«أموت بس بلدي تعيش» قراءة جمال حمدان لنصر أكتوبر.. نقطة التحول الحاسم في تاريخ العرب الحديث (ملف خاص)

  • منذ 26 ايام
  • المصرى اليوم
  • أسامة النساج
Loading image...
بعد مرور أكثر من 5 عقود على انتصار أكتوبر 1973، لا تزال المعركة حاضرة فى الدراسات التاريخية والعسكرية والاستراتيجية، ليس فقط باعتبارها مواجهة عسكرية غيرت موازين الصراع العربى الإسرائيلى، وإنما باعتبارها حدثًا امتدت آثاره إلى السياسة والاقتصاد والجغرافيا والعلاقات الدولية.كتاب «6 أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية» للدكتور جمال حمدان، المفكر الاستراتيجى وأبرز الجغرافيين المصريين، يعتبر من بين أبرز القراءات التى تناولت الحرب فى وقت مبكر، والذى لم يتعامل مع أكتوبر باعتباره مجرد معركة عسكرية، بل حاول تفكيكه من منظور جغرافى واستراتيجى شامل، يربط بين المكان والتاريخ والقوة والتحولات الإقليمية والدولية.ويقدم المركز المصرى للفكر والدراسات الاستراتيجية، تحليلا لكتاب «6 أكتوبر فى الاستراتيجية العالمية»، حيث ينتمى الكتاب، بفصوله الأحد عشر إلى كتابات «حمدان»، التى تتناول الأحداث السياسية والعسكرية كمحصلة لعوامل جغرافية وبشرية وتاريخية متشابكة.الكتاب لا يكتفى بتناول نصر أكتوبر بمعزل عن سياقه، بل يضعه فى إطار صراع مصيرى، كما يرفض تسطيح دلالة حرب أكتوبر، وجعلها مجرد رد فعل لنكسة يونيو 1967، خاصة أنه حدث عسكرى وأحد أخطر منعطفات الاستراتيجية العالمية.يفتتح حمدان مقدمة كتابه، بتأكيد الأهمية التاريخية لحرب أكتوبر، خاصة أنه لا يمكن فصلها عن شبكة الصراع العربى الإسرائيلى كله، مع تقديم دراسة جغرافية استراتيجية مطولة عن شبه جزيرة سيناء، بوصفها قدس أقداس مصر، ومسرح المعركة الرئيس.ويرسم الخطوط العريضة لجغرافية سيناء البشرية والعسكرية ومواردها وسكانها واستراتيجيتها وتاريخها، وينتقل إلى الطريقة التى صاغ بها العدو حربًا نفسية، حاول من خلالها زعزعة الثقة بالنفس عبر أسطورة «جيش الدفاع الذى لا يقهر» والتفوق التكنولوجى والجوى المطلق، كما ينتقل إلى تفاصيل التخطيط لمعركة العبور بمراحلها ومقدماتها وخططها، ثم مراحلها العسكرية البارزة ابتداءً من العبور التاريخى واقتحام خط بارليف، مرورًا بتحرير القاعدة الأرضية العريضة فى غرب سيناء، وأخيرًا عملية التسلل الإسرائيلية المعروفة بالثغرة فى منطقة الدفرسوار وتداعياتها.قدم «حمدان» تفاصيل تكتيكية واستراتيجية دقيقة للمعركة، بأسلوب تحليلى عسكرى رصين، بما فى ذلك ساعة الصفر وانطلاق الضربة الجوية المصرية الكبرى، كما وثق الإطلاق المتزامن لأكثر من ألفى مدفع فى قصف نيرانى شامل على مواقع خط بارليف والتجمعات المدفعية والاحتياطية، تمهيدًا لعملية العبور الكبرى.«حمدان»، ركز على عنصرى المبادأة والمفاجأة فى العقيدة الاستراتيجية المصرية، بما فى ذلك تجميع القوات قبل أربعة أشهر من المعركة، ودفع القوات الرئيسية خلال ثلاثة أسابيع قبل الحرب، واختيار توقيت الحرب بعناية بالغة بحيث يراعى الظرف السياسى الأنسب، ويوم العطلة الأنسب والساعة الأنسب للعبور.