك الراديوي» (NRAO) عبر نظام لتبادل البيانات، بحيث تتجنب التلسكوبات الراديوية التابعة للمرصد جمع البيانات أثناء مرور أقمار «ستارلينك» (Starlink) الصناعية فوقها، ومع ذلك، فقد خلصت الدراسة إلى أن العدد الهائل للأقمار الصناعية- اعتمادًا على تكوين هذه الكوكبة الضخمة- قد يجعل تجنبها أمرًا مستحيلًا.
«تبدو كصواريخ وقنابل مضيئة».. مراكز تخزين البيانات الجديدة تغير شكل السماء
- منذ شهر
- المصرى اليوم
Loading image...
