تناول «الحياة الخاصة» يشعل الجدل بين «الأعلى للإعلام» و«الصحفيين»

  • منذ شهر
  • المصرى اليوم
  • محمد طه,ريهام سعيد أحمد,زياد ياسر
Loading image...
أثار قرار المجلس الأعلى للإعلام، بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أى محتوى يتعلق بالأزمات أو الخلافات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية لكافة المواطنين دون استثناء، موجة غضب فى الأوساط الإعلامية والصحفية، لما اعتبروه تقييدًا لمساحة حرية الرأى والنشر، خاصة فيما يتعلق بقضايا الجرائم والحوادث.وأكد المجلس الأعلى للإعلام أن التناول الإعلامى غير المسؤول للحياة الخاصة يلحق أضرارًا بالغة بالأفراد والمجتمع؛ لذلك يهيب المجلس بكافة المؤسسات والوسائل الإعلامية والصحفية والمنصات الرقمية الخاضعة لأحكام القانون رقم 180 لسنة 2018، الالتزام بعدم تداول أو إتاحة أو مناقشة أى محتوى يتعلق بالأزمات أو الخلافات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية لكافة المواطنين دون استثناء، والالتزام بالأكواد والمعايير الإعلامية الصادرة عن المجلس والمنظمة لضوابط التناول الإعلامى فى هذا الشأن.وشدد المجلس على أن حرمة الحياة الخاصة حق أصيل كفله الدستور، وحماية خصوصية الأفراد لا تُسقطها الشهرة أو المكانة العامة، مشيرًا إلى أن حرية الرأى والتعبير وحرية الإعلام هى حريات تقترن بالمسؤولية، وحق المجتمع فى المعرفة يرتبط بما يحقق المصلحة العامة، ولا يمتد لتحويل الأمور الشخصية إلى مادة للتناول الإعلامى.وأوضح المجلس أنه يواصل، من خلال إداراته المختصة، متابعة ورصد ما يُتداول عبر وسائل الإعلام والصفحات والحسابات الإلكترونية على مواقع التواصل الاجتماعى، لرصد أى مخالفات لأحكام القانون أو الأكواد والمعايير المهنية والإعلامية، موضحاً أنه سيسارع باتخاذ جميع الإجراءات القانونية المقررة حيال أى مخالفة، حفاظًا على حقوق وسلامة المجتمع، وإعلاءً للمصلحة العامة، وضمانًا لدقة الالتزام بالقوانين والضوابط المنظمة.قال الدكتور ياسر عبدالعزيز، الخبير الإعلامى، إن هناك إطارا قانونيا ومهنيا متكاملا ينظم تناول الموضوعات التى تخص الحياة الخاصة للمواطنين كافة، كما أن مواثيق الشرف الصحفية والإعلامية تنظم ذلك بشكل واضح حيث تنص المادة 20 من القانون 180 لسنة 2018 على ما يلى: «يحظر فى أى وسيلة من وسائل النشر أو البث التعرض للحياة الخاصة للمواطنين.كما يحظر فى أى وسيلة من وسائل النشر أو البث تناول مسلك المشتغل بالعمل العام أو الشخص ذى الصفة النيابية العامة أو المكلف بخدمة عامة إلا إذا كان التناول وثيق الصلة بأعمالهم، ومستهدفًا المصلحة العامة»، وبناء عليه، فليس هناك حاجة لإصدار إجراءات أو قرارات جديدة، ثم إن البيان الأخير يتضمن عبارة «بلا استثناء»، بينما ينطوى الإطار القانونى والمهنى المصرى على استثناء التعرض الذى يستهدف المصلحة العامة، أو الذى يرتبط بصلة وثيقة بأعمال الشخصيات العامة.وأضاف عبد العزيز أن التوسع فى الإجراءات والبيانات المقيدة للمعالجات الإعلامية لا يخدم حرية الإعلام التى يفترض أن يسعى الجميع إلى حمايتها وتعزيزها، وتفعيل القوانين واللوائح والمواثيق القائمة بتجرد وكفاءة كفيل بالحد من التجاوزات ورد الحقوق.وأكد الكاتب الصحفى جمال فهمى أن الحياة الشخصية للمواطن العادى مكفولة ومصانة بالقانون، مشيرًا إلى أن التعامل مع الشخصيات العامة يختلف فى ما يتعلق بالجزء المرتبط بدورها العام، ولا داعى للدخول فى الأمور الشخصية، ولا يليق طبعًا لمواثيق الشرف المهنى والأخلاقى الدخول فى الحياة الخاصة لأى شخص.وأضاف فهمى، أن المنع التام الذى يطالب به المجلس الأعلى للإعلام، لا يجب أن يكون للشخصيات العامة طالما كان هناك بعد عن الحياة الشخصية، أما الشخص العادى فحياته مكفولة بالقانون.وأشار إلى أنه «من حقى وواجبى الصحفى تناول دور الشخص ذى صفة عامة طالما لم أتعرض لحياته الشخصية ولطالما ابتعدت عن حياته الشخصية، ويجب على المجلس الأعلى للإعلام التفريق بين ما هو شخصية عامة وشخصية عادية ويجب أن يكون هناك توازن دقيق فى التناول».وأوضح فهمى أن هناك ضرورة للابتعاد عن الأمور التى تتعلق بالحياة الشخصية البحتة لأى شخص، لأنها مكفولة بالقانون، منوهاً بأن الشخص الذى يتمتع بصفة عامة أو اعتبارية، سواء كان فى المجال السياسى أو غيره، تظل له حياة شخصية يجب احترامها، لكن فى المقابل هناك جزء يتعلق بدوره العام، ومن حق الصحافة، بل من واجبها، تناول هذا الجزء طالما يتم ذلك فى إطار من الصياغات التى تراعى الجانب الأخلاقى والمهنى.وأكد فهمى أن الحديث عن وجود فرق بين الشخصيات العامة والمواطن العادى فى ما يتعلق بتناول المعلومات يجب أن يكون منضبطًا بالقواعد المهنية ومواثيق الشرف الصحفى، وهذه الأمور يفهمها بالدرجة الأولى من لهم علاقة فعلية بالمهنة ومواثيق شرفها موضحا أن القضية الأساسية بالنسبة للصحافة تتمثل فى حرية الصحافة وتداول المعلومات بين المواطنين، والصحفيين على رأسهم، باعتبارها الوسيلة الأساسية لممارسة المهنة.وأشار فهمى إلى أن بعض المهن يمكن أن يمارس أصحابها عملهم حتى فى ظل غياب الحريات الصحفية، قائلًا إن المهندس يستطيع أن يمارس مهنته بشكل ممتاز، وكذلك الطبيب، دون أن تكون قضية حرية الصحافة بالضرورة جزءًا مباشرًا من ممارسة مهنته، بينما الصحافة لا يمكن فصلها عن قضية الحرية وتداول المعلومات.فى حين قال سعيد عبدالحافظ، الخبير الحقوقى، إن بيان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بشأن عدم تداول أو إتاحة أو مناقشة المحتوى المتعلق بالأزمات والخلافات الأسرية وأسرار الحياة الشخصية للمواطنين، يتفق فى أصله العام مع الحماية الدستورية للحق فى الخصوصية، مؤكدًا أن الخلافات الزوجية والأسرية والعلاقات الشخصية وتفاصيل الحياة الخاصة تظل، كقاعدة عامة، خارج نطاق الحق العام فى المعرفة.وأوضح عبدالحافظ لـ«المصرى اليوم» أن حرية الصحافة والإعلام لا تمنح حقًا مطلقًا فى اقتحام الحياة الخاصة للأفراد، كما أن حق المواطن فى المعرفة لا ينبغى الخلط بينه وبين إشباع الفضول بشأن الحياة الشخصية للآخرين، مشيرًا إلى أن كون أحد أطراف الواقعة شخصية عامة أو مشهورة لا يحول تلقائيًا تفاصيل حياته الخاصة إلى شأن عام.وفى الوقت ذاته، أبدى الخبير الحقوقى بعض التحفظات على الصياغة الواردة فى بيان المجلس، خاصة ما يتعلق باستخدام عبارات ذات طبيعة مطلقة، وعلى رأسها الدعوة إلى عدم تداول أو إتاحة أو مناقشة «أى محتوى» يتعلق بالأزمات أو الخلافات الأسرية أو أسرار الحياة الشخصية «لكافة المواطنين دون استثناء».وقال إن التحفظ لا يتعلق بمبدأ حماية الخلافات الأسرية والحياة الخاصة، وإنما بمدى اتساع مفهوم «أى محتوى يتعلق بها»، موضحًا أن واقعة ما قد تبدأ باعتبارها خلافًا شخصيًا أو أسريًا، لكنها قد تكشف فى بعض الحالات عن وقائع تتجاوز المجال الخاص، وتتصل باستخدام سلطة أو نفوذ عام، أو التصرف فى المال العام، أو تضارب المصالح، أو انتهاك حقوق الغير، أو غير ذلك من الوقائع التى قد تتوافر بشأنها مصلحة عامة واضحة فى المعرفة والنشر.وأضاف أن الأمر كان يستلزم، من الناحية القانونية والحقوقية، التمييز بين تفاصيل الخلاف الأسرى التى لا شأن للمجتمع بها، وبين المعلومات التى قد تظهر فى سياق هذا الخلاف، لكنها ترتبط بصورة مباشرة بالشأن العام أو بأداء وظيفة عامة أو باستخدام سلطة أو نفوذ.وأشار إلى أن هذا التمييز يتفق مع الإطار القانونى المنظم للصحافة والإعلام، الذى يحظر التعرض للحياة الخاصة للمواطنين، مع إتاحة تناول مسلك المشتغل بالعمل العام أو صاحب الصفة النيابية أو المكلف بخدمة عامة متى كان التناول وثيق الصلة بأعماله ومستهدفًا تحقيق المصلحة العامة مشددا على أن «الحق فى المعرفة لا يبرر انتهاك الخصوصية، كما أن الحق فى الخصوصية لا ينبغى أن يستخدم لمنع نشر وقائع ذات صلة حقيقية بالشأن العام».وأكد أن تحقيق التوازن بين الحقين يتطلب معايير واضحة تقوم على المصلحة العامة والضرورة والتناسب، بحيث يكون النشر مرتبطًا بغاية مشروعة ومعلومة ذات صلة حقيقية بالشأن العام، مع تجنب نشر التفاصيل الشخصية التى لا تضيف إلى فهم الواقعة أو تحقيق المصلحة العامة.ولفت إلى ضرورة توفير حماية خاصة للأطفال والضحايا وأفراد الأسرة الذين لا علاقة لهم بالعمل العام أو بالواقعة محل الاهتمام العام، مؤكدًا أن الخلافات الزوجية والأسرية والعلاقات الشخصية وتفاصيل الحياة الخاصة تظل، كقاعدة عامة، خارج نطاق الحق العام فى المعرفة، ولا تتحول إلى شأن عام لمجرد أن أحد أطرافها شخصية عامة أو مشهورة.وأوضح الدكتور محمد ممدوح، عضو المجلس القومى لحقوق الإنسان، أن الإجراءات الأخيرة المتعلقة بصون الحياة الخاصة يجب النظر إليها فى سياق أوسع من مجرد تنظيم المحتوى الإعلامى، خاصة فى ظل ما شهدته الفترة الأخيرة من حالة من الانفلات فى تناول الحياة الشخصية لعدد من الشخصيات العامة، وتحويل خلافات أسرية وتفاصيل إنسانية شديدة الخصوصية إلى مادة مفتوحة للتداول والتعليق وإصدار الأحكام أمام ملايين المتابعين.وأكد ممدوح لـ«المصرى اليوم» أن حرية الإعلام لا تعنى حرية اقتحام حياة الناس، وحق الجمهور فى المعرفة لا يعنى حقه فى معرفة كل شيء عنهم، موضحًا أن هناك فارقًا يجب ترسيخه بين المصلحة العامة وفضول الجمهور، فليس كل ما يجذب الجمهور أو يحقق المشاهدات يمثل بالضرورة معلومة تدخل فى نطاق حقه فى المعرفة.وأضاف أن الشخصية العامة ليست إنسانًا منزوع الخصوصية، والشهرة لا يمكن أن تكون تنازلًا مفتوحًا عن الحق فى الحياة الخاصة، مستدركًا: «نعم، من الطبيعى أن تكون الشخصية العامة محل متابعة واهتمام أوسع، وأن تخضع أفعالها المرتبطة بدورها العام للنقد والمساءلة، لكن هناك خطًا واضحًا بين مساءلة الإنسان عما يخص المجتمع، وبين اقتحام ما يخص أسرته وعلاقاته وتفاصيل حياته التى لا أثر لها على المصلحة العامة». وأشار إلى أن التطور الرقمى ومنصات التواصل الاجتماعى جعل الانتهاك أكثر خطورة؛ لأن المعلومة أو الصورة أو الادعاء الشخصى لم يعد يتوقف عند لحظة النشر، وإنما يمكن نسخه وتداوله وإعادة إنتاجه ملايين المرات، بما يجعل الضرر الواقع على السمعة والكرامة والحياة الأسرية ممتدًا، وأحيانًا يصعب تداركه حتى بعد التصحيح أو الحذف.