«53 يومًا».. كتاب جديد يكشف إجراءات «هتلر» لتقويض الديمقراطية وبناء «الرايخستاج» الثالث

  • منذ 20 ايام
  • المصرى اليوم
  • سها السمان
Loading image...
قبل ما يقرب من قرن، كتب جوزيف جوبلز، وزير الدعاية النازية: «إن المفارقة الكبيرة فى الديمقراطية أنها تمنح ألد أعدائها الوسائل اللازمة لتدميرها ذاتيًّا»، وهو ما عبر عنه بشكل آخر هانس فرانك كبير مستشارى هتلر القانونيين خلال محاكمات نورنبرج حينما أشار إلى قدرة هتلر الاستثنائية على «اكتشاف مواطن الضعف فى كل شكل من أشكال القانون ثم استغلالها بلا رحمة». لم تكن تلك العبارات مجرد تأملات نظرية فى الديمقراطية والقانون بقدر ما كانت تبرز مفارقات التجربة النازية؛ فأدولف هتلر لم يصل إلى السلطة عبر إلغاء النظام الديمقراطى مباشرة، بل استغل مؤسساته وإجراءاته وأدواته القانونية والسلطة التى أتاحتها له هذه المؤسسات لتقويضها من الداخل.وفى كتاب ?٥٣Days : How Hitler Dismantled a Democracy«٥٣ يومًا.. كيف فكك هتلر الديمقراطية»، الصادر مؤخرًا، يعود المؤرخ الأمريكى والمحاضر فى هارفارد تيموثى دبليو رايباك، إلى الأسابيع الأولى من حكم هتلر؛ ليتتبع الكيفية التى تحولت بها المستشارية التى وصل إليها فى ٣٠ يناير ١٩٣٣ إلى نقطة انطلاق لتفكيك جمهورية فايمار؛ الجمهورية التى تكونت بعد خسارة ألمانيا الحرب العالمية الأولى وصاغت الجمعية الوطنية المنتخبة دستورًا ديمقراطيًا جديدًا أقر فى مدينة فايمار عام ١٩١٩، التى حملت الجمهورية اسمها، بينما ظلت برلين مركز السلطة والعاصمة السياسية للبلاد.متابعة كتاب ٥٣ يومًا تتطلب من القارئ أولًا محاولة فهم الصورة العامة التى عاشتها ألمانيا خلال ما بعد الحرب العالمية الأولى والتى غلب عليها الكثير من الأزمات من تضخم واضطرابات سياسية، وأزمة ثقة فى حكومة فايمار، إضافة إلى الضغوط السياسية وأهمها المطالبات الفرنسية لألمانيا بدفع الكثير من التعويضات المالية. وقتها رأى أدولف هتلر زعيم الحزب النازى NSDAP ضرورة إسقاط تلك الحكومة، وبالفعل قاد انقلابًا أطلق عليه انقلاب قاعة البيرة «Beer Hall Putsch» فى ميونيخ عام ١٩٢٣ اقتحم فيه ومسلحون من أتباعه اجتماعًا سياسيًا فى إحدى قاعات البيرة فى ميونيخ، وأعلن أن الحكومة البافارية سقطت وأنه بدأ «الثورة الوطنية»، لكن ذلك الانقلاب فشل سريعًا بعد أن ألقت الشرطة القبض عليهم وحُكم على هتلر بالسجن خمس سنوات قضى منها حوالى تسعة أشهر فحسب قبل أن يعود مرة أخرى إلى العمل السياسى لكنه كان قد تعلم الدرس وغير من استراتيجيته للوصول إلى السلطة مقسمًا أمام رئيس المحكمة الدستورية فى سبتمبر ١٩٣٠ فيما عرف باسم Legalitätseid، «قسم الالتزام بالشرعية»، بأنه بمجرد وصوله إلى السلطة بطرق قانونية، سيعيد تشكيل نظام الحكم بالطريقة التى يراها مناسبة، وعندما سأله رئيس المحكمة: «إذن، عن طريق الوسائل الدستورية» رد هتلر «بالتأكيد».من هذه النقطة يبدأ المؤرخ تيموثى دبليو رايباك المتخصص فى التاريخ الأوروبى الحديث، وبشكل خاص عن صعود النازية وأدولف هتلر، ومن مؤلفاته كتاب يبحث فى مكتبة هتلر الخاصة والتى شكلت أفكاره Hitler’s Private Library وكذلك Takeover: Hitler’s Final Rise to Power عن الأشهر الأخيرة التى سبقت استيلاء هتلر على السلطة وهو الكتاب الذى ألهمه كتابة مقال مطول لأتلانتيك بعنوان ٥٣ يومًا ليتناول الأسابيع الأولى من وصول هتلر إلى المستشارية والتى غيرت شكل الحياة السياسية فى ألمانيا وكان نواة الكتاب الذى أصدره مؤخرًا وحمل نفس الاسم. فى مقال للمؤرخ نشره فى أتلانتك حمل عنوان «٥٣ يومًا» ذكر المؤلف أنه بالنسبة لهتلر بعد أن أمضى سنوات فى صفوف المعارضة كانت مواطن ضعف جمهورية فايمار قد أصبحت واضحة وكذلك دستورها المؤلف من ١٨١ مادة تحدد نظام الحكم وأسس عمل الدولة الاتحادية فى الولايات الـ١٨، كما أنه قد استوعب الدرس بعد تعرضه للسجن فغير من استراتيجيته للوصول إلى الحكم بداية من استمالة منافسيه والمساهمة فى إسقاط ثلاثة مستشارين وحل البرلمان الألمانى مرتين والدعوة لانتخابات جديدة. وفى ٣٠ يناير ١٩٣٣، أصبح هتلر المستشار الخامس عشر لجمهورية فايمار. وخلال ٥٣ يومًا من ذلك التاريخ، أحدث واحدًا من أكثر التحولات إثارة للدهشة فى تاريخ الديمقراطية الحديثة، مستغلًا نصوص الدستور لتحويل جمهورية ديمقراطية إلى دولة استبدادية. يركز الكتاب على الفترة ما بين وصول هتلر للمستشارية والأيام التالية؛ فرغم ما تبدو الصورة عليه من أنها قد استقرت لهتلر بمجرد وصوله لمنصب المستشار الألمانى، لكن رايباك يكتب أن الساعات الست الأولى من تولى هتلر منصب المستشار، بدأت نواياه فى إقامة حكم ديكتاتورى تواجه العقبات؛ فبعد ساعات من حلفه اليمن الدستورى عقد اجتماعًا مع الوزراء ليناقش أهم بند وهو قانون التمكين الذى زعم أنه سيمنحه الوقت- أربع سنوات وفقًا للدستور- والسلطة اللازمين لتنفيذ وعوده الانتخابية من إنعاش الاقتصاد، وخفض البطالة، وزيادة الإنفاق العسكرى، والتراجع عن الالتزامات التى فرضتها المعاهدات الدولية، وتطهير البلاد من الأجانب الذين زعم أنهم «يسممون دم الأمة»، فضلًا عن الانتقام من خصومه السياسيين والذى سبق أن توعد فى حملته بأنه سيجعل «الرؤوس تتدحرج على الرمال». وكان عليه لإقرار هذا القانون فى البرلمان إعادة توزيع موازين القوى داخل الرايخستاج «الجهة التشريعية فى البلاد» من خلال إجراء انتخابات جديدة، ووسط حالة من الجدال وطرح الأفكار المختلفة من الوزراء الحاضرين الاجتماع خاصة إمكانية الاحتجاج الشعبى تساءل هتلر عما إذا كان بالإمكان استخدام الجيش لقمع أى اضطرابات شعبية، وهو ما رفضه وزير الدفاع فيرنر فون بلومبرج وقال إن «الجندى يتلقى تدريبه على اعتبار العدو الخارجى خصمه المحتمل الوحيد»، لكن هتلر لم يلتفت لأحد معلنًا فى اليوم التالى عن إجراء انتخابات جديدة وحشد لها بشكل كبير ليتوجه أكثر من ٤٠ مليون ألمانى إلى صناديق الاقتراع، أى بزيادة تجاوزت مليونى ناخب عن أى انتخابات سابقة، وبنسبة قاربت ٨٩٪ من الناخبين المسجلين بل إن البعض ذكر أنها كانت أعلى نسبة مشاركة منذ تأسيس الرايخستاج عام ١٨٧١، وأتاحت النتائج لهتلر إمكانية تشكيل ائتلاف يملك أغلبية الثلثين اللازمة لتمرير قانون التمكين.