اعتادت روسيا منذ العقد الأول من القرن الحادى والعشرين استخدام القوة العسكرية لمحاولة ضم بعض من المناطق التى انفصلت عن الاتحاد السوفيتى فى تسعينيات القرن الماضى، وكانت الحجة الحاضرة دوما هى «الحفاظ على الأمن القومي» حينما غزت جورجيا 2008، وفى ضم شبه جزيرة القرم 2014 ودعم الانفصاليين فى إقليم دونباس وسط إدانات دولية.إلا أن غزوها لأوكرانيا فى 2022 أو ما أطلقت عليه «العملية العسكرية الخاصة» تجاوز الصراع العسكرى بين دولتين إلى أزمة اقتصادية عالمية؛ ففجأة انكشف العالم الذى يعتمد على صادرات القمح والحبوب من روسيا وأوكرانيا، وهما من أكبر المنتجين والمصدرين عالميا، وتزايدت المخاوف من وقوع أزمات غذائية عالمية، أما بالنسبة لأوروبا فكان اهتمامها الأكبر بقطاع الطاقة؛ إذ ظهر حجم الاعتماد الأوروبى الكبير على الغاز الروسى الرخيص وأن روسيا تزود الاتحاد الأوروبى بنصف وارداته من الغاز.ووسط تلك التوترات برز مشروع «نورد ستريم»؛ وهو شبكة خطوط الأنابيب العملاقة التى ربطت روسيا مباشرة بألمانيا عبر بحر البلطيق، متجاوزة دول العبور مثل أوكرانيا وبولندا، وهو المشروع الذى تعرض إلى سلسلة من الانفجارات فى سبتمبر 2022، فى واحدة من أكثر العمليات التخريبية غموضا وإثارة والتى تناول تفاصيلها الصحفى بوجان بانسيفسكى، مراسل صحيفة وول ستريت جورنال، فى كتابه الصادر مؤخرا The Nord Stream Conspiracy: The Inside Story of the Explosions That Shook the World «مؤامرة نورد ستريم.. قصة الانفجارات التى هزت العالم».واعتمد الكاتب على مقابلات على مدار السنوات الماضية مع المحققين المسؤولين عن استجواب منفذى العملية ومسؤولى استخبارات من عدة دول.يعد نورد ستريم أحد المشروعات التى أثارت الكثير من الجدل عالميا؛ ففى الوقت الذى اعتبرته موسكو وسيلة لتعزيز التعاون الاقتصادى مع أوروبا، رأت فيه واشنطن وسيلة لزيادة النفوذ الروسى داخل القارة، كما أنه يحد من فرصة تصدير الطاقة الأمريكية، وهو أيضا المشروع الذى تحدثت عنه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل فى مذكراتها التى حملت اسم Freedom: Memoirs لترد على الانتقادات التى وجهت إليها باعتبارها راعية نورد ستريم 2 لتؤكد أن ألمانيا فى حاجة إلى مصادر طاقة مستقرة ورخيصة لدعم قطاعها الصناعى الضخم، كما أنها ورثت هذا المشروع عن المستشار الأسبق جيرهارد شرودر.ودافعت عن قرارها بإغلاق المحطات النووية الألمانية بعد كارثة فوكوشيما اليابانية عام 2011، مؤكدة أن الحادث غير نظرتها بالكامل إلى مخاطر الطاقة النووية، لكن كل هذه الحسابات السياسية والاقتصادية دخلت مرحلة جديدة مع الغزو الروسى لأوكرانيا كما يذكر الكتاب.يبدأ الفصل الأول من «مؤامرة نورد ستريم» برصد صافرات الإنذار التى انطلقت داخل محطات رصد النشاط الزلزالى فى مدينة كاليكس السويدية، معلنة عن استقبال إشارات هزة أرضية قوية وقعت قبل ثلاثين ثانية، على بعد أكثر من ألف ميل ومركزها قاع بحر البلطيق، جنوب شرق جزيرة بورنهولم الدنماركية، وخلال دقائق سجل نظام خط أنابيب الغاز الطبيعى نورد ستريم 2 انخفاضا مفاجئا فى الضغط فى أحد أنابيبه وتم إبلاغ السلطات فى ألمانيا وروسيا الدول المرتبطة بالخط، وهو ما جعل حلف الناتو يرسل طائرات استطلاع استطاعت أن تلتقط صورا لنوافير مياه حارة تندفع من البحر ويبلغ قطرها قرابة كيلومتر، تقذف غاز الميثان من أعماقها، وعلى الفور حظرت السلطات الدنماركية الطيران فوق المنطقة باستثناء الطائرات التى تحلق على ارتفاعات عالية وقيدت حركة الملاحة البحرية فى مساحة تمتد لثمانية أميال، وأرسلت سفنا حربية لتأمين المنطقة ومن بينها قطع قادرة على التعامل مع الهجمات الكيميائية.ويذكر الكتاب أنه خلال اتخاذ تلك الإجراءات، كان مركز رصد الزلازل يعيد قراءة البيانات المتوفرة ويقدم رؤية مبدئية بأن الهزة الأرضية التى وقعت بقوة 2.3 ريختر لم تكن هزة أرضية طبيعية لكنها ناتجة عن انفجار وربما يكون أحد الألغام القديمة من مخلفات الحرب العالمية الثانية، وهى الرؤية التى كانت كافية لتبدأ دول المنطقة ومنها ألمانيا فى بحث ما إذا كان الانفجار عملا تخريبيا متعمدا أم لا، إلا أن الأحداث تسارعت بوقوع ثلاث هزات أرضية أخرى أكثر قوة على بعد أقل من مئة ميل من موقع الانفجار الأول، لينفجر خط أنابيب نورد ستريم 1 الذى يمتد بمحاذاة خط نورد ستريم 2.ورصدت السفن دوامة عملاقة عند منطقة الانفجارات قبل أن تتصاعد أعمدة غاز الميثان من قلب بحر البلطيق مطلقة حوالى 500 ألف طن مترى من غاز الميثان- وهو أكبر انبعاث غازى من صنع الإنسان فى الغلاف الجوى على الإطلاق، ويعادل البصمة الكربونية السنوية لدولة صناعية صغيرة، وبقوة انفجار تعادل الطاقة الحرارية لمفاعل نووى ضخم وهو ما تسبب فى موت الكائنات البحرية على امتداد أميال.وبلغت قوة الانفجار ما يعادل الطاقة الحرارية لمفاعل نووى رئيسى، وانتشر الغاز المذاب على مساحة 14٪ من بحر البلطيق، وبلغت تكلفة الغاز المتسرب ما يقارب 2 مليار دولار وهى الكمية التى تكفى لتزويد حوالى 2 مليون منزل ألمانى بالطاقة لمدة عام كامل.وبحلول المساء كانت الصورة أكثر وضوحا تبعا للكتاب، فالانفجارات كانت عملا تخريبيا لتفجير خط نقل الغاز نورد ستريم، على الرغم من أن الأنابيب لم تكن تعمل وقتها بسبب خفض تدفق الغاز عبر خط نورد ستريم 1 ردا على العقوبات الغربية المفروضة عليها بسبب عدوانها على أوكرانيا، بينما لم يكن خط نورد ستريم 2 قد بدأ تشغيله بعد.وفى صباح اليوم التالى عقد «ناتو» اجتماعا فى بروكسيل معلنا أن «خطوط الأنابيب استهدفت بعمل تخريبى متهور»، وتعهد برد «موحد وحازم» على الهجوم الذى استهدف البنية التحتية، فى الوقت نفسه دعت روسيا- رغم ما هو مفروض عليها من عقوبات- إلى عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن وبدء تحقيق دولى فى الحادث لكن الولايات المتحدة- تبعا للكتاب- عرقلت هذا التحقيق، فى الوقت الذى بدأت فيه الآراء تنقسم حول هوية منفذ الهجوم وسط اتهامات للولايات المتحدة بسبب تصريحات صدرت عن الرئيس الأمريكى وقتها جو بايدن بأنه فى حال غزو روسيا لأوكرانيا، فلن يكون هناك خط أنابيب نورد ستريم 2.غير أن مساعديه أوضحوا بأن كان يشير إلى العقوبات، بينما بدأ معسكر آخر بقيادة ألمانيا يشير إلى روسيا بأصابع الاتهام بأنها تقف وراء التفجيرات حتى تتجنب الدعاوى القضائية لانتهاكات العقود الخاصة بضخ الغاز والمدهش أنه وسط هذه الاتهامات المتبادلة الخاصة بتفجير الخط الذى بلغت تكلفته 20 مليار دولار لم يرد ذكر أوكرانيا؛ فهى لا تمتلك القدرات البحرية لمثل هذه المهمة الضخنة، كما أنها تتلقى دعما ماليا وعسكريا من ألمانيا ولن تجازف بالإضرار بمصالحها.وبدأت بعض الأدلة تنكشف أمام المحققين الألمان بأن نورد ستريم تم تفجيره على يد غواصين مدنيين أوكرانيين، أبحروا على متن يخت صغير يحمل اسم أندروميدا وغاصوا بالقنابل أثناء عاصفة، وبالفعل ألقت القبض على ضابط أوكرانى متقاعد أثناء سفره إلى إيطاليا.ويزعم الادعاء أن الرجل، الذى أطلقوا عليه اسم «سيرهى كيه» كان على متن القارب الذى نقل الغواصين إلى موقع خط الأنابيب.وتشير وثائق المحكمة الألمانية إلى وجود احتمال كبير بأن يكون هو وبقية المشاركين قد تصرفوا نيابة عن سلطات الدولة الأوكرانية، بينما تؤكد الحكومة الأوكرانية أنها لم تشارك فى العملية.وتبعا للمحققين الألمان فإن الغواصين كانوا 7 من ضمنهم سيدة ولدت فى كييف منتصف ثمانينيات القرن الماضى، حينما كانت جزءا من الاتحاد السوفيتى، وإنها كانت تعمل كعارضة أزياء فى أحد المجلات الإباحية قبل أن تصبح مدربة غوص محترفة، وعندما شنت روسيا غزوها على أوكرانيا، أسست هى وصديقاتها جمعية خيرية، حيث كن يوزعن الطعام والدواء والبطانيات بالقرب من الجبهة، ويجمعن التبرعات للوحدات العسكرية.وفى أبريل 2022، تواصل بعض من كبار الضباط معها عن طريق أحد أفراد وحدتهم الذى كان هاويا للغوص فى أعماق البحار، وكانت الخطة هى ضرب اثنين من أهم خطوط تصدير الغاز الروسى إلى أوروبا: خط نورد ستريم فى بحر البلطيق وخط ترك ستريم فى البحر الأسود وهى العملية التى فشلت بسبب عدم تمكنهم من إيجاد الخبرة اللازمة داخل الجيش.وفى العملية الأولى استعان الضباط بغواصين مدنيين وحذروهم من خطورة المهمة واحتمالية تهديد حياتهم إذا أفشوا أى معلومات متعلقة بها، وتبعا للتحقيقات التى ذكر بعضها الكتاب فقد كانت عملية اختيار أفراد الفريق شاقة.وكان التفكير كبيرا فى استبعاد السيدة الوحيدة فى الفريق بسبب عدم قدرتها على الغوص باستخدام جهاز إعادة التنفس rebreather، وهو جهاز يعيد تدوير الغاز الذى يزفره الغواص. وكان عدم استخدامها له يعنى أنها ستضطر إلى حمل أسطوانات تنفس إضافية، مما سيجعلها أبطأ، لكن أحد الضباط قال إنها ليست جريئة فحسب، بل تبدو وكأنها لا تعرف الخوف أصلا وأنهم بحاجة إلى شخص مجنون لهذه العملية.وبالفعل بدأت خطوات تنفيذ العملية بحصول أفراد الفريق على هويات أوروبية مزورة، وتظاهروا بأنهم مجموعة من هواة الغوص فى رحلة بحرية على متن يخت أندروميدا من مدينة روستوك على ساحل بحر البلطيق فى ألمانيا.ووصل الغواصون إلى هدفهم صباح 11 سبتمبر وبدأوا فى الغوص حتى خط الأنابيب لوضع القنابل على مناطق تعد من نقاط الضعف فى خط الأنابيب وهى العملية التى استمرت لعدة أيام، كانوا يغطسون فيها لما يقرب من الساعة، فى إحدى المرات واجهتهم عاصفة شديدة وأصيب بعضهم بدوار البحر لكن تبعا لما كشفه المحققون الألمان فقد كانت الغواصة السيدة الأكثر تماسكا بينهم حتى انتهت مهمتهم مع ضبط توقيت الانفجار بحيث يكون بعد ثلاثة أيام.ويكشف الكتاب أن المحققين الألمان عثروا على القارب أندروميدا وداخله بعض الأدلة منها زجاجة بلاستيكية نصف ممتلئة بالماء تحمل بصمات أصابع، وآثار لمواد متفجرة تطابقت مع بقايا المتفجرات المكتشفة فى مواقع الانفجار، كما عثروا على صور من كاميرات المراقبة لأفراد أعتقد أنهم من أفراد فريق التفجير.وبحلول أوائل عام 2025، كانت الشرطة الألمانية قد أصدرت مذكرات توقيف سرية بحق جميع أفراد طاقم أندروميدا، أما الضابط فقد تم اعتقاله فى إيطاليا فى أغسطس 2025، ثم نقل إلى ألمانيا فى نوفمبر.ويجد الكتاب أن المعلومات التى ظهرت خلال القضية قد تؤدى إلى توتر العلاقات بين أوكرانيا وألمانيا، كما قد تمنح دفعة للأحزاب والقوى السياسية الألمانية المؤيدة لروسيا، والتى تنتقد الدعم الكبير الذى تقدمه ألمانيا لأوكرانيا.يذكر أن الكاتب بوجان بانسفيسكى كان ضمن فريق صحيفة وول ستريت جورنال الذى وصل إلى المرحلة النهائية لجائزة بوليتزر للتقارير الدولية عام 2025، والفرق التى فازت بجائزة ويليام وورثى من نادى الصحافة الأجنبية، وجائزة الصحافة البريطانية للأخبار العاجلة، وجائزة نادى نيويورك للصحافة لتغطية الأحداث الخاصة، وهو الأجنبى الوحيد الحائز على جائزة فيرنر هولزر، التى تمنح تكريما لمسيرة المراسلين الأجانب الألمان.
مؤامرة «نورد ستريم».. كتاب لـ«بانسيفسكي» يكشف قصة الانفجارات التي هزّت العالم
- منذ شهر
- المصرى اليوم
Loading image...