وشدد ممدوح على أن وضع ضوابط لحماية الحياة الخاصة لا يمثل فى ذاته تقييدًا لحرية الإعلام أو الحق فى تداول المعلومات، وإنما تنظيمًا للحد الفاصل بين ممارسة الحرية وانتهاك حقوق الآخرين، قائلًا إن الحرية التى نتمسك بها حقوقيًا هى الحرية المسؤولة والمحمية بالقانون، وليست الفوضى. وتنظيم ممارسة الحق لا يعنى مصادرته، مثلما أن حماية الخصوصية لا يجوز أن تستخدم ذريعة لحجب معلومات تتصل بمصلحة عامة حقيقية.وأوضح أن الاختبار المهنى والحقوقى يجب أن يكون واضحًا: فإذا كانت المعلومة تكشف أمرًا يرتبط بأداء وظيفة عامة، أو مسؤولية مجتمعية، أو تعارض مصالح، أو واقعة تؤثر فى حقوق المواطنين أو مصالحهم، فهنا يصبح حق المعرفة حاضرًا بقوة، أما إذا كانت قيمة المعلومة الوحيدة أنها تكشف تفاصيل شخصية أو أسرية لإنسان مشهور، فهنا نحن أمام فضول جماهيرى وليس بالضرورة حقًا عامًا فى المعرفة.واختتم: «نحن بحاجة إلى استعادة الحدود التى صنعت دائمًا إعلامًا مهنيًا يحترم الإنسان. الصحفى من حقه أن يبحث ويسأل وينشر وينتقد، والمواطن من حقه أن يعرف، والشخصية العامة من حقها أن تُساءل، لكن لا أحد يفقد حقه فى الكرامة والخصوصية لمجرد أن اسمه أصبح معروفًا. فالمجتمع الحر لا يُقاس فقط بحجم المساحة التى يمنحها للنشر، وإنما أيضًا بقدرته على حماية الإنسان من أن يتحول إلى مادة مستباحة للنشر».وقال جمال عبدالرحيم، سكرتير عام نقابة الصحفيين، لـ«المصرى اليوم» إن عدم وجود قانون لحرية تداول معلومات أمر يعانى منه الصحفيون، فالنشر بصفة عامة تحكمه قوانين بجانب الأعراف المتعارف عليها، كما أن هناك قواعد لنشر الأخبار بأن لا يكون اقتحام للحياة الشخصية للشخصيات العامة والرموز، فإذا كان هذا الأمر هو المقصد من قرار المجلس الأعلى للإعلام فهو يعد أمرًا إيجابيًا. وأضاف أن فكرة انتهاك الحياة الخاصة لأى مواطن دون أن يكون شخصية عامة أو رمزًا فهو أمر مرفوض، ولكن إذا هناك معلومات صحيحة عن المشاهير أو الرموز فلا يوجد ما يمنع من تداولها ولكن بشرط عدم انتهاك الحياة الخاصة، وتابع: « من الوارد أن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام يقصد وقائع بعينها، لأن بعض البرامج فى القنوات الفضائية تناولت الحياة الخاصة لحسام حسن المدير الفنى لمنتخب مصر بشكل لا يليق ولا يعد مهنيًا، وهو الأمر الذى تطلب التدخل من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام للقضاء على هذه الظاهرة، كما أن نقابة الصحفيين تدعم فكرة عدم انتهاك الحياة الخاصة للمشاهير والرموز ودائمًا ما نشدد ونطالب الزملاء الصحفيين بعدم نشر صور الأطفال، أو ممارسة أى تجاوزات خلال الجنازات للمشاهير»، مشيرًا إلى أن المشاهير بشكل عام يتعامل البعض معهم على أنهم ملك للشعب ولكن هذا لا يعنى أن حياتهم الخاصة وانتهاكها أمر طبيعى، لأن هناك ضوابط مهنية تتحكم فى الأمر.