مجاهد الزيات: ضرب المطارات السعودية يرقى لجريمة حرب.. والحوثي مشروع عسكري عقائدي لا سياسي

  • منذ 20 ايام
  • المصرى اليوم
  • ممدوح ثابت,أميرة جمال
Loading image...
قال الدكتور محمد مجاهد الزيات، الخبير الاستراتيجي والمستشار الأكاديمي بالمركز المصري للفكر والدراسات السياسية والاستراتيجية، إن العمليات العسكرية الجارية على الجبهة اليمنية السعودية تشهد تطورات خطيرة وغير مسبوقة، في ظل تصاعد المواجهات العسكرية واتساع نطاق الضربات الجوية، محذرا من أن استهداف جماعة الحوثيين المطارات والمنشآت المدنية السعودية يمثل تحولًا بالغ الخطورة في طبيعة الصراع، تتجاوز تداعياته حدود المملكة العربية السعودية، لتمتد إلى الأمن القومي العربي والاستقرار الإقليمي، فضلًا عن تهديد المصالح الاقتصادية للدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر.وأوضح «الزيات » لـ «المصرى اليوم» أن تصاعد العمليات العسكرية في جنوب اليمن، المدعومة بالقوات العسكرية والجوية السعودية، أسهم في محاصرة التمدد الحوثي على الساحل الغربي، وفي جزيرة ميون والجزر الأخرى الواقعة عند مدخل مضيق باب المندب، بالتزامن مع تكثيف الضربات الجوية التي امتدت إلى مشارف العاصمة اليمنية صنعاء، وشكلت تهديدا كبيرا للقدرات العسكرية للحوثيين.وأضاف أن هذه التطورات دفعت« الجماعة» إلى تغيير طبيعة أهدافها العسكرية، واللجوء إلى استهداف منشآت مدنية واضحة، بعدما كانت قد أعلنت أن الملاحة عبر مضيق باب المندب مفتوحة أمام سفن جميع الدول، باستثناء السفن المتجهة إلى المملكة العربية السعودية أو المغادرة منها.وأشار إلى أنه مع اشتداد الضربات العسكرية ضد الحوثيين، وإعلان عدد من الدول مساندة السعودية في الدفاع عن أراضيها، اتجهت الجماعة إلى استهداف المطارات السعودية، في محاولة لإحكام العزلة على المملكة وتعطيل حركة النقل والمواصلات من وإلى أراضيها.وتابع أن الحوثيين، بعدما سعوا إلى تقييد حركة السفن السعودية عبر باب المندب، يحاولون الآن تعطيل حركة الطيران الداخلية والخارجية من خلال استهداف المطارات، معتبرا أن هذا التحول يعكس محاولة لتوسيع نطاق الضغوط العسكرية والاقتصادية على المملكة.وشدد على أن استهداف المطارات المدنية يمثل تطورا غير مسبوق، ويتجاوز القواعد المسموح بها في الحروب، باعتبار أن المطارات المدنية منشآت محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، وأن تعمد استهداف الأعيان المدنية وسقوط ضحايا مدنيين نتيجة هذه الهجمات قد يرقى إلى جرائم حرب.وأوضح أن لجوء الحوثيين إلى استهداف المطارات يكشف، من وجهة نظره، إدراك الجماعة حجم التحصينات والإجراءات الدفاعية التي اتخذتها السعودية لحماية أهدافها الاستراتيجية الرئيسية، وفي مقدمتها المنشآت النفطية والاقتصادية.وأشار إلى وجود حديث عن نشر قوات تركية وباكستانية، إلى جانب القوات السعودية، في إطار التحالف الدفاعي الذي أعلنت الدول المشاركة فيه أن مهمته تقتصر على حماية الأراضي السعودية، وليس تنفيذ عمليات عسكرية تستهدف أراضي دول أخرى.وأكد أن تمركز قوات تابعة لدول مختلفة داخل المملكة لا يعني بالضرورة استخدامها لشن هجمات خارج الحدود، موضحًا أن طبيعة التحالف المعلنة تقوم على الدفاع عن الأراضي السعودية وتعزيز قدراتها على مواجهة التهديدات.ولفت «الزيات» إلى وجود قوات وقدرات عسكرية أخرى على الأراضي السعودية، من بينها قوات فرنسية في ميناء ينبع، وطائرات إيطالية، فضلا عما أشار إليه وزير الخارجية المصري بشأن وجود عسكري مصري في مجال الدفاع الجوي، إلى جانب أنظمة دفاع جوي يونانية تعمل بأطقمها لمواجهة الطائرات المسيّرة.وقال إن هذا الحشد العسكري والدفاعي يتركز بصورة أساسية حول الأهداف الحيوية والاستراتيجية داخل المملكة، خصوصًا المنشآت الاقتصادية والنفطية، وهو ما دفع الحوثيين، بحسب تقديره، إلى البحث عن نقاط ضعف غير متوقعة، تمثلت في استهداف المطارات المدنية بهدف تعطيل حركة النقل الجوي داخل السعودية ومع العالم الخارجي.وحذر من أن استمرار الحرب بهذه الصورة ينذر بمخاطر كبيرة، لا تهدد الاستقرار الداخلي للمملكة العربية السعودية فحسب، وإنما تمتد إلى الأمن القومي العربي بأكمله، معتبرا أن مفهوم الأمن القومي العربي أصبح «الحقيقة الغائبة» عن التعامل مع التطورات الراهنة.وأضاف أن الحديث الدائر حاليا يتركز على مشاركة دول من خارج الإقليم في حماية الأمن والاستقرار، في حين أظهرت التطورات أن هذه الترتيبات لم توفر الحماية المطلوبة بصورة كاملة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في آليات التعامل العربي الجماعي مع التهديدات المتصاعدة.وأكد «الزيات» أن خطورة المشهد لا تقتصر على العمليات التي ينفذها الحوثيون، وإنما تمتد إلى الدور الإيراني باعتباره، وفق تقديره، الراعي الأساسي لـ «الجماعة»، مشددا على ضرورة عدم الفصل بين التصعيد العسكري في اليمن والضغوط المتزايدة التي تتعرض لها طهران.وأوضح أن إيران، في ظل الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية المفروضة عليها، تلجأ إلى تحريك أذرعها الإقليمية، معتبرًا أن تراجع القدرات العسكرية لحزب الله في لبنان، نتيجة الضربات التي تعرض لها ومحاصرة مواقعه، أدى إلى إضعاف قدرته على التأثير في التطورات الإقليمية.وأضاف أن تدمير مواقع تمركز حزب الله في جنوب لبنان، واتساع نطاق العمليات الإسرائيلية باتجاه بيروت والضاحية الجنوبية، أسهما، بحسب تقييمه، في تقليص قدرة «الحزب »على ممارسة دوره السابق، وهو ما جعل التركيز الإيراني يتجه بصورة أكبر نحو الحوثيين في اليمن.واعتبر أن هذا التحول يعكس إدراك طهران أهمية الورقة اليمنية، خصوصًا مع قدرة الحوثيين على التأثير في حركة الملاحة الدولية عبر مضيق باب المندب، وما يترتب على ذلك من تداعيات مباشرة على اقتصادات دول المنطقة.وشدد «الزيات »على أن خطورة مضيق باب المندب تتجاوز، من وجهة نظره، أهمية مضيق هرمز بالنسبة للدول المطلة على البحر الأحمر، موضحًا أنه في الوقت الذي تتولى فيه الولايات المتحدة حماية مصالحها الاستراتيجية في منطقة هرمز، فإن حماية باب المندب تفرض مسؤوليات مباشرة على الدول المعنية بأمن البحر الأحمر، وفي مقدمتها مصر والسعودية والدول المشاطئة الأخرى.وأكد ضرورة التقاء هذه الدول وتنسيق مواقفها لمواجهة التهديدات المتصاعدة، محذرًا من الاكتفاء بإصدار بيانات الإدانة أو التعبير عن القلق، دون اتخاذ خطوات سياسية ودبلوماسية جماعية تتناسب مع حجم المخاطر.ودعا إلى فتح قنوات حوار مع إيران، من خلال أطراف محايدة تتمتع بالقدرة على التواصل مع طهران، بهدف احتواء التصعيد والضغط باتجاه ضبط تحركات الحوثيين، مؤكدًا أن استمرار المواجهات لا يمس أمن المملكة العربية السعودية وحدها، وإنما يهدد الاستقرار الإقليمي والمصالح والقدرات الاقتصادية لجميع الدول المتشاطئة على البحر الأحمر.وأشار إلى أن الولايات المتحدة تتعامل مع التطورات في البحر الأحمر انطلاقا من حساباتها ومصالحها الخاصة، معتبرا أن ما يجري لا يمثل أولوية مباشرة لواشنطن في ضوء التفاهمات القائمة بينها وبين الحوثيين.وأضاف أنه جرى، خلال الشهر الماضي، عقد لقاء في سلطنة عمان بين ممثلين عن الولايات المتحدة والحوثيين، في إطار التفاهمات المتعلقة بوقف إطلاق النار بين الطرفين، وهو ما يعكس اختلاف حسابات واشنطن عن حسابات الدول العربية المتضررة بصورة مباشرة من التصعيد.وأوضح أن الحوثيين لم يعودوا، وفق تقديره، يوجهون تهديدهم الأساسي نحو إسرائيل، وإنما أصبح التركيز الأكبر على المملكة العربية السعودية، بالتزامن مع استمرار التهديدات لحركة الملاحة في مضيق باب المندب.وأكد أن تعطيل الملاحة في المضيق يمثل تهديدا مباشرا للاقتصاد المصري، وفي مقدمته قناة السويس، التي تتأثر بحركة السفن العابرة للبحر الأحمر، الأمر الذي يجعل التطورات العسكرية في اليمن قضية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمصالح الاقتصادية والاستراتيجية المصرية.وقال الزيات إن «الحوثي ليس مشروعا سياسيا تتفق معه أو تختلف معه، ولكنه مشروع عسكري عقائدي، إما أن تهزمه أو تستسلم إليه»، معتبرا أن طبيعة الجماعة تفرض التعامل مع مصادر دعمها الرئيسية، وعدم الاكتفاء بمواجهة تحركاتها العسكرية المباشرة.وشدد على أن التعامل مع الحوثيين لا ينبغي أن ينفصل عن التعامل مع إيران، باعتبارها الطرف الذي يمتلك، بحسب تقييمه، القدرة على التأثير في قرارات الجماعة وتحركاتها، داعيًا إلى توظيف القنوات الدبلوماسية والوساطات الإقليمية للضغط على طهران من أجل وقف التصعيد.وفي هذا السياق، دعا الزيات الأمين العام لجامعة الدول العربية إلى التحرك العاجل، «اليوم قبل الغد»، للدعوة إلى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب، بهدف بحث التطورات العسكرية في اليمن، وتداعيات استهداف المنشآت المدنية السعودية، والتهديدات التي تواجه أمن الملاحة في البحر الأحمر.وأوضح أن الاجتماع العربي المطلوب ينبغي ألا يقتصر على إصدار بيانات سياسية، وإنما يجب أن يفضي إلى تحرك دبلوماسي منظم، يتضمن تشكيل وفد عربي يتوجه إلى الأمم المتحدة، والعمل على عقد جلسة في مجلس الأمن الدولي لبحث التهديدات القائمة واتخاذ قرارات مناسبة بشأنها.وأضاف أن التحرك داخل مجلس الأمن يمكن أن يصل إلى تبني مواقف وتهديدات واضحة تجاه الحوثيين، بما يسهم في ممارسة ضغوط دولية لوقف الهجمات على المنشآت المدنية وتهديد الملاحة البحرية.كما دعا إلى الاستعانة بالأطراف الإقليمية التي سبق أن اضطلعت بأدوار وساطة بين الولايات المتحدة وإيران، والاستفادة من قنوات اتصالها مع طهران لإجراء محادثات تستهدف ضبط تحركات الحوثيين واحتواء التصعيد العسكري.وأكد أن جميع المتغيرات الجارية لا تصب في مصلحة الاستقرار في منطقة الخليج أو البحر الأحمر، بل تنذر بتوسيع نطاق التوترات وتهديد المصالح الاقتصادية والأمنية للدول العربية.وفي تقييمه لطبيعة العمليات العسكرية الجارية، قال الزيات إن هناك تقديرات خاطئة لدى البعض بشأن ما يحدث في اليمن، نتيجة عدم إدراك الاختلاف الجوهري بين طبيعة الدولة السعودية ومسؤولياتها، وطبيعة جماعة الحوثيين وطريقة إدارتها للصراع.وأوضح أن المملكة العربية السعودية دولة تتحمل مسؤولية حماية أراضيها وسكانها ومؤسساتها ومنشآتها الحيوية، ولذلك فإن قيادتها تضع في اعتبارها، عند إدارة العمليات العسكرية، ضرورة الحد من انعكاسات الحرب على المواطنين والمصالح الاقتصادية والأهداف الاستراتيجية داخل المملكة.وأضاف أن هذا الاعتبار يفرض على القيادة السعودية حسابات دقيقة تتعلق بطبيعة العمليات العسكرية ونطاقها وتداعياتها، بما يضمن الدفاع عن أراضي المملكة دون تعريض سكانها ومنشآتها لمخاطر إضافية.وفي المقابل، اعتبر أن الحوثيين لا يولون الاهتمام نفسه للتداعيات الإنسانية والعسكرية المترتبة على تحركاتهم، ولا يضعون الخسائر التي يتكبدها المدنيون اليمنيون في مقدمة حساباتهم.وأشار إلى أن الضربات العسكرية التي تستهدف مواقع الحوثيين تنعكس آثارها على قطاعات واسعة من الشعب اليمني، وأن الخسائر الناجمة عن استمرار المواجهات لا تقتصر على عناصر الجماعة، وإنما تمتد إلى المدنيين والبنية الأساسية والمجتمع اليمني بصورة عامة.وأكد أن هذا الاختلاف يفسر ما يبدو للبعض من عدم توازن في إدارة المواجهة، موضحًا أن الأمر يرتبط بمفارقة أساسية بين دولة تسعى إلى حماية مواطنيها وتقليل الخسائر داخل أراضيها، وجماعة مسلحة لا تعطي، بحسب وصفه، الوزن نفسه للتداعيات التي تترتب على عملياتها بالنسبة للمواطنين اليمنيين.واختتم الزيات تصريحاته بالتأكيد أن استمرار التصعيد العسكري، واتساع نطاق استهداف المنشآت المدنية والممرات البحرية، يفرضان ضرورة الانتقال من ردود الفعل المنفردة إلى تحرك عربي جماعي يجمع بين التنسيق السياسي والدبلوماسي وتعزيز القدرات الدفاعية، مع التعامل المباشر مع الدور الإيراني في الأزمة، حفاظًا على أمن السعودية واستقرار البحر الأحمر والمصالح الاستراتيجية والاقتصادية للدول العربية.