بورصة «الركنة» تشتعل.. السايس يحتكر الشارع.. والتسعيرة تصل إلى 60 جنيهًا في الساعة

  • منذ 19 ايام
  • المصرى اليوم
  • عبدالله أبوضيف
Loading image...
ما بين شارع جانبى فى وسط البلد وساحة انتظار فى التجمع الخامس، تدور حكاية واحدة. رصيف عام تحول إلى سلعة يبيعها من لا يملكها لمن يضطر لشرائها. أسعار بلا عداد، وإيصالات لا تعكس ما تدفعه، وتهديد جاهز لمن يعترض. ظاهرة السايس غير المرخص لم تعد ملمحا عابرا فى الشارع المصرى، بل أزمة يومية تمس جيب المواطن وأمنه، وصل صداها إلى مجلس النواب أكثر من مرة خلال عام واحد.فى هذا التقرير نجول بين مناطق القاهرة الكبرى وبورسعيد لرصد الفجوة بين التسعيرة الرسمية والمطالبات الفعلية، ونستعرض ما وثقته الإحاطات البرلمانية والحملات الأمنية، ونفتح ملف القانون الذى وُجد لينظم المهنة فبقى حبيس الأدراج، ونستمع إلى خبراء يشرحون كيف يتحول الطريق العام إلى مصدر دخل بلا رقابة، وأين يقف الحل.فى وسط البلد بدأت الحكاية وما زالت تتكرر. هنا انطلقت أول محاولة رسمية لتقنين أوضاع السايس، وجرى تحديد الانتظار بـ10 جنيهات للساعة الأولى و7 جنيهات للثانية. لكن ما إن تقف دقائق فى شارع جانبى حتى يقترب منك شخص بلا زى ولا علامة تدل على عمله ويطلب 20 جنيها مقدما. أماكن الانتظار نفسها محجوزة بالأحجار والسلاسل والأعمدة، كأن الرصيف ملك خاص لا طريق عام. وفى النقاط الحيوية تتصاعد المطالبات إلى 20 و30 جنيها ولو لنصف ساعة، والإيصال إن ألححت عليه قد لا تتجاوز قيمته 5 جنيهات بحجة قدم الدفاتر.فى مصر الجديدة ومدينة نصر لا عداد ولا تسعيرة معلنة. الزمن هنا يُحسب بمزاج من يقف أمام سيارتك. شاهدنا سيدة ركنت سيارتها 3 دقائق فقط فكان المطلوب 15 جنيها، وعندما اعترضت لوح صاحب المكان بدفتر وهددها بتحرير مخالفة. المشهد يتكرر يوميا بصيغ مختلفة، والقاسم المشترك أن السعر يفاجئك بعد الركنة لا قبلها.فى القاهرة الجديدة والشيخ زايد يصعد السقف كلما صعد مستوى الحى. فى التجمع الخامس تبدأ المطالبات من 40 جنيها وتتجاوز 60 عند النقاط الحيوية والمناطق التجارية، وفى الشيخ زايد تلامس بعض المطالبات 50 جنيها للساعة الواحدة، من دون إيصال ولا ترخيص ولا جهة يحاسبك باسمها. الظاهرة هنا ليست هواة متفرقين بل شبكة منظمة. حملة واحدة فى الشيخ زايد ضبطت 48 شخصا يمارسون المهنة دون ترخيص أثناء محاولات فرض إتاوات، وأخرى ضبطت 20، وفى التجمع الخامس ضبط 4 أشخاص بعد شكاوى مواطنين من بلطجة وفرض إتاوات مقابل الانتظار.الأمر لم يعد قاهريا. فى بورسعيد وصلت الظاهرة إلى أمام الأندية، بمطالبات تتراوح بين 15 و20 جنيها دون أى سند. سيدة اعترضت على المبلغ فمنعها السايس ووالدتها من التحرك بالسيارة وانهال عليهما بالسباب.المشكلة فى جوهرها ليست اختلاف السعر بين منطقة وأخرى. القاهرة نفسها قسمت تسعيرها الرسمى إلى 3 مستويات بحسب عرض الشارع والمنطقة والموقع، وبعض الأماكن رسميا بـ5 جنيهات فقط. المشكلة فى الفجوة بين المعلن والمطلوب، وفى غياب رقابة تجعل كل متر من الرصيف مزايدة مفتوحة، وفى طريق عام صار بإمكان أى شخص أن يحجز قطعة منه بالحجارة ويفرض ضريبة على مستخدميه.المعايشة لا تكذبها الأوراق الرسمية، بل تؤكدها. فالظاهرة وصلت إلى قبة مجلس النواب أكثر من مرة خلال عام واحد. فى يوليو الماضى تقدم النائب أيمن محسب بطلب إحاطة موجه لرئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية، محذرا من أن ظاهرة السيَّاس غير المرخصين تجاوزت كونها ممارسة عشوائية وأصبحت أزمة تمس الأمن المجتمعى. واستشهد فى طلبه بحادث باب الشعرية الذى خلف إصابات ووفيات فى مشاجرات اندلعت بسبب رفض دفع مبالغ غير قانونية.طلب محسب يضع يده على جوهر الأزمة. فهو يذكر أن التعريفة الرسمية المقررة فى القانون واللائحة تتراوح بين 3 و10 جنيهات لساعة الانتظار، و10 جنيهات فقط للملاكى طوال اليوم، بينما يفرض كثير من السيَّاس مبالغ تفوق هذه التعريفة عدة أضعاف. الفارق بين الرقمين هو ما تلمسه فى الشارع كل يوم، وهو نفسه ما كشفت الحملات الأمنية عن ضبط 3675 سايسًا مخالفا بسببه.وقبل ذلك بنحو 8 أشهر، وجه النائب خالد طنطاوى فى نوفمبر 2025 سؤالا إلى رئيس الوزراء ووزير التنمية المحلية حول تفاقم انتشار أشخاص فى الميادين وتحت الكبارى يمارسون المهنة دون ترخيص ويبتزون قائدى المركبات. طنطاوى طالب بتكليفات عاجلة لكل المحافظين، مقترحا زيا موحدا وباركودا للدفع الإلكترونى يمنع التلاعب فى التسعيرة، ومذكرا بأن القانون يلغى الرخصة فورا إذا تقاضى المرخص له أكثر من القيمة المحددة.وفى أبريل 2025 تقدمت النائبة مى أسامة رشدى بطلب إحاطة إلى وزيرة التنمية المحلية عن تنامى الظاهرة فى المحافظات. الطلب يؤكد أن القانون 150 لسنة 2020 لم يطبق فعليا رغم إعلان الحكومة تفعيله، وأن السيَّاس يستولون على الطريق العام بالقوة الجبرية ويفرضون الإتاوات بأعمال بلطجة. ثلاثة إحاطات برلمانية فى عام واحد تقول الشيء نفسه الذى تقوله الشوارع. القانون موجود، والرقابة غائبة، والرصيف يُباع لمن يدفع أكثر.قال الخبير المرورى عصمت الأشقر إن تنظيم هذا النشاط يتم، بحسب القواعد المعمول بها، إما عبر موظفين تابعين للمحافظة، أو بتأجير مناطق وشوارع وميادين محددة لشركات وفق شروط واضحة يلتزمون بها. وأوضح أن العاملين يجب أن تتوافر لهم تراخيص وزى موحد وكشف أمنى وجنائى.وأشار إلى أن الأجهزة الأمنية تبذل جهودا كبيرة فى الشارع لمواجهة الظاهرة، وأن المواطن الذى يلاحظ مخالفة يستطيع الإبلاغ عبر غرفة عمليات المرور أو غرفة عمليات المحافظة، إذ تتوافر له أكثر من وسيلة.