الصحة العالمية: تعزيز الموارد المحلية ضرورة لبناء أنظمة صحية مستدامة بأفريقيا

Loading image...
أكدت الأمم المتحدة، ومنظمة الصحة العالمية، والاتحاد الأفريقي، اليوم، في مدينة أديس أبابا، أهمية انتقال الدول الأفريقية من الاعتماد على التمويل الخارجي إلى بناء أنظمة صحية أكثر استدامة، والاعتماد على الموارد المحلية، وتعزيز ما وصفته القيادات الأفريقية بـ«السيادة الصحية»، بما يضمن قدرة القارة على تحديد أولوياتها الصحية، وتمويل أنظمتها، وإدارة بياناتها، وإنتاج احتياجاتها الأساسية من المنتجات الطبية. جاء ذلك خلال افتتاح الدورة الـ76 للجنة الإقليمية لمنظمة الصحة العالمية لأفريقيا في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، بحضور وزراء الصحة وكبار المسؤولين من الدول الأعضاء الـ47 في إقليم أفريقيا، إلى جانب قيادات منظمة الصحة العالمية والاتحاد الأفريقي وشركاء التنمية.

وخلال مراسم الافتتاح التي أقيمت في متحف «أدوا»، نقل أبوبكري دياو، رئيس ديوان لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا، رسالة من الأمين التنفيذي للجنة، كلافير جاتيت، أكد فيها أن «الصحة ليست مسؤولية وزارة واحدة، بل أولوية حكومية شاملة وأحد الأسس التي تقوم عليها عملية التحول الاقتصادي في أفريقيا». وأوضح أن مفهوم السيادة الصحية يعني امتلاك أفريقيا القدرة على تحديد أولوياتها الصحية، وتمويل أنظمتها، وإدارة بياناتها، وإنتاج المنتجات الصحية الأساسية، وحماية شعوبها في مواجهة الصدمات والأزمات المستقبلية.

الصحة استثمار اقتصادي وليس إنفاقًا اجتماعيًا
وضرب دياو مثالًا بسيدة أفريقية تدعى «أمينة»، تمتلك مشروعًا صغيرًا في إحدى المدن الأفريقية، وتوظف شابين وتعول أبناءها. وعندما تمرض، تؤجل طلب الرعاية الصحية خوفًا من تكلفتها، ثم تضطر في النهاية إلى بيع جزء من معدات مشروعها لتغطية نفقات العلاج. وقال إن ما يبدأ باعتباره مرضًا لشخص واحد يمكن أن يتحول إلى أزمة مالية للأسرة، ثم أزمة لمشروع صغير، ومع تكرار الأمر لدى ملايين الأسر يتحول في النهاية إلى مشكلة اقتصادية كلية تؤثر في اقتصاد الدولة. وأوضح أن هذه القصة تكشف 3 تحديات رئيسية تواجه تمويل الصحة المستدامة في أفريقيا.
أول هذه التحديات هو ضغوط الموارد المالية، في ظل تراجع المساعدات الصحية الخارجية بنحو 30%، بينما أصبحت خدمة الديون في عدد من الدول منخفضة الدخل تستهلك نحو 7.5% من الإنفاق الحكومي، مقارنة بنحو 6% فقط مخصصة للصحة.
أما التحدي الثاني فيتمثل في نظم التمويل وضعف الحماية المالية، إذ تمثل المدفوعات المباشرة من الأسر نحو 30% في المتوسط من الإنفاق الصحي الجاري في الإقليم، وهي نسبة تتجاوز المعيار الذي تستهدفه منظمة الصحة العالمية والبالغ 20%، كما أدت المدفوعات المباشرة مقابل الخدمات الصحية إلى دفع نحو 150 مليون شخص إلى الفقر أو إلى مزيد من الفقر.
ويتمثل التحدي الثالث في فجوة التنفيذ والثقة، إذ وضعت العديد من الدول استراتيجيات صحية، لكنها لا تتحول دائمًا إلى خطط استثمارية واضحة ومتسلسلة وذات مصداقية مالية، في وقت يؤدي فيه ضعف تنفيذ الموازنات ومحدودية المعلومات المالية إلى صعوبة جذب التمويل العام والإنمائي، وكذلك الاستثمارات الخاصة.

