ستة أسابيع وراء «الصمت» بطل أغلق بابه.. حكاية بورتريه أعاد اكتشاف «جو ديماجيو»

  • منذ 4 ايام
  • المصرى اليوم
  • بشري عبدالمؤمن
Loading image...
فى زمن تتلاحق فيه التحولات، وتواجه الصحافة أزمات تمسّ أدواتها ومصداقيتها ومستقبلها، اخترنا أن نعود إلى قصص صحفية تستحق أن تُروى، وإلى حكايات سبقت وصولها إلى القراء؛ سؤال قاد إلى اكتشاف، وشاهد كسر صمته، وصحفى واصل البحث حين بدا أن الأبواب أُغلقت.اختياراتنا تحكمها، فى المقام الأول، ذائقةٌ شخصية؛ فلا نقدّم قائمةً بأفضل ما كُتب، ولا تأريخًا جامعًا للمهنة، وإن كان كثيرٌ من هذه القصص قد أحدث أصداءً واسعة، وحصد جوائز مرموقة، من بينها «بوليتزر».نستعيد هذه التجارب لأننا نؤمن بأن الصحافة، مهما تغيّرت وسائطها وتسارعت تقنياتها، يبقى جوهرها: البحث عن الحقيقة، والتحقق منها، وروايتها بأمانة.. ولهذا كانت «قصة وراء القصة».كان الرجل الذى هتفت باسمه الملاعب يريد أن يختفى، ولو لبعض الوقت، خلف نافذة مطعم، وفى الخارج، عند رصيف الصيادين بسان فرانسيسكو، كانت الحياة تمضى دون اكتراث بقلقه: شباك تُصلح، وقوارب تنتظر موسم السلمون، وسياح يبحثون عن صورة يأخذونها معهم، وفى الطابق الثانى، جلس جو ديماجيو يشرب الشاى ويدخن، خمس سجائر فى نصف ساعة، كانت الحادية عشرة والنصف صباحًا، وكان بين الناس فى الأسفل شخص لا يريد لقاءه.ذلك الشخص هو الصحفى جاى تاليز، وإن كان سيُدخل نفسه إلى الحكاية بوصفه رجلًا جاء من نيويورك، ولم يكن يحمل سؤالًا عن مباراة مقبلة، ولا يبحث عن تعليق على لاعب صاعد، بل كان يريد معرفة ما يحدث لبطل حين ينتهى العمل الذى صنع بطولته، ويظل اسمه مطالبًا بالحضور، وكيف يعيش المرء بعدما يصير ماضيه أكبر من أيامه، ويعرفه الغرباء أكثر مما يسمح لأقرب الناس بأن يعرفوه؟من هذا الانتظار خرجت «موسم الصمت فى حياة بطل»، المنشورة فى عدد يوليو ١٩٦٦ من مجلة «إسكواير» الأمريكية، حيث بدأت الحكاية فى سان فرانسيسكو، ثم امتدت إلى ملاعب الجولف والولائم وذكريات نيويورك، وانتهت فى تدريبات البيسبول بفلوريدا، وبين هذه الأمكنة كتب تاليز بورتريهًا لرجل يحاول التفاهم مع زمن لم يعد زمنه.نافذة تطل على رجل غاضبقبل أن يصل الصحفى إلى بطل قصته، يصحب القارئ إلى العالم المحيط به، فالصيادون يتحدثون بلهجة صقلية، والفتاة التى تصورهم لا تفهم تعليقاتهم، ووراء الزجاج يظهر رجل طويل أشيب ببدلة داكنة، لا يبدأ تاليز بأرقام الانتصارات؛ بل يمنحنا هيئة وصمتًا وسيجارة، ويترك للاسم الشهير أن يدخل بعد ذلك، ثم يضع المفتاح: «كان فى الحشد رجل لا يرغب فى رؤيته».كان ديماجيو فى الحادية والخمسين، ومعتزلًا منذ عام ١٩٥١، أى قبل نشر القصة الصحفية بـ١٥ عاما، وما زال محتفظًا بمظهر اللاعب الرشيق، لكن زواجه السابق بمارلين مونرو، ثم وفاتها، جعلا الاقتراب من حياته الخاصة أمرًا يثير ريبة شديدة، ولم تكن المشكلة مجرد تحفظ رجل قليل الكلام، لكنه كان يشعر بأن الآخرين يتعاملون مع وجعه باعتباره مادة متاحة، وفى قصة تاليز، يبدو هذا الخوف حاضرًا حتى قبل أن يطرح الزائر سؤاله.حين دخل الصحفى المطعم، طلب إبلاغ ديماجيو بوصوله، فاختفى اللاعب السابق عبر مخرج إلى المطبخ، وسأل الزائر رئيس النُّدُل، الذى كان يقف معه قبل لحظات، أين ذهب جو؟ فأنكر الرجل أنه رآه، ثم أنكر وجوده نفسه إلى جواره، الحوار طريف فى ظاهره، لكنه يكشف نظام حماية كاملًا؛ الناس المحيطون بالبطل يعرفون ما يريد منهم، ويحمون المسافة التى أقامها بينه وبين العالم.ثم جاءه صوت ديماجيو عبر الهاتف، وكلاهما لا يزال داخل المطعم: «أنت تتعدى على حقوقى. لم أطلب منك أن تأتى. أفترض أن لديك محاميًا. لا بد أن لديك محاميًا؛ اتصل به!»، وبعدها ظهر بنفسه، ورد إليه خطابًا لم يفتحه، لم يتحول الرفض إلى سطر يعتذر فيه الصحفى عن تعذر المقابلة؛ لكنه صار مشهدًا يتيح للقارئ أن يرى كيف يدافع الرجل عن خصوصيته، وكيف تستنفر زيارة واحدة غضبه وخوفه.لكن تاليز لا يغلق الصورة عند هذه القسوة، فينقل عنه بعد قليل: «لست عظيمًا. أنا مجرد رجل يحاول أن يمضى بحياته»، وعندما خرج الزائر، مر ديماجيو بسيارته وسأله إن كان يحتاج إلى توصيلة، الرجل الذى هدده بمحامٍ يعرض عليه الآن مقعدًا، هذه الحركة الصغيرة تمنع القارئ من الاكتفاء بحكم مريح؛ فوراء الغضب شخص قادر على الالتفات واللين، دون أن يشرح تناقضه أو يعتذر عنه.الصحفى الذى تعلم الإصغاء فى متجركان تاليز فى الرابعة والثلاثين عند نشر القصة الصحفية، فقد وُلد فى أوشن سيتى بولاية نيوجيرسى عام ١٩٣٢، وتخرج فى جامعة ألاباما سنة ١٩٥٣، وتوضح سيرته لدى مكتبات الجامعة أنه بدأ فى «نيويورك تايمز» بأعمال المساعدة الصحفية قبل أن يصبح مراسلًا، ثم اتجه إلى العمل الحر عام ١٩٦٥، وجاء إلى مجلة «إسكواير» بخبرة الجريدة الكبيرة، وبطموح إلى مساحة تسمح له بمتابعة الشخصيات بعيدًا عن استعجال الخبر اليومى.غير أن أول تدريب على مهنته سبق غرفة الأخبار، ففى مقابلة مع «بيغ ثينك»، استعاد متجر والدته للملابس، حيث كان يسمع الزبونات يتحدثن عن أسرهن ومخاوفهن، وبيت العائلة فوق المتجر، حيث يصير الأب الخياط أكثر كلامًا بعد انتهاء العمل، تعلم أن الإنسان قد يقدم وجهًا للزبائن ووجهًا آخر داخل بيته، وأن التفاصيل التى تبدو عابرة تستطيع أن تحمل قصة كاملة إذا وجد من يصغى إليها.تساعد هذه البداية على فهم انتباهه إلى ملابس ديماجيو وأظافره وربطة عنقه وطريقة جلوسه، فالمظهر جزء من المادة الصحفية عنده؛ قد يكون وسيلة لحماية صاحبه، أو إعلانًا عن انضباطه، أو جهدًا لإبقاء صورته متماسكة، وفى هذا البورتريه، تبدو أناقة ديماجيو المتقنة بجوار اضطرابه كأنها تطرح سؤالًا دون أن تنطق به: كم يتكلف الحفاظ على هيئة الرجل الذى يعرفه الجميع؟.ولـ جاى تاليز آباء آخرون فى الكتب، ففى إجاباته لموقع «أدفايس تو رايترز» فى ٧ مايو ٢٠١٢، عدَّد بين مؤثريه فيتزجيرالد وهمنجواى وكارسون ماكالرز وجون أوهارا وإروين شو، كما ذكر أستاذ التاريخ برنارد ويبر، الذى جذبه بأسلوبه فى استحضار الأمكنة والشخصيات، وهذه شهادة عن تكوينه العام، وليست دليلًا على أن قصة ديماجيو اقتُبست من عمل بعينه، وما يمكن رؤيته فى النص هو الإفادة من المشهد والحوار والوصف لبناء حكاية صحفية.أما همنجواى فحاضر صراحة فى عتبة القصة، حيث يفتتح تاليز باقتباس من «العجوز والبحر»، يتمنى فيه الصياد أن يصحب ديماجيو إلى الصيد، ويذكر أباه الصياد، ثم يفتح المشهد على رصيف سان فرانسيسكو، هنا يصير الاستهلال الأدبى طريقًا إلى الجذور، فالابن الذى غادر مهنة العائلة وصنع مجده فى الملاعب ما زال يعود إلى الساحل، وإلى رجال عرفوه قبل أن يتحول اسمه إلى أسطورة أمريكية.ستة أسابيع بحثًا عما وراء الاسمكيف كُتبت قصة صحفية عن رجل لا يريد الكلام؟ يقدم ديفيد هالبرستام بعض الإجابة فى مقدمة لكتاب The Best American Sports Writing of the Century. حيث اقترح تاليز الموضوع على محرريه فى أكتوبر ١٩٦٥، وانطلق من الفضول وحده تجاه حياة ديماجيو بعد انحسار التصفيق، واستغرق العمل الميدانى نحو ستة أسابيع، ذلك الوقت يفسر وفرة المشاهد والأصوات، ويذكّر بأن انسياب الكتابة وراءه جهد لا يظهر كله على الصفحة.لم تكن متابعة ديماجيو تعنى جمع ما يقوله فى مقابلة واحدة، فالقصة الصحفية تتحرك بين أخته وأصدقائه والصيادين، وتستعيد طفولته وزواجه ومجده الرياضى، وتراقبه فى العمل والاستراحة، أما مواجهة المطعم فيرويها تاليز بضمير الغائب، ربما ليجعل الصحفى نفسه شخصية داخل الحدث، ويتيح هذا الاختيار رؤية اللقاء من مسافة، لكنه يبقى الاحتكاك ظاهرًا، فالقارئ يعرف أن الوصول إلى الرجل لم يكن سهلًا، وأن وجود الكاتب نفسه قد غيَّر حرارة المشهد.وتأتى بعض معرفة الشخصية من مراقبة الآخرين وهم يتصرفون حولها، فأصدقاء يحذرون من إفشاء سر، ونادل ينكر ما رآه الزائر، ورجال ينتظرون وصوله إلى الحانة حتى لو اختار أن يجلس وحده، يمكن قراءة هذه الوقائع بوصفها خريطة للنفوذ اليومى، لأن الشهرة تمنح صاحبها امتيازًا، لكنها تنظم علاقاته أيضًا، وتضع على الكلام معه وعنه شروطًا لا يحتاج إلى تكرارها فى كل مرة.هنا تستحق الكتابة قراءة منتبهة لمصادرها الداخلية، فما يرويه تاليز عن زواج ديماجيو ومارلين مونرو لا يأتى كله من مشاهدة مباشرة؛ فبعضه ذكريات أصدقاء وشهادات أشخاص عاصروا العلاقة نفسها، لذلك تظل الأقوال التى ينسبها إليهم رواياتهم، ولا تتحول إلى معرفة نهائية بدوافع الغائبين، وتزداد أهمية هذا التمييز حين تقرأ القصة بعد عقود، فجمال السرد لا يلغى السؤال عمن رأى الواقعة، ومن تذكرها، ومن فسَّرها.وتكشف طريقة عمل تاليز عمومًا عن صبر مماثل فى الكتابة، ففى حواره مع كاتى رويف لمجلة «باريس ريفيو» عدد سبتمبر ٢٠٠٩، شرح أنه يبدأ بخط اليد ثم يستخدم الآلة الكاتبة، ويفضل الإبطاء، وقد ينتهى صباحه بصفحة واحدة، هذه شهادة لاحقة عن عادته المهنية، لا وصف موثق لكل يوم أمضاه فى إعداد قصته الصحفية عن جو ديماجيو؛ لكنها تفسر احترامه للمراجعة، وللمسافة بين تراكم الملاحظات واختيار ما يستحق البقاء منها.وفى الخلفية، كانت «إسكواير» تتيح مساحة لمثل هذا الاختبار، فيستطيع الكاتب أن يبقى مع موضوعه بعد أن ينتهى الجواب المتوقع، وأن يتابع اليوم حين يخلو من مناسبة كبرى، تظهر نتيجة ذلك فى انتقال القصة من المطعم إلى البيت ثم الطريق، فلكل مكان طريقته فى إخراج ديماجيو من رسميته أو إعادته إليها، وعلى القارئ فقط أن يجمع الرجل من هذه الحالات المتجاورة، بدل أن يتلقى وصفًا جاهزًا لشخصيته فى مقدمة القصة الصحفية.ولا يخلو الاقتراب نفسه من حرج، فالنص الأصلى يقول إن الزائر تحدث عن بحث اجتماعى غامض، وإن ديماجيو اشتبه فى رغبته فى التنقيب عن حياته ومارلين مونرو، ولا يتيح النص وحده حسم كل ما اتفق عليه الرجلان قبل اللقاء، لكنه يترك هذا الالتباس داخل الحكاية، لذلك تبدو مواجهة المطعم اختبارًا للطرفين: لرجل يريد التحكم فيما يُعرف عنه، ولصحفى يحمل فضولًا مهنيًا قد يراه صاحبه تدخلًا مؤلمًا.مارلين والمجد والأشