​«نافى بيلاى» لـ «المصرى اليوم» فى أول حوار لصحيفة عربية بعد فوزها بـ «نوبل للسلام»: العالم لن يكون حرًا دون أن تكون فلسطين حرة (فيديو)

  • منذ 12 ايام
  • المصرى اليوم
  • إنجي عبد الوهاب
Loading image...
فى مفارقة تختصر «أزمة العدالة الدولية» فى عالمنا اليوم، نالت القاضية الجنوب أفريقية نافى بيلاى، 85 عامًا، جائزة نوبل للسلام تقديرًا لجهودها فى تعزيز السلام والقانون الدولى، بينما ترى أن منظومة العدالة الدولية والمبادئ التى كرّست 60 عامًا من حياتها للدفاع عنها تتعرض لهجمة شرسة فيما تتعرض غزة لحرب إبادة علنًا على مرأى ومسمع من العالم، منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتى حصولها على الجائزة. فى وقت تتصاعد فيه الأسئلة حول قدرة منظومة العدالة الدولية ومؤسساتها على الصمود أمام نفوذ القوى الكبرى، تقدم «بيلاى» قراءة تتقاطع فيها الذاكرة السياسية لنضال بلادها ضد الفصل العنصرى، وتجربتها الشخصية المتأثرة بإرث نيلسون مانديلا، وتشخّص معضلة إنفاذ القانون من لاهاى إلى غزة، ومن أفغانستان إلى أوضاع الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال. تتطرق «بيلاى» فى حوارها لـ«المصرى اليوم» إلى «الضغوط» المفروضة على المؤسسات القضائية الدولية، ورغبة الرئيس الأمريكى فى فرض «إصلاحات» على «الجنائية الدولية» قد تمس استقلالها، لافتة إلى امتداد آثار العقوبات الشاملة التى فرضتها إدارته من العاملين فى منظومة العدالة الدولية إلى أسرهم وأبنائهم فيما تراه «هجمة شرسة وغير مسبوقة»، كاشفة أنه لا يريد للمحكمة أن تحقق فى جرائم محتملة ارتكبها جنود أمريكيون فى أفغانستان.اختبار العدالة، فى نظر «بيلاى» لا ينفصل عن القضية الفلسطينية، وضمان عدم إفلات مرتكبى جرائم الإبادة من العقاب؛ فمن نشأتها كطفلة سمراء وُلدت لأسرة فقيرة عانت ويلات الفصل العنصرى فى جوب أفريقيا، وإرث شكًل وعيها المبكر بحقوق الإنسان، ترى القضية الفلسطينية امتدادًا لنضال الشعوب من أجل التحرر، مؤكدة أن «جنوب أفريقيا لن تنعم بحريتها كاملة ما دام الفلسطينيون لم يتحرروا».تجربتها الشخصية واعتقال زوجها جعلاها أكثر إدراكًا لمعاناة الأسرى الفلسطينيين فى سجون الاحتلال، وما يعانونه من عنف مروع، وبينهم أطفال وأطباء.تكتسب شهادتها بشأن غزة أهمية خاصة بحكم ترؤسها اللجنة الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة المعنية بالأراضى الفلسطينية المحتلة بين عامى 2021 و2025، وقد خلُص تقريرها المنشور فى سبتمبر 2025 إلى ارتكاب الاحتلال 4 من أفعال الإبادة الجماعية فى غزة منذ أكتوبر 2023، وأوصى بملاحقة مسؤولى الاحتلال، وفى مقدمتهم بنيامين نتنياهو، قضائيًا بتهمة التحريض على الإبادة.حول تجربة امرأة مناضلة شقّت طريقها من مجتمع فقير تحت الفصل العنصرى إلى ساحات القضاء الدولى، وحول قصة وعى وضمير إنسانى صاغتهما التحديات ومعارك العدالة، وكللتها جائزة نوبل للسلام 2026، يأتى الحوار التالى:نلت جائزة نوبل للسلام فى وقت تتراجع فيه ثقة كثيرين حول العالم بمنظومة العدالة الدولية، وتتزايد فيه المخاوف بشأن احترام القانون الدولى. ماذا تعنى لكِ الجائزة على المستوى الشخصى؟ وما الرسالة التى تحملها الجائزة إلى أطفال غزة الذين يعيشون ويلات الحرب؟- إن حصولى على جائزة نوبل للسلام يحمل دلالة كبيرة بالنسبة إليّ؛ فقد نظرت اللجنة إلى حصيلة عملى على مدار ستين عامًا، وسلّطت الضوء على القضايا التى توليتها أمام المحاكم، وجهودى فى الدفاع عن سيادة القانون وحقوق الإنسان والعدالة الدولية.وأعتقد، مثل كثيرين، أن هذه المبادئ تتعرض اليوم لهجمات شرسة، وأن هناك حاجة ملحّة إلى بث الأمل وبذل كل جهد ممكن لضمان صون القيم التى نؤمن بها، وفى مقدمتها احترام سيادة القانون.أما فيما يتعلق بغزة، فإنها تمثل أحد ميادين عملى. فقد ترأست اللجنة الدولية المستقلة المعنية بإسرائيل وفلسطين، التى أنشأها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، وبعد صدور تقرير اللجنة، خلصنا، استنادًا إلى مجمل الأدلة والتصريحات الصادرة عن القادة السياسيين، إلى ضرورة التحقيق مع ثلاثة أشخاص وملاحقتهم قضائيًا بتهمة ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية، وهم الرئيس الإسرائيلى ورئيس الوزراء ووزير الدفاع السابق. لقد كانت تلك مهمة تقصٍ للحقائق بالغة الأهمية والخطورة، ولا تزال الإجراءات المتعلقة بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم فى قطاع غزة قائمة، وقد جرى تعيين أشخاص لاستكمال الإجراءات، فعمل اللجنة الأممية يستهدف جمع الأدلة والتحقق منها لدعم مسارات المحاسبة وضمان عدم الإفلات من العقاب، وعليه فإن نوبل للسلام رسالة أمل لغزة ولسيادة القانون والعدالة الدولية، لأن غزة هى إحد ميادين عملى وجزء من المسيرة التى أدت إلى الجائزة.عقب نيلك «نوبل للسلام» أشرتِ إلى رغبتكِ فى توجيه اهتمامكِ إلى دعم الطلاب فى جامعة كوازولو ناتال بجنوب أفريقيا..ما هى خططك القادمة؟.. وهل يضع الزخم الذى نلته على عاتقك مسؤوليات جديدة تجاه عالم تدفع فيه المصالح السياسية والاقتصادية نحو مزيد من الدماء والحروب والعنف؟ - أود أولًا أن أوضح أننى لم أقل إننى سأخصص أموال الجائزة حميعها لهذا الغرض تحديدًا. لقد سُئلتُ عن المجالات التى أنوى توجيه اهتمامى إليها، وكان هذا أحدها؛ فجامعة كوازولو ناتال فى ديربان تضم عددًا كبيرًا من الطلاب الذين لا يستطيعون تحمّل تكاليف التعليم العالى، ويأتى كثير منهم من المناطق الريفية؛ لذا أرغب فى تقديم مزيد من الدعم والمساعدة إلى طلاب من هذه الفئات المهمشة، من خلال إنشاء منح دراسية وغيرها من أشكال الدعم والتعليم المجانى.لكن استخدام أموال الجائزة سأعد له برنامجًا كاملا سيأتى بعد التشاور مع كثيرين بشأن أوجه العمل فى مجال حقوق الإنسان.أؤمن بقيمة الاستثمار فى تعليم قيمة، وتعليم حقوق الإنسان، وفى هذا السياق أود أن أروى لكِ تجربة عشتها عندما كنت مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان عام 2011 فقد دعتنى إسرائيل آنذاك إلى زيارة الأراضى المحتلة فى مهمة رسمية، وكنت أول مفوض سامٍ لحقوق الإنسان يُسمح له بدخول «إسرائيل» لإجراء مثل هذه الزيارة، وما زلت الوحيدة التى أُتيح لها ذلك، حتى الآن.وخلال الزيارة، لمست أهمية تدريس حقوق الإنسان على أيدى المعلمين فى المدارس التى تديرها الأمم المتحدة، عبر مدارس الأونروا. دخلت فصلين دراسيين للأطفال الفلسطينيين؛ أحدهما يضم أطفالًا أصغر سنًا، والآخر أطفالًا أكبر قليلًا. وكان التلاميذ فى الفصلين يجسّدون مواد من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان من خلال التمثيل، وكان هذا المقرر يحظى بشعبية كبيرة.فعلى سبيل المثال، مثّلوا كيفية تسوية الخلافات بالحوار فيما بينهم، والاعتذار، واحترام وجهات نظر الآخرين، وصون حقوق الإنسان المكفولة لجميع الأشخاص.كانت تلك الحصص تحظى بإقبال كبير بين الطلاب الفلسطينيين، وقد أسعدنى للغاية أن أرى الأطفال قادرين على التعبير بوضوح عن المبادئ التى تعد بها حقوق الإنسان، وقدرتهم على استيعاب ما تنطوى عليه من قيم إنسانية وأخلاقية وهنا تكمن أهمية التعليم فى مجال حقوق الإنسان. يمكن للتعليم أن يكون أساسا لبناء بيئة بناءة تؤسس لحل النزاعات.فور إعلان فوزكِ بجائزة نوبل، قال الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إنه لم يسمع بكِ من قبل. كيف تلقيتِ هذا التصريح؟ - لا أرغب فى التعليق على ردود أفعال أشخاص بعينهم، وإن كنت أشارك قراءكِ الدهشة من أن يطلب أحدهم الحصول على جائزة، هذا أمر مضحك ومثير للشفقة. لم أطلب يومًا أى جائزة أو تكريم، ولا سيما أننى عملت قاضية. فنحن نؤدى عملنا بهدوء، ونعبر عن مواقفنا من خلال أحكامنا القضائية. ولا نعمل من أجل الجوائز. لكن إذا أراد أحد أن يعرف أسباب منحى هذه الجائزة، فإن لجنة الاختيار أوضحت ذلك بجلاء.بعيدًا عن موقفك الشخصى من ترامب..كيف يمكن للسياسات التى تنتهجها إدارته أن تؤثر على استقلال منظومة العدالة الدولية وعلى قدرة المدافعين عن حقوق الإنسان على أداء دورهم باستقلالية، ليس فى غزة وحدها، بل فى مختلف أنحاء العالم؟- فيما يتعلق بتأثير السياسات الأمريكية فى العدالة الدولية، فأود أن أبدأ بالإشارة إلى أنه بعد ساعات قليلة فقط من إعلان لجنة نوبل فوزى بجائزة السلام، أعلنت الولايات المتحدة فرض عقوبات شاملة على المحكمة الجنائية الدولية، هذا الموقف الأمريكى له دلالات لا سيما حين يوضع توقيته فى السياق. هذه العقوبات خطيرة للغاية؛ إذ ستضع عراقيل أمام عمل المحكمة، وتسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى فرض إصلاحات معينة تريدها على المؤسسة القضائية الدولية تمكنها ربما من التأثير على استقلال قرارها.فعلى سبيل المثال، لا تريد واشنطن أن تحقق المحكمة فى أنشطة الجنود الأمريكيين فى أفغانستان. وكما تتذكرين، فقد أجازت المحكمة للمدعى العام التحقيق فى أنشطة حركة طالبان، وكذلك فى أى أنشطة للقوات الأمريكية قد ترقى إلى مستوى الجرائم التى تدخل ضمن اختصاص المحكمة. والأمر هنا يتعلق بإجراء تحقيق فحسب.وبدلًا من أن تجرى الولايات المتحدة هذه التحقيقات بنفسها، فإنها اختارت فرض قيود على المحكمة الجنائية الدولية، رغم أن اختصاص المحكمة محدود أصلًا؛ فهى لا تتدخل إلا عندما تمتنع الدولة المعنية عن التحقيق. أما إذا كانت الدولة تحقق فى هذه الجرائم وتلاحق مرتكبيها قضائيًا، فلا تتدخل المحكمة.ومن ثم، فإن بإمكان الولايات المتحدة معالجة المسألة بسهولة، فهى دولة تعلن شفاهية دعمها لمبدأ العدالة، وتؤيد ضرورة ألا يفلت مرتكبو الجرائم الخطيرة من العقاب. كما أن الولايات المتحدة عُرفت بإجراء تحقيقات فى انتهاكات ارتكبها جنودها، وقد قدمت أمثلة جيدة على ذلك، من بينها التحقيقات التى أعقبت حرب فيتنام.لكن الإدارة الأمريكية الحالية برئاسة ترامب، بدلًا من اتباع هذا النهج، فرضت قيودًا غير مقبولة على المحكمة. ولا يقتصر أثر هذه القيود على القضاة والمدعين العامين والمحققين، بل يمتد إلى جميع العاملين فى المحكمة، ويمكننا اعتبار ذلك ترهيبا للعاملين فى الجنائية الدولية وسلاحا لترويض العدالة الدولية وإخضاعها والمساس باستقلاليتها عبر إجراء إصلاحات.ولهذا عدتُ مباشرة من نورمبرغ، حيث كنت عندما أُعلن فوزى بالجائزة، إلى لاهاى، حيث أعمل قاضية مؤقتة فى المحكمة الدولية. وتوجهت فور وصولى إلى المحكمة الجنائية الدولية للتعبير عن تضامنى مع العاملين فيها.تخيلى لو كنتِ أنتِ وأنا نعمل هناك؛ لا بد أن نشعر بخوف شديد من هذه العقوبات، التى امتد أثرها حتى إلى أبناء بعض القضاة. فهى تؤثر فى حساباتهم المصرفية، وتأشيراتهم، وفرصهم التعليمية إذا كانوا يعملون أو يدرسون فى الولايات المتحدة.لذلك أرى أن هذه الإجراءات غير مقبولة، وتمثل انتهاكًا لسيادة القانون الدولى.بعد زيارتك لإسرائيل 2011 بدعوة رسمية، ترأست لجنة الأمم المتحدة للتحقيق بشأن الأراضى الفلسطينية المحتلة من 2021 إلى عام 2025 وقد خلص تقريرها إلى ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية.. فما ردك على الانتقادات التى وجهتها إسرائيل لنتائج التحقيق رغم أن زيارتك السابقة لهم شهادة ضمنية من الاحتلال على حيادك؟ - عملنا ضمن لجنة مستقلة تماما، فريق التحقيق كله لم يتقاضَ أجرًا مقابل عملنا من أى جهة، إن ما قدمناه للأمم المتحدة بخصوص غزة كان عملًا تطوعيًا بالكامل وهو ما يعكس نزاهتنا واستقلاليتنا وحيادنا، لا يوجد مجرم يريد الاعتراف بجرائمه. لم تكن لدينا أى دوافع شخصية تدفعنا إلى حجب الحقيقة أو الامتناع عن عرضها. ولذلك توصلنا إلى الحقيقة وأثبتناها فى تقريرنا، أثبتناها بالأدلة الدامغة التى شاهدها الناس عيانا.عشتِ تجربة مؤلمة حين اعتُقل زوجكِ واضطررتِ إلى النضال من أجله وترافعتى عنه..…

شخصيات

دول