3 تحولات مطلوبة لتمويل مستقبل الصحة في أفريقيا
وأشار دياو إلى أن لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية لأفريقيا تعمل، من خلال مبادرة تحويل الصحة في أفريقيا التي أُطلقت في طنجة في أبريل 2026، على إدخال التحليل الاقتصادي الكلي وخبرات المالية العامة في النقاش الخاص بالصحة، ودعم الدول في إعداد التشخيصات وحالات الاستثمار التي تربط الصحة بالإنتاجية وفرص العمل والمرونة المالية والنمو الاقتصادي. وأكد أن الحل لا يكمن فقط في توفير مزيد من الأموال، وإنما في تحسين تجميع الموارد، وتحسين شراء الخدمات، ورفع كفاءة الإنفاق والمساءلة.

وأوضح أن ذلك يتطلب 3 تحولات أساسية:
أولًا: تحويل الصحة من بند للإنفاق الاجتماعي المتكرر إلى استثمار اقتصادي منتج، ويمكن تحقيق ذلك، وفقًا له، من خلال قياس التكلفة الاقتصادية لعدم التحرك، وتحديد العوائد الناتجة عن الوقاية وتقوية النظم الصحية، وإدماج الأولويات الصحية في خطط التنمية الوطنية والتوقعات الاقتصادية وأطر الإنفاق متوسط الأجل، وربط الموازنات بنتائج صحية واقتصادية قابلة للقياس.

ثانيًا: الانتقال من الخطط المجزأة إلى اتفاق وطني لتمويل الصحة.
وأوضح أن هذا الاتفاق لا يقتصر على التنسيق بين وزارتي الصحة والمالية، وإنما يمثل اتفاقًا وطنيًا يحظى بدعم سياسي، ويحدد النتائج والإصلاحات والموارد، ومن يدفع ماذا، وكيف يتم قياس التنفيذ.
ويجب أن يجمع هذا الاتفاق وزارات الصحة والمالية والتخطيط، إلى جانب إدارات الإيرادات وشركات التأمين والبنوك والقطاع الخاص والمجتمع المدني، حول رؤية وطنية موحدة وذات مصداقية.

ثالثًا: الانتقال من البحث عن مشروعات تناسب أدوات التمويل إلى وضع أولويات الدول في مقدمة عملية التمويل.
وأشار إلى أن الدولة التي تعاني ضعف تنفيذ الموازنة قد تحتاج أولًا إلى إصلاح المالية العامة قبل إدخال آليات تمويل جديدة، بينما تحتاج الدولة التي تنتقل من الاعتماد على المساعدات الخارجية إلى مسار متدرج لزيادة التمويل المحلي.
أما الدول الراغبة في تصنيع الأدوية محليًا، فقد تحتاج إلى الشراء المجمع، والمواءمة التنظيمية، والضمانات، وطلب إقليمي مستقر يمكن التنبؤ به.

جذب الاستثمارات الخاصة يحتاج إلى الثقة والبيانات
وأكد دياو أن جذب رأس المال الخاص إلى القطاع الصحي يتطلب قبل كل شيء القدرة على التنبؤ، وسياسات مستقرة، وحكومات تفي بالتزاماتها في مواعيدها، ومشروعات استثمارية واضحة ومدروسة.
كما يحتاج المستثمرون إلى بيانات موثوقة توضح فجوات التمويل والعوائد المتوقعة، وهو ما يمكن أن توفره الاتفاقات الوطنية لتمويل الصحة من خلال التشخيصات والبيانات الشفافة.
وأضاف أن التعاون مع مؤسسات التمويل الإنمائي يمكن أن يساعد في تصميم أدوات تمويل مختلطة وآليات لتقليل المخاطر، بما يتيح إشراك صناديق التقاعد وشركات التأمين والبنوك الأفريقية بصورة أكبر في تمويل القطاع الصحي.

التحول الرقمي يعزز الكفاءة والمساءلة
وشدد على أن التحول الرقمي في الصحة لا يعني مجرد استبدال الأوراق بالشاشات، وإنما يعني الرؤية الشاملة، واستبدال التسرب المالي بالمساءلة، وعدم اليقين بالثقة. وأشار إلى أن أقل من ثلث النظم الصحية في البيئات منخفضة الدخل قادرة حاليًا على تتبع الإنفاق الصحي رقميًا وفي الوقت الفعلي، معتبرًا أن سد هذه الفجوة يمثل إحدى أسرع الفرص المتاحة لتحسين الكفاءة.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر