«كهف الجارة» فى «الوادى الجديد».. كنز سياحى من عصور ما قبل التاريخ

  • منذ 20 ايام
  • المصرى اليوم
  • أحمد عبد السلام
Loading image...
فى قلب الصحراء الغربية بمحافظة الوادى الجديد، يحتفظ «كهف الجارة» فى واحة الفرافرة بأسرار جيولوجية وتاريخية تمتد إلى آلاف السنين، حيث تتدلى التكوينات الصخرية من أسقفه فى أشكال تشبه الشلالات المتجمدة، بينما توثق الرسوم والنقوش القديمة جانبًا من حياة الإنسان فى عصور ما قبل التاريخ.ومع إعلان إدراج «كهف الجارة» ضمن شبكة المحميات الطبيعية فى مصر، تتجدد فرص الاستفادة من هذا الموقع النادر فى تنشيط السياحة البيئية والاستكشافية، بما يجمع بين حماية التراث الطبيعى وفتح آفاق جديدة أمام الحركة السياحية فى الواحات.ويقع الكهف فى منطقة صحراوية نائية بالقرب من واحة الفرافرة وكثبان أبو محرق الرملية، ويتميز بتكوينات من الحجر الجيرى تشكلت بفعل عمليات جيولوجية طبيعية على مدى فترات زمنية طويلة، وتمنح هذه التكوينات المكان مظهرًا استثنائيًا، إذ تبدو بعض أجزائها كستائر حجرية متدلية، فيما تتخذ أجزاء أخرى أشكالًا تشبه الشلالات المتجمدة، فى مشهد يعكس تأثير المياه والعوامل الطبيعية فى تشكيل الصخور.وقال إبراهيم خليل، «الراصد لتاريخ الواحات»، إن كهف الجارة يمثل أحد المواقع المهمة لفهم تاريخ المنطقة فى عصور ما قبل التاريخ، لما يضمه من رسوم صخرية تجسد حيوانات ومشاهد مرتبطة بحياة الإنسان القديم، وتقدم دلائل على طبيعة البيئة التى كانت سائدة فى فترات مناخية سابقة، عندما كانت أجزاء من الصحراء أكثر ملاءمة لوجود الإنسان والحيوان.وأوضح خليل أن المستكشف الألمانى جيرهارد رولفز وصل إلى الكهف فى ديسمبر عام 1873، خلال رحلته الاستكشافية بالصحراء الغربية، وهو ما أسهم فى التعريف بالموقع خارج نطاقه المحلى، وأهمية الكهف لا تقتصر على تكويناته الجيولوجية ورسومه القديمة، بل تمتد إلى ارتباط المنطقة بحركة الرحالة والقوافل التى عبرت الصحراء، فى إطار التنقل والتجارة بين الواحات والمناطق المجاورة.وأشار خليل إلى أن الرسوم الصخرية تكتسب أهمية خاصة لما تحمله من شواهد على أنماط الحياة القديمة، إذ تساعد دراستها على التعرف إلى الحيوانات التى عاشت فى المنطقة وبعض الأنشطة التى مارسها الإنسان، فى وقت اختلفت فيه الظروف المناخية عن طبيعة الصحراء الحالية. كما تمنح التكوينات الحجرية الباحثين فرصة لدراسة العمليات الطبيعية التى أسهمت فى تشكيل التجاويف والصخور على مدار فترات زمنية طويلة.ويؤكد محمد محيى، «مرشد سياحى»، أن كهف الجارة يمتلك مقومات تجعله وجهة مميزة للسياحة الجيولوجية والثقافية، لما يجمعه من تشكيلات طبيعية نادرة وشواهد تاريخية. ويمكن أن تسهم هذه المقومات فى تقديم تجربة مختلفة للزائرين، تقوم على استكشاف المكان والتعرف إلى تاريخه وتكويناته، بدلًا من اقتصار الزيارة على مشاهدة المناظر الطبيعية، والاستفادة من هذه الإمكانات تتطلب إعداد مواد إرشادية تقدم معلومات دقيقة عن نشأة الكهف ودلالات الرسوم الصخرية، إلى جانب تنظيم الزيارات بمرافقة مرشدين لديهم معرفة بطبيعة المنطقة وتاريخها. كما أن توفير المعلومات اللازمة عن المسارات المؤدية إلى الموقع واشتراطات السلامة يمكن أن يساعد على تسهيل الوصول إليه، مع مراعاة بعده عن التجمعات العمرانية وطبيعة الطرق الصحراوية.وأضاف إسلام سفارى، «منظم رحلات سياحية بالواحات»، أنه من الضرورى إدراج الكهف ضمن البرامج التى تستهدف استكشاف المقومات الطبيعية والتاريخية للصحراء الغربية. ويمكن ربط زيارته بمواقع أخرى فى الفرافرة والواحات، بما يتيح تقديم برامج سياحية متنوعة تستهدف المهتمين بالطبيعة والتاريخ والمغامرات الصحراوية، وتساعد على زيادة مدة إقامة الزائر والاستفادة من الخدمات المحلية، مشيرا إلى أن الوصول إلى الكهف مازالت تمثل أحد التحديات التى ينبغى مراعاتها عند إعداد البرامج السياحية، نظرًا إلى موقعه النائى وطبيعة المسارات الصحراوية المؤدية إليه. ويتطلب ذلك تخطيطًا مسبقًا للرحلات، واستخدام وسائل انتقال ملائمة، والاستعانة بأشخاص لديهم خبرة بالطرق الصحراوية، إلى جانب الالتزام بإرشادات السلامة وتحديد مسارات واضحة للحركة، بما يحد من المخاطر ويحافظ على مكونات الموقع.وقال عاطف علوى، «أحد رجال الأعمال العاملين فى المجال السياحى»، إن الجانب الاستثمارى يمثل محورًا مهمًا فى تطوير المقومات السياحية للكهف، من خلال دراسة فرص توفير الخدمات المرتبطة بالنقل والإرشاد وتنظيم الرحلات. ويمكن أن يتيح الاهتمام بالموقع فرصًا اقتصادية لأبناء المنطقة، ويدعم الأنشطة المرتبطة بالسياحة، شريطة أن يجرى التطوير وفق ضوابط بيئية واضحة تحافظ على التكوينات الطبيعية والرسوم الأثرية، وألا تقتصر أهمية كهف الجارة على إمكاناته السياحية، إذ يمثل الحفاظ عليه ضرورة علمية وأثرية، فى ظل حساسية التكوينات الصخرية والرسوم القديمة لأى ممارسات غير مسؤولة. ويستلزم ذلك منع العبث بالصخور أو الكتابة عليها، وعدم ترك المخلفات داخل الكهف أو محيطه، إلى جانب تنظيم حركة الزائرين وتنفيذ برامج توعية تشرح أهمية الموقع وضرورة الحفاظ عليه.وتمتلك محافظة الوادى الجديد مقومات متنوعة لدعم السياحة البيئية، تشمل الواحات والكثبان الرملية والعيون الطبيعية والمواقع الأثرية، وهو ما يتيح فرصًا لربط كهف الجارة بمسارات سياحية تجمع بين الطبيعة والتاريخ والتراث المحلى. ويمكن أن يسهم هذا التوجه فى جذب شرائح من السائحين المهتمين بالأنماط السياحية المتخصصة، وتنشيط الخدمات والأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالقطاع السياحى.وفى هذا السياق، أعلنت الدكتورة منال عوض، وزيرة التنمية المحلية والبيئة، إدراج منطقة كهف الجارة بمحافظة الوادى الجديد ضمن شبكة المحميات الطبيعية فى مصر، لتصبح المحمية رقم 32 على مستوى الجمهورية والرابعة بالمحافظة. وذلك فى إطار جهود حماية المواقع ذات القيمة البيئية والجيولوجية، بالتوازى مع التوجه لإجراء مسح بيئى للمنطقة المحيطة لاستكشاف كهوف أخرى، وإعداد خطة لإدارة الموقع والحفاظ على مكوناته الطبيعية، إلى جانب تحسين سبل الوصول إليه.ويفتح إدراج كهف الجارة ضمن المحميات الطبيعية المجال أمام مرحلة جديدة من الاهتمام بالموقع، تقوم على الجمع بين الحماية والتوثيق العلمى والترويج السياحى المنظم. وبين التكوينات الجيولوجية النادرة والرسوم التى تحمل آثار الإنسان القديم، يمتلك الكهف مقومات تؤهله ليكون إحدى الوجهات المميزة للسياحة البيئية فى الوادى الجديد، إذا اقترن تطويره بالحفاظ على طبيعته وقيمته التاريخية للأجيال المقبلة.

تغطيات أخرى للخبر