ارتفعت على تلة صخرية في قلب واحة الفرافرة بمحافظة الوادي الجديد بقايا حصن قديم، ظل شاهدًا على قرون من التحولات؛ بدأ منشأة دفاعية تحمي السكان، ثم تحول إلى واحد من أكبر مخازن الغلال الجماعية لأهالي الواحة، قبل أن تنهي الأمطار أجزاء واسعة منه. وبين الممرات المتعرجة والجدران الطينية، بقيت حكاية امرأة ارتبط اسمها بـمفاتيح الحصن و116 حجرة، لتصبح أحد أبرز وجوه ذاكرة المكان.
تعود جذور قصر الفرافرة، وفق المعلومات التاريخية الواردة، إلى العصر الروماني، إذ اختير موقعه على مرتفع صخري يطل على مداخل الواحة، وبلغ طول ضلع الحصن الروماني نحو 55 مترًا، فيما وصل ارتفاعه إلى قرابة 10 أمتار.
وشُيدت أساسات الحصن ومداميكه السفلية بارتفاع يقارب مترين من كتل حجرية غير مهذبة، بينما استُخدم الطوب اللبن في بقية الجدران، بما يتلاءم مع البيئة الصحراوية ومواد البناء المتاحة في المنطقة.
وقال الدكتور مجدي إبراهيم، خبير آثار الداخلة والفرافرة، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن الممرات الضيقة والمتعرجة كانت من أبرز وسائل الدفاع الهندسية، إذ جعلت الوصول إلى قلب الحصن الروماني أكثر صعوبة أمام أي معتدٍ.
وأضاف أنه ضم البناء بئرًا وصهريجًا لتخزين المياه، فضلًا عن شرفات للمراقبة والدفاع، وهي عناصر تشير إلى أن الحصن الروماني لم يكن مبنى تقليديًا، وإنما منشأة قادرة على حماية سكان واحة الفرافرة ومواردهم خلال أوقات الخطر.
من القلعة إلى مخازن الغلال
ومع مرور القرون، تغيرت وظيفة قصر الفرافرة، وتحول من منشأة دفاعية إلى مخزن جماعي لمحاصيل السكان.
وقال خبير التراث الواحاتي محمود عبد ربه لـ"مصراوي"، إن الحصن قُسم إلى 116 حجرة، خُصصت كل واحدة منها لأسرة من أهالي واحة الفرافرة، لتخزين فائض القمح والبلح والمشمش والزيتون المجفف.
وأكد أنه كان لكل غرفة باب مصنوع من جذوع النخيل، بينما كان الوصول إلى الحجرات العليا عبر سلالم من جذوع النخيل أو أشجار المشمش، لتصبح مخازن الغلال جزءًا من نظام اجتماعي منظم يضمن لكل أسرة مكانًا محددًا لحفظ مؤنها.
ولم تكن مخازن الغلال مجرد أماكن لحفظ المحاصيل، وإنما مثلت عنصرًا أساسيًا في حياة مجتمع عاش وسط بيئة صحراوية قاسية وعانى طويلًا من العزلة وصعوبة الوصول إلى المدن والواحات المجاورة.
امرأة واحدة تحمل مفاتيح 116 حجرة
في قلب هذه المنظومة برزت قصة الحارسة التي ارتبطت لعقود بـمفاتيح الحصن.
وورد اسمها بصيغتين، "سعادة عبد الحفيظ هيبة" و"سعيدة"، بينما تتفق الروايات الواردة على أنها كانت مسؤولة عن مفاتيح الحجرات، وأن أصحاب المخازن لم يكونوا يدخلون إليها إلا بحضورها أو بعد الحصول على المفتاح منها.
وقال حمدي حمودة، مرشد سياحي من أبناء الفرافرة، لـ«مصراوي»، إن الروايات المتوارثة بين الأهالي تتحدث عن أمانة الحارسة ودقتها، إذ كانت تعرف كل مفتاح وصاحبه، وظلت مفاتيح الحصن في حوزتها لسنوات طويلة.