ويصف حمدان الحرب الشاملة باعتبارها الحرب التى تسخر كل موارد وطاقات الدولة السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى جانب جميع انواع الأسلحة البرية والبحرية والجوية لخدمة العملية العسكرية وإنجاحها.كما تناول الحرب من الناحية السورية، من خلال تحليل الجبهة والوضع الاستراتيجى والسياسى الخاص والبارز لسوريا بين الدول العربية، سواء من الناحية الجغرافية، أو القوة العسكرية، والتى فرضت على العدو ضغوطًا استراتيجية مضادة شتنت تركيزه، وهو ما شكلا معا «كماشة» استراتيجية وضعت العدو للمرة الأولى فعليًا أمام معضلة الحرب على جبهتين فى وقت واحد.ويطرح حمدان سؤالًا تحت عنوان «النصر لمن؟»، مجيبًا على أسئلة جوهرية تتعلق بما إذا كانت أكتوبر حربًا تحريرية، أم مجرد حرب تحريك لا ترقى إلى مستوى الانتصار الكامل؟ مع تأكيد الحقيقة الثابتة بأن العدو خسر المعركة العسكرية قبل أن تبدأ المعركة السياسية، إلا أنه أدار معركة دعائية صاخبة على المستوى العالمى حاول من خلالها طمس معالم الحقيقة وتغيير معالم الصورة.ويرى أن حرب أكتوبر تمثل ثورة استراتيجية جذرية قلبت معظم مفاهيم الحرب التقليدية وغير التقليدية، وأثرت كثيرًا فى قواعد الجغرافيا العسكرية، لدرجة أن دوائر الجيوش والأكاديميات العسكرية أصبحت منكبة على دراسة نتائجها، ثم انتقل إلى عقد مقارنات إقليمية بين حرب أكتوبر وأقرب الحروب فى المنطقة من النواحى العسكرية والسياسية.وتناول حمدان دور العرب فى «حرب السادس من أكتوبر»، بما فى ذلك تأثيرات هزيمة يونيو عليهم، مع الربط بين معركة الميدان ومعركة البترول، باعتبارها أحد العناصر الفاعلة فى حرب أكتوبر، وعلى الناحية الأخرى، حلل حمدان موقف العدو المتغطرس والمفتون قبل أكتوبر، وخططه ومشاريعه ونواياه وتصريحاته وعربدته واعتداءاته، ولم يتجاهل الانهيار النفسى، واختلال التوازن الاستراتيجى، وسقوط الاستراتيجية الإقليمية، وأخيرًا تصدع نظرية الأمن الإسرائيلى.وأظهر حمدان المكانة العالمية لحرب أكتوبر، باعتبارها نقطة التحول الحاسم فى تاريخ العرب الحديث، أو خط التقسيم التاريخى الفاصل فى الصراع العربى الإسرائيلى، ثم يذهب أبعد من ذلك إلى أنها نقطة تحول فى تاريخ العالم المعاصر وسياسته العالمية، ويحلل أثر المعركة تباعًا على أوروبا الغربية، وعلى أفريقيا، وأخيرًا على الولايات المتحدة نفسها مع العدو الإسرائيلى.وميز حمدان فيما يتعلق باحتمالات المستقبل، حيث عرض هدفين أساسيين للصراع بعد أكتوبر، الهدف القريب المدى، وهو إزالة آثار العدوان، أى العودة إلى ما قبل يونيو 1967 بشكل مباشر لا يقبل التأجيل أو المساومة أو حلول الأنصاف، والهدف البعيد المدى، وهو قضية فلسطين الأساسية بكل أبعادها التاريخية (الحق التاريخى، والوطن السليب، والشعب الطريد، والعودة)، وهو ما يعنى بالضرورة أيضًا قضية الوجود الإسرائيلى والاغتصاب الصهيونى لأرض فلسطين المحتلة.