مَن يحمي هويتنا وذاكرتنا الثقافية؟

Loading image...
لم تعد المعارك التي تخوضها المجتمعات معارك على الأرض وحدها؛ فهناك معارك أخرى لا تُسمع فيها أصوات الرصاص، ولا تُرفع فيها الرايات، لكنها قد تكون أشد تأثيرًا في مستقبل الأمم، لأنها تستهدف ما هو أعمق من الحدود الجغرافية: الوعي، والذاكرة، والهوية، ومنظومة القيم التي تشكّلت عبر أجيال طويلة.وفي عالم أصبحت فيه الصورة أسرع من الكلمة، والمشهد أقوى من الخطاب، والمحتوى يصل إلى ملايين البشر بضغطة واحدة، لم يعد السؤال متعلقًا بما نشاهده فقط، بل بما تتركه المشاهدة في داخلنا، وما تصنعه من أفكار وتصورات، وما تمنحه من نماذج يراها الصغار والكبار جديرة بالتقليد.لم تعد السينما والتليفزيون والمسرح، كما لم تعد منصات التواصل الاجتماعي، مجرد وسائل للترفيه وتمضية الوقت؛ لقد أصبحت جميعها جزءًا من البيئة التي يتشكّل فيها الوعي الجمعي، وتتغير داخلها تصورات الناس عن النجاح، والأسرة، والعلاقات الإنسانية، والانتماء، ومعنى الحرية والمسؤولية.وهنا لا بد من التمييز بين أمرين: أن تتغير المجتمعات، وهذا أمر طبيعي لا يمكن إيقافه، وأن تفقد صلتها بذاكرتها وقيمها من دون أن تنتبه إلى ما يحدث. فليس المطلوب أن نعيش أسرى الماضي، أو أن نرفض كل جديد لمجرد أنه جديد، وإنما أن نمتلك القدرة على التمييز، وأن نأخذ من العالم ما يضيف إلى تجربتنا، من دون أن نتخلى عن خصوصيتنا الثقافية أو نعامل تاريخنا باعتباره عبئًا ينبغي التخلص منه.المشكلة ليست في أن تقدم الدراما شخصيات مختلفة، أو أن تناقش قضايا شائكة، أو أن تكشف عيوب المجتمع وتناقضاته. فالفن الجاد لم يكن يومًا مرآة تجمّل الواقع، بل كان في كثير من الأحيان وسيلة لمواجهته وفهمه وتغييره. لكن السؤال الذي يستحق النقاش هو: أي صورة عن الإنسان والمجتمع نكررها باستمرار؟، وما النماذج التي تمنحها البطولة والاحتفاء؟، وهل نترك مساحة كافية للأعمال التي تفتح باب التفكير، وتمنح الإنسان فرصة لفهم نفسه ومجتمعه، بدلًا من الاكتفاء بإثارة الانتباه وتحقيق المشاهدة؟.لقد امتلكت مصر، عبر تاريخها الحديث، قوة ثقافية تجاوزت حدودها الجغرافية. كانت الأغنية المصرية تُسمع في عواصم عربية بعيدة، وكانت الأفلام والمسلسلات تصل إلى بيوت لم يزر أصحابها القاهرة يومًا، وكان المسرح والكتاب والصحافة تسهم في تشكيل صورة مصر لدى الآخرين. لم تكن هذه القوة ناتجة عن خطاب سياسي مباشر، بل عن أعمال فنية امتلكت القدرة على لمس الوجدان الإنساني، والتعبير عن المجتمع، وصناعة شخصيات وحكايات بقيت حاضرة في الذاكرة.تلك هي القوة الناعمة في معناها الحقيقي: أن تمتلك ما يستحق أن يُروى، وأن يكون لديك فن قادر على الوصول، وثقافة قادرة على الحوار، وإبداع يجعل الآخرين يرونك ويفهمونك من خلال ما تقدمه، لا من خلال ما تقوله عن نفسك.لكن القوة الناعمة لا تُبنى بالحنين إلى الماضي وحده، ولا يكفي أن نستدعي أسماء كبار الفنانين والمبدعين لنطمئن إلى أن رصيدنا الثقافي ما زال قائمًا. فالتراث لا يحمي نفسه بنفسه، والذاكرة لا تظل حية لمجرد أننا نحتفظ بها في الكتب والأرشيفات. إنها تحتاج إلى مَن يعيد تقديمها للأجيال الجديدة، وإلى أعمال معاصرة تستلهمها وتناقش الحاضر وتخاطب الإنسان بلغته وأسئلته.وهنا تظهر مسؤولية الدولة والمؤسسات الثقافية. فدعم الفن لا ينبغي أن يُقاس بعدد الأعمال المنتجة فقط، ولا بحجم الإنفاق عليها وحده، بل بقدرتها على الوصول إلى الجمهور، وبما تضيفه إلى الوعي، وبالمساحة التي تمنحها للإبداع الجاد والتنوع الحقيقي. نحن بحاجة إلى سينما تحترم عقل المشاهد، ودراما تملك الشجاعة الفنية والعمق الإنساني، ومسرح يجد طريقه إلى الناس، وكتاب حاضر في حياة الأجيال الجديدة، ومؤسسات ثقافية لا تكتفي بإقامة الفعاليات، بل تصنع أثرًا ممتدًا في المجتمع.وفي المقابل، لا يمكن أن نحمّل الفن وحده مسؤولية كل أزمة في القيم، أو نختزل مشكلات المجتمع في مسلسل أو فيلم أو مقطع منتشر على مواقع التواصل. فالوعي يتشكل من عوامل كثيرة، تبدأ من الأسرة والتعليم، وتمر بالإعلام والمؤسسات الثقافية، وتتأثر بالظروف الاقتصادية والاجتماعية. لكن هذا لا يعفينا من مساءلة المحتوى الذي ننتجه ونستهلكه، ولا من التفكير في البدائل التي نقدمها للناس، خصوصًا للأجيال التي تتلقى قدرًا هائلًا من الصور والأفكار يوميًا.أما الحديث عن التأثيرات الخارجية ومحاولات توجيه الوعي، فيحتاج إلى بحث جاد وأدلة واضحة، لا إلى إطلاق الاتهامات أو تفسير كل عمل مختلف باعتباره مؤامرة. فالمجتمعات الواثقة من ثقافتها لا تخاف الحوار، لكنها تعرف أيضًا أن الانفتاح الحقيقي لا يعني الاستسلام، وأن حماية الهوية لا تتحقق بالمنع وحده، بل ببناء إنسان يمتلك المعرفة والوعي والقدرة على الاختيار.إن أخطر ما يمكن أن نفعله هو أن نترك الساحة خالية، ثم نتساءل لماذا لا يجد أبناؤنا ما يجذبهم إلى كتاب جيد أو عرض مسرحي أو عمل فني يحمل قيمة. لا يكفي أن نطالب الجمهور بالعودة إلى الثقافة، إذا لم نقدم له ما يستحق العودة من أجله. ولا يصح أن نلوم الأجيال الجديدة على اختياراتها، من دون أن نسأل أنفسنا عما وفرناه لها من فرص للمعرفة والتذوق والاكتشاف.إن معركة الوعي لا تُكسب بالصوت المرتفع، ولا بالشعارات التي تطالب الناس بالتمسك بالقيم، بل بقدرتنا على جعل هذه القيم حاضرة في الحياة، ومفهومة للأجيال الجديدة، وقابلة للتجدد من دون أن تفقد جوهرها. نحتاج إلى فن يفتح الأسئلة ولا يخشى الإجابات، وإلى ثقافة تمنح الإنسان جذورًا يعرفها وأجنحة يستطيع بها أن يحلق.فالمجتمع الذي يعرف تاريخه، ويفهم حاضره، ويمنح مبدعيه فرصة حقيقية للتعبير، لا يحتاج إلى أن يغلق أبوابه أمام العالم كي يحافظ على هويته. إنه يحتاج فقط إلى أن يكون حاضرًا في هذا العالم، لا مستهلكًا لما ينتجه الآخرون فحسب، بل شريكًا في إنتاج المعنى والصورة والحكاية.فالهوية لا يحميها الخوف من التغيير، وإنما يحميها الوعي؛ ولا تصون الذاكرةَ الشعاراتُ وحدها، بل تصونها ثقافة حية قادرة على أن تصل إلى الناس، وتبقى معهم، وتمنحهم ما يستحق أن ينتقل إلى الأجيال القادمة.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر