فى الطائرة العائدة من سنغافورة كنت أجلس مع زميلى بعد أن حضرنا مؤتمر الأياتا للطيران. إلى جوارنا جلس شاب أسيوى ممسكا بكتاب، كان يفتحه من وقت إلى آخر ثم يغلقه ويرنو إلى الأمام متطلعا إلى اللاشىء. همس لى زميلى بأن الكتاب بحوزة الشاب الآسيوى هو تعاليم بوذ.. قالها وهو يضحك وكأنها نكتة! لم أشاركه الضحك فلم يتأثر ثم باغتنى ووجه حديثه لجارنا قائلا: أراك تمسك بكتاب عن بوذا.. هل هذا صحيح؟ التفت الأسيوى إليه ثم أجاب: نعم. قال زميلى فى تبجّح: وهل يا ترى تؤمن بالأشياء الموجودة فى الكتاب؟ رد الشاب: هذا كتاب يدفع للتأمل ويبعث على الصفاء النفسى. بنفس الجليطة قال زميلى: ولكنه ليس كتابا سماويا، فكيف تفضله وتتأثر به فى وجود الكتب السماوية القادمة من عند الله .رد الأسيوى فى أدب: وهل تؤمن أنت بهذه الكتب التى تقول إنها سماوية؟ قال: أنا أؤمن بالقرآن وهو الكتاب الوحيد الذى لم يلحقه التحريف، أما الإنجيل والتوراة فرغم أنها من عند الله لكن تم تحريفها ثم أتى الإسلام ليضع الأمور فى نصابها. ثار فضول الشاب الأسيوى فتساءل: وهل يا ترى يؤمن المسيحيون واليهود بهذه الأديان السماوية؟ قال زميلى مرتبكًا: المسيحيون يؤمنون بالإنجيل والتوراة وينكرون القرآن وهذا طبيعى وإلا لأصبحوا مسلمين، واليهود يؤمنون بكتابهم فقط ولا يرون المسيحية والإسلام إلا هرطقات، وهذا أيضا طبيعى. قال الشاب الآسيوى مبتسما: وهل هناك فى رأيك فرق بين أمم استمعت إلى حكمة شيوخها الصالحين فتبعت تعاليمهم واهتدت بهديهم دون أن يزعم الحكماء أنهم رسل من عند الله، وبين أمم أخرى اضطر الإله ليتدخل بنفسه ويرسل إليها الرسل الذين نقلوا للناس تعليمات محددة بنصوص واضحة؟. كنت أتابع الحوار فى صمت دون أن أتدخل عندما وجدت زميلى يتصبب عرقا وهو يقول: أنا لا أقول إن الإله كرمنا بكثرة الرسل، ربما يكون كثرة الأطباء سببه استفحال الداء (كانت الجملة الأخيرة منقولة من الشيخ الشعراوى الذى كان زميلى يعشقه) قال الشاب الآسيوى: ربما يكون الإله قد أودع الحكمة لدى بوذا وغيره من الصالحين ثم تركهم يسعون مع قومهم بالهداية والنصح، وهذا نهج قد لا يعجبك لأنى أظنك من أنصار التدخل المباشر للإله برسائل محددة عن طريق رسل لا يخرجون عن كونهم سعاة بريد! هنا وجدت وجه زميلى يحتقن وردوده تأخذ منحى أقرب للوقاحة. قابل الآسيوى هذا بابتسامة معتذرا بأنه قصد التوصيف ولم يقصد الإهانة، لكن زميلى مضى يوبخه ويعيّره بأنه ينتمى لدين أرضى من تأليف رجل لم يبعثه الله، بينما هو (زميلى) ابن دين سماوى أتت كل تعاليمه عن طريق الملائكة من السماء مباشرة.
قتامة الروح والفردوس المنتظر
- منذ 14 ايام
- الشروق
Loading image...