وقدم الدكتور عاطف معتمد، أستاذ الجغرافيا بجامعة القاهرة، رؤية حول الكتاب، يقتبس فيها من جمال حمدان، قوله: «نحن لم نسرق نصرًا سهلًا هشًا من وراء ظهر العدو، وإنما انتزعناه من بين أسنانه بجدارة واقتدار»، حيث يرى أن إسرائيل هُزمت لأنها صدقت أسطورة تفوقها وعاشت فى أوهام استعلائها.وتابع أن مبدأ المبادأة والمفاجأة الذى ذكره «حمدان» فى كتابه، يشير إلى أن استراتيجية العدو كانت دومًا هجومية، تحرص فيها إسرائيل ألا تترك لنا زمام المبادأة أو المبادرة، مستعينًا بمقولة موشى ديان، وزير الدفاع الإسرائيلى آنذاك، والتى كان يرددها متفاخرًا: «لم يحدث قط أن كان جيش إسرائيل فى وضع دفاعي». وهذا النهج، بحسب «حمدان»، هو فى حقيقته «حرب وقائية مكذوبة ملفقة المنطق، وسياسة شل الأعصاب وتدمير قوة الخصم غدرًا على الأرض قبل أن يتحرك»، وكما يقول أحد قادة أركان العدو «ما من شىء أخطر على وجود إسرائيل من الروح الهجومية عند العرب».حديث «حمدان» عن المبادأة والمفاجأة كشف عن المفاجأة الاستراتيجية، التى ظهرت فى الحرب، خاصة أن المواجهة المباشرة وجهًا لوجه جرت عبر مياه القناة، فسيناء محتلة، وأهداف الجيش المصرى فى التحرير معلنة غير خافية، والاتجاهات الجغرافية الرئيسية الممكنة للهجوم محددة بالجغرافيا الطبيعية، ومن ثم فالمفاجأة بمعناها الاستراتيجى الجذرى والجوهرى شبه مستحيلة مع عدو يرصد كل ما تقوم به عبر ضفة القناة.الاحتفاء بأكتوبر، بعد ثلاث حروب، حوَّل العرب من موقف الدفاع السلبى الثابت إلى امتلاك زمام المبادأة والمبادرة والحركة والهجوم استراتيجيًا وتكتيكيًا فى ظل استراتيجية عظمى وروح سائدة وعقيدة قتالية هجومية فى المقام الأول، وكقاعدة شهيرة فى الحرب: «المهاجم والبادئ بالهجوم هو الأقدر والأقوى على فرض إرادته، وهو الأقرب إلى احتمالات النصر، والأكثر تدميرًا للعدو حتى إن لم ينتصر». يقول «معتمد» إن «حمدان» خرج من القاعدة السابقة بحكمة للغد تقول: «لا ينبغى للعرب أن يعتمدوا بعد اليوم على الدفاع، الهجوم أولًا، الهجوم أولى، الهجوم وإلا فلا»، خاصة أن «حمدان» لاحظ أن معاركنا مع إسرائيل تتسم بالقصر مهما طالت، تُعد باليوم أو على الأكثر بالأسبوع، والسبب فى ذلك أن العدو هو الذى حدد وقتها من خلال منهجه فى الحرب الخاطفة.وفى سياق الحديث عن الحرب النفسية، يستخدم «معتمد» مقولة «حمدان»: «إن انتصار إسرائيل السهل فى عام 1967 كان أكبر أعدائها، وأخطر ما تعرضت له فى حياتها، وأن هزيمة 1967 علمت العرب دروسا كثيرة، وكانت أفضل حلفائهم فى الحرب الرابعة»، وذلك فى إشارة إلى أهمية الحرب النفسية لدى العدو.يقول «حمدان»: «غفلة العدو المتذاكى مقابل براعة الخطة العربية الكتوم، جيش بأسره، بل جيشان عارمان، بكل المعدات الهائلة وبكل التجهيزات المعقدة الضخمة الكثيفة، حتى تحت ستار المناورات كان لا بد أن تُتخذ فى وقت ما أوضاع هجومية، كل أولئك على مسرح صحراوى مكشوف تمامًا، وتحت سمع العدو وبصره، بل تحت أنفه بفاصل 200 متر فقط».الخداع الاستراتيجى قام على مظاهر اعتيادية تقوم بها القوات المصرية والسورية بشكل روتينى فى مناورات حربية لا تتطور لأكثر من تدريب ومناورة من دون شن حرب، وكان ستار المناورات هذا هو الطريق إلى حرب أكتوبر.