وفى تفسيره لتفاوت الأسعار بين مصر الجديدة والشيخ زايد والتجمع والمحافظات، أرجع الأشقر ذلك إلى اختلاف مستوى المنطقة، موضحا أن المنطقة الشعبية لا تسعّر كالمنطقة الراقية. وأكد أن التسعيرة المرخصة تحددها لجان مختصة، وليس لأى شخص أن يضعها بنفسه.وأضاف أن من يقف فى الشارع ويحدد تسعيرة من نفسه يعمل خارج المنظومة المرخصة. وبحسب الأشقر، فإن الجهات المتعاقدة تلتزم بشروط تحددها المحافظة، وفى حال مخالفتها قد توقّع عليها جزاءات تصل إلى فسخ التعاقد.الظاهرة تتحول إلى أزمةقبل 5 سنوات كان المشرع قد حسم المسألة نظريا. القانون 150 لسنة 2020 الصادر فى يوليو 2020، ومعه لائحته التنفيذية الصادرة مطلع 2021، حظر مزاولة مهنة السايس دون رخصة، وأنشأ لجنة فى كل محافظة وجهاز مدينة تضم ممثلين عن الداخلية، مهمتها تحديد أماكن الانتظار وأوقاته بالتنسيق مع المرور، ووضع كراسات شروط استغلال الساحات، وتقدير مقابل الانتظار بحسب المساحة والموقع والمستوى الاقتصادى للمكان. والقانون نفسه يجيز الاستعانة بالتطبيقات التكنولوجية الحديثة فى إدارة الساحات.الرخصة مدتها 3 سنوات قابلة للتجديد، ومن شروطها ألا يقل السن عن 21 عاما، وإجادة القراءة والكتابة، وأداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها، وحمل رخصة قيادة سارية، وشهادة صحية، وصحيفة جنائية نظيفة. أما من يمارس المهنة دون ترخيص أو يحصل مبالغ تتجاوز القيمة التى حددتها اللجنة، فيعاقب بالحبس مدة لا تجاوز 3 أشهر وبغرامة من 1000 إلى 5000 جنيه أو بإحدى العقوبتين، وتتضاعف العقوبة عند التكرار.لكن الورق ظل سنوات بعيدا عن الرصيف، حتى يونيو 2025 حين أعلنت محافظة القاهرة أول منظومة فعلية لحوكمة المهنة انطلقت من ساحتى عبد المنعم رياض والفلكى بوسط البلد. سايس بزى موحد أزرق عليه شارة نحاسية، وباركود يمسحه المواطن بهاتفه فيظهر اسم الشركة المشغلة وممثلها القانونى والعامل وبيانات ترخيصه، وتسعيرة محددة 10 جنيهات للساعة الأولى و7 للثانية، وخط ساخن 114 للإبلاغ عن المخالفات. ووعدت المحافظة حينها بتعميم التجربة على باقى العاصمة خلال شهر.بعيدا عن ساحات التجربة المحدودة، ظلت بقية شوارع العاصمة والمحافظات خارج أى منظومة معلنة، لتبقى الفجوة نفسها التى يصفها النواب فى طلبات الإحاطة بأنها حولت الظاهرة إلى أزمة.أرقام غير واضحةلا توجد إحصائية رسمية تكشف حجم الجيش الخفى الذى يدير أرصفة مصر. بينما تشير تقديرات صحفية إلى أن أعدادهم تصل إلى عشرات الآلاف. ويعطى طلب الإحاطة المقدم من النائب أيمن محسب مؤشرا على الحجم، إذ كشف عن ضبط 3675 سايسا مخالفا فى الحملات الأمنية، من دون أن يحدد فترة الضبط أو حصيلة المرخصين.وتتسع السوق التى يتصارع عليها هؤلاء يوما بعد يوم. فبحسب بيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، بلغ عدد المركبات المرخصة فى مصر 10.41 مليون مركبة بنهاية 2024، تستحوذ القاهرة وحدها على 2.7 مليون منها، تليها الجيزة بـ1.5 مليون، ثم الإسكندرية بنحو 745 ألفا. كل سيارة من هذه الملايين تحتاج مكانا تقف فيه، وكل مكان صار فرصة لمن يفرض سعره.فيما قال خبير التنمية المحلية رضا فرحات، إن القانون 150 لسنة 2020 الخاص بتنظيم انتظار المركبات وضع إطارا واضحا للترخيص والتسعير، إذ حدد مدة الترخيص بـ3 سنوات، وألزم أصحاب حق الاستغلال بعدم تجاوز القيمة التى تحددها اللجنة المختصة فى كل محافظة، مع عقوبات بالحبس والغرامة على من يحصل أجرا يزيد عن المبلغ المحدد، لكن تفعيل القانون جاء متفاوتا وبطيئا بين المحافظات.وأرجع فرحات استمرار الظاهرة إلى عوامل عدة، فى مقدمتها قلة أماكن الانتظار الرسمية وقلة المرخصين، وعجز الجراجات المتاحة عن استيعاب التزايد الكبير فى أعداد السيارات، مشيرا إلى أن معظم جراجات العقارات فى المناطق القديمة حولت إلى أنشطة تجارية بالمخالفة، وبعض الأماكن المخصصة للجراجات فى المدن العمرانية الجديدة تحولت إلى وحدات سكنية. وأضاف أن مهنة السايس لا تتطلب مهارة ولا رأس مال، ما جعلها عامل جذب للعمالة غير المنتظمة، فضلا عن تشتت المسؤولية بين الحى كجهة تنظيم وأجهزة الشرطة كجهة ضبط، وعجز الإدارات الهندسية والإزالات والإشغالات فى الأحياء.وأوضح فرحات أن خوف بعض المواطنين من الاعتداء على سياراتهم إذا امتنعوا عن الدفع منح السايس ما وصفه بشرعية الأمر الواقع، مؤكدا أن التفاوت فى الأسعار سببه غياب تعريفة معلنة ومطبقة فعليا على الأرض، وغياب أماكن معلنة كمواقف مؤجرة لشركات تعين عمالة معروفة بزى موحد وكارت وتسعيرة محددة وإيصال.وأشار إلى أن السعر يتأثر بالموقع، إذ ترتفع المطالبات فى المناطق التجارية ومحيط المستشفيات والكورنيش، وفى المدن الساحلية خلال المواسم والأعياد، ويتأثر كذلك بنوع السيارة، فصاحب السيارة الفارهة قد لا يقبل منه السايس 5 جنيهات ويدفع 15 و20 وأحيانا 25 جنيها.وقدم فرحات حزمة حلول تبدأ باستكمال حصر الشوارع الخاضعة للتنظيم وإعلان التعريفة بلافتات واضحة فى كل شارع، والتحول الرقمى بالدفع عبر تطبيقات إلكترونية أو رموز كيو آر لضمان وصول الحصيلة إلى خزينة الدولة، ودمج السيَّاس الحاليين المستوفين للشروط فى الإطار القانونى بتقنين أوضاعهم وتدريبهم ومنحهم زيا موحدا وكارنيها وتغطية تأمينية.كما تشمل الحلول، بحسب فرحات، شراكة مع القطاع الخاص لإقامة جراجات متعددة الطوابق، ومنع تحويل جراجات العقارات إلى أنشطة تجارية، واشتراط توافر أماكن انتظار قبل ترخيص أى نشاط تجارى، واستغلال الأراضى الفاضية مؤقتا كجراجات بالتنسيق مع ملاكها مقابل حوافز كالإعفاء من الضريبة العقارية أو جزء منها، مع تفعيل الرقابة بخط ساخن للشكاوى وحملات مشتركة بين الأحياء والمرور، وكشف جنائى وسياسى على السيَّاس غير المرخصين، وألا يدفع المواطن أى رسوم إلا بإيصال.