وفى اليوم التالى، اقتحمت قوات الاشتراكيين القوميين مقار حكومات الولايات فى مختلف أنحاء البلاد. ورفعت رايات الصليب المعقوف فوق المبانى العامة، فى الوقت الذى فر فيه السياسيون المعارضون، بخلاف اعتقال عشرات من خصوم هتلر السياسيين ووُضعوا تحت ما عرف باسم Schutzhaft، أى «الاحتجاز الوقائى»، وهو شكل من أشكال الاعتقال كان يسمح باحتجاز الشخص إلى أجل غير مسمى ومن دون توجيه تهمة محددة إليه.إحدى النقاط الهامة التى يجب الإشارة لها هى أنه قبل إجراء الانتخابات وفى ٤ فبراير ١٩٣٣ أصدرت حكومة هتلر «مرسوم حماية الشعب الألمانى»، الذى فرض قيودًا على الصحافة وسمح للشرطة بحظر الاجتماعات والمسيرات السياسية، وفى ٢٧ فبراير ١٩٣٣ اندلع حريق فى مبنى الرايخستاج، ويرى البعض أن هتلر استغل الحريق لتصعيد حملته ضد خصومه السياسيين، خاصة الشيوعيين والاشتراكيين الديمقراطيين.وفى ٢٨ فبراير كان هتلر قد حصل على موافقة الرئيس بول فون هيندنبورج لتوقيع «مرسوم حماية الشعب والدولة»، المعروف بمرسوم حريق الرايخستاج، والذى أدى إلى تعليق عدد من الحقوق والحريات الأساسية، بينها حرية الصحافة وحقوق المتهمين، ومنح الحكومة سلطات واسعة للاعتقال وقمع المعارضة والتدخل فى الشؤون الخاصة؛ محولًا حادث الحريق إلى أداة سياسية مكنت الحكومة من توسيع قبضتها على الدولة قبل انتخابات ٥ مارس، وكان من نتائج ذلك حظر الصحف التى تنتقد النظام الجديد، وبصورة خاصة الصحف الاشتراكية الديمقراطية والشيوعية، وبرر هتلر هذه الإجراءات أمام الصحفيين بالقول إنه اضطر إليها بسبب ما اعتبره «هجمات واستفزازات» من الصحافة اليسارية. وفى الوقت نفسه، بدأ النظام استخدام وسائل الإعلام التى يسيطر عليها لتنظيم عروض دعائية ضخمة وبث رسالته إلى الجمهور تزيد الثقة والتأييد للنظام.كانت تلك التطورات المتسارعة تحدث فى ظل صمت من جانب الرئيس الألمانى هيندنبورج الذى لم يستدع مستشاره الجديد لمساءلته عن أعمال العنف فى الشوارع، ولم يستخدم الصلاحيات التى كانت تمنحها له المادة ٥٣ من الدستور، وبدلًا من ذلك، وقع مرسومًا يسمح برفع راية الصليب المعقوف الخاصة بالاشتراكيين القوميين إلى جانب ألوان العلم الوطنى، كما وافق على طلب هتلر إنشاء منصب وزارى جديد هو وزير التنوير الشعبى والدعاية، وسرعان ما أسند المنصب إلى جوزيف جوبلز.وتوالت القرارات التى كانت تصدر واحدًا وراء الآخر ومنها مرسوم يقضى بالعفو عن الاشتراكيين القوميين الذين أدينوا بارتكاب جرائم، بما فى ذلك جرائم القتل، «فى سبيل المعركة من أجل التجديد الوطنى» وهكذا أصبح رجال سبق أن أدينوا بالخيانة أبطالًا قوميين، وافتتح أول معسكر اعتقال شمال برلين مباشرة.وعند أول اجتماع للرايخستاج الجديد كان النسر الإمبراطورى التقليدى قد أزيل وحل محله نسر نازى ضخم، أضىء من الخلف بشكل درامى، ناشرًا جناحيه على اتساعهما، بينما يمسك بين مخالبه بالصليب المعقوف، ووصل هتلر لقاعة البرلمان لعرض قانون التمكين الذى اقترحه، والذى حمل رسميًّا اسم «قانون معالجة محنة الشعب والرايخ». لم تكن الجلسة سهلة؛ فقد واجه اقتراح هتلر مقاومة من النواب الاشتراكيين الديمقراطيين الألمان، واتهامات بإشاعة الكراهية والانقسام والابتعاد عن الإنسانية والعدالة والحرية، ورغم ذلك فقد انتهت الجلسة بموافقة ٤٤١ نائبًا على القانون مانحين هتلر أغلبية بلغت أربعة أخماس المجلس؛ وهى أغلبية تفوق بكثير ما كان مطلوبًا لدخول قانون التمكين حيز التنفيذ من دون تعديل أو قيود.وفى صباح اليوم التالى، أرسل السفير الأمريكى فريدريك ساكيت برقية إلى وزارة الخارجية الأمريكية قال فيها: «بموجب هذا القانون، تستطيع حكومة هتلر إعادة تشكيل نظام الحكم بأكمله، إذ إنه يلغى عمليًّا جميع القيود الدستورية». وفى كتابه Mein Kampf «كفاحى» -٨٠٠ صفحة- ذكر هتلر استراتيجيته السياسية المفصلة والتى نتج عنها حظر الصحافة والإذاعة أو تحييدهما، وتطهير جهاز الخدمة المدنية وتوظيف الموالين لحزبه، وتعليق الحريات المدنية، وتقويض استقلالية المحاكم، واحتواء خصومه السياسيين أو سجنهم أو دفعهم إلى المنفى، والسيطرة على البنك المركزى، ثم الرايخستاج على إقرار «قانون التمكين» Enabling Act الذى منحه سلطات مطلقة فى سن القوانين وإنفاذها دون موافقة البرلمان.وفى مراجعة نيويورك تايمز للكتاب ذكرت الصحيفة الأمريكية أن المؤرخ تيموثى دبليو رايباك أبرز ملامح القوة السياسية الجامحة وحتمية استيلاء هتلر على مفاصل الدولة، وذلك وسط جهود بطولية بذلها صحفيون وديمقراطيون اجتماعيون لإنقاذ الجمهورية، لكن المفارقة دومًا فى أن سمة جوهرية لا تنفصل عن الفاشية هى أنها تبدأ كظاهرة ديمقراطية.لم تكتف نيويورك تايمز بمراجعة الكتاب فحسب، لكنها التقطت الكثير من التفاصيل والمواقف التى ذُكرت فيه مشيرة إلى أن القارئ ربما يجد أنها قد تمثل نقاطًا للتشابه بين هتلر والرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب لتقول «على غرار ترامب، عُرف هتلر بفظاظة سلوكه، وغروره المفرط الحساسية ورغبته العارمة فى أن يكون محط الأنظار».كما أنه مثل ترامب شن حملة ضد البرلمان، وفى الوقت الذى سعى فيه هتلر لإلغاء نتائج انتخابات إبريل ١٩٣٢، وأخضع الخدمة المدنية لعمليات تطهير قائمة على الولاء كما أصدر عفوًا جماعيًّا عن المحرضين العنيفين من الحزب القومى الاشتراكى، فعل ترامب كل تلك الإجراءات مع مقتحمى مبنى الكابيتول فى ٦ يناير، كما أنه شكل ما يُعرف باسم لجنة كفاءة الحكومة «DOGE»، كما قدمت المراجعة ملاحظة حول أن النازيين عرفوا كيف يحشدون المشاعر وهو ما يمثل جوهر شعار «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» «MAGA»، لكن هذه النقاط لا تمنع اختلاف الظروف العالمية والداخلية لكل دولة بين ما حدث فى القرن الماضى وما يحدث الآن.