وأكد حمدي، أنه أصبحت المرأة، جزءًا لا ينفصل عن تاريخ قصر الفرافرة، فيما أشار عبد ربه إلى أن قصتها لم تحظ بالتوثيق الذي يتناسب مع دورها، رغم ارتباطها بإدارة مخازن الغلال وحماية ممتلكات عشرات الأسر.
رحالة أوروبيون يوثقون عزلة الفرافرة
ويشير محسن عبد المنعم يونس، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إلى زيارة الرحالة الفرنسي فريدريك كايو واحة الفرافرة عام 1819، إذ وصف القصر بأنه حصن مهجور، بينما كان السكان يعيشون في القرية المحيطة به.
وقال إنه في عام 1874 مرت بالمنطقة بعثة ألمانية أرسلها الخديوي إسماعيل بقيادة جيرارد رولف لاستكشاف المياه الجوفية، فيما وصل عالم الآثار الدكتور أحمد فخري إلى الفرافرة عام 1938، ووثق تفاصيل الحصن قبل نشر وصفه لاحقًا ضمن كتاباته عن الصحراوات المصرية.
أمطار 1945 تبدأ النهاية
لم يسقط الحصن الروماني بفعل حرب أو هجوم، وإنما بدأت نهايته مع الطبيعة.
هذا ما أكده محسن، قائلا فمنذ عام 1945، هطلت أمطار غزيرة وغير معتادة على المنطقة، وتسببت في انهيار أجزاء من الجدران الداخلية، بينما تدهورت حالة قصر الفرافرة تدريجيًا مع مرور السنوات.
وبحلول عام 1958، كان جزء كبير من البناء قد انهار، فسارع السكان إلى إنقاذ ما أمكن من محتويات الحجرات، لتنتهي بذلك وظيفة مخازن الغلال التي ظلت جزءًا من حياة الأهالي فترة طويلة.
وبقيت مفاتيح الحصن وقصة حارسته شاهدتين على نظام اجتماعي عاش لسنوات خلف الجدران الطينية.
اقرأ أيضًا:
دموع وجسد يرتعش.. قاتلة عروس بورسعيد تدخل في نوبة بكاء بعد الحكم عليها بالمؤبد - صور
تعود جذور قصر الفرافرة، وفق المعلومات التاريخية الواردة، إلى العصر الروماني، إذ اختير موقعه على مرتفع صخري يطل على مداخل الواحة، وبلغ طول ضلع الحصن الروماني نحو 55 مترًا، فيما وصل ارتفاعه إلى قرابة 10 أمتار.
وشُيدت أساسات الحصن ومداميكه السفلية بارتفاع يقارب مترين من كتل حجرية غير مهذبة، بينما استُخدم الطوب اللبن في بقية الجدران، بما يتلاءم مع البيئة الصحراوية ومواد البناء المتاحة في المنطقة.
وقال الدكتور مجدي إبراهيم، خبير آثار الداخلة والفرافرة، في تصريحات خاصة لـ"مصراوي"، إن الممرات الضيقة والمتعرجة كانت من أبرز وسائل الدفاع الهندسية، إذ جعلت الوصول إلى قلب الحصن الروماني أكثر صعوبة أمام أي معتدٍ.
وأضاف أنه ضم البناء بئرًا وصهريجًا لتخزين المياه، فضلًا عن شرفات للمراقبة والدفاع، وهي عناصر تشير إلى أن الحصن الروماني لم يكن مبنى تقليديًا، وإنما منشأة قادرة على حماية سكان واحة الفرافرة ومواردهم خلال أوقات الخطر.
من القلعة إلى مخازن الغلال
ومع مرور القرون، تغيرت وظيفة قصر الفرافرة، وتحول من منشأة دفاعية إلى مخزن جماعي لمحاصيل السكان.
وقال خبير التراث الواحاتي محمود عبد ربه لـ"مصراوي"، إن الحصن قُسم إلى 116 حجرة، خُصصت كل واحدة منها لأسرة من أهالي واحة الفرافرة، لتخزين فائض القمح والبلح والمشمش والزيتون المجفف.
وأكد أنه كان لكل غرفة باب مصنوع من جذوع النخيل، بينما كان الوصول إلى الحجرات العليا عبر سلالم من جذوع النخيل أو أشجار المشمش، لتصبح مخازن الغلال جزءًا من نظام اجتماعي منظم يضمن لكل أسرة مكانًا محددًا لحفظ مؤنها.
ولم تكن مخازن الغلال مجرد أماكن لحفظ المحاصيل، وإنما مثلت عنصرًا أساسيًا في حياة مجتمع عاش وسط بيئة صحراوية قاسية وعانى طويلًا من العزلة وصعوبة الوصول إلى المدن والواحات المجاورة.
امرأة واحدة تحمل مفاتيح 116 حجرة
في قلب هذه المنظومة برزت قصة الحارسة التي ارتبطت لعقود بـمفاتيح الحصن.
وورد اسمها بصيغتين، "سعادة عبد الحفيظ هيبة" و"سعيدة"، بينما تتفق الروايات الواردة على أنها كانت مسؤولة عن مفاتيح الحجرات، وأن أصحاب المخازن لم يكونوا يدخلون إليها إلا بحضورها أو بعد الحصول على المفتاح منها.
وقال حمدي حمودة، مرشد سياحي من أبناء الفرافرة، لـ«مصراوي»، إن الروايات المتوارثة بين الأهالي تتحدث عن أمانة الحارسة ودقتها، إذ كانت تعرف كل مفتاح وصاحبه، وظلت مفاتيح الحصن في حوزتها لسنوات طويلة.
وأكد حمدي، أنه أصبحت المرأة، جزءًا لا ينفصل عن تاريخ قصر الفرافرة، فيما أشار عبد ربه إلى أن قصتها لم تحظ بالتوثيق الذي يتناسب مع دورها، رغم ارتباطها بإدارة مخازن الغلال وحماية ممتلكات عشرات الأسر.
رحالة أوروبيون يوثقون عزلة الفرافرة
ويشير محسن عبد المنعم يونس، مدير الهيئة المصرية لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، إلى زيارة الرحالة الفرنسي فريدريك كايو واحة الفرافرة عام 1819، إذ وصف القصر بأنه حصن مهجور، بينما كان السكان يعيشون في القرية المحيطة به.
وقال إنه في عام 1874 مرت بالمنطقة بعثة ألمانية أرسلها الخديوي إسماعيل بقيادة جيرارد رولف لاستكشاف المياه الجوفية، فيما وصل عالم الآثار الدكتور أحمد فخري إلى الفرافرة عام 1938، ووثق تفاصيل الحصن قبل نشر وصفه لاحقًا ضمن كتاباته عن الصحراوات المصرية.
أمطار 1945 تبدأ النهاية
لم يسقط الحصن الروماني بفعل حرب أو هجوم، وإنما بدأت نهايته مع الطبيعة.
هذا ما أكده محسن، قائلا فمنذ عام 1945، هطلت أمطار غزيرة وغير معتادة على المنطقة، وتسببت في انهيار أجزاء من الجدران الداخلية، بينما تدهورت حالة قصر الفرافرة تدريجيًا مع مرور السنوات.
وبحلول عام 1958، كان جزء كبير من البناء قد انهار، فسارع السكان إلى إنقاذ ما أمكن من محتويات الحجرات، لتنتهي بذلك وظيفة مخازن الغلال التي ظلت جزءًا من حياة الأهالي فترة طويلة.
وبقيت مفاتيح الحصن وقصة حارسته شاهدتين على نظام اجتماعي عاش لسنوات خلف الجدران الطينية.
اقرأ أيضًا:
دموع وجسد يرتعش.. قاتلة عروس بورسعيد تدخل في نوبة بكاء بعد الحكم عليها بالمؤبد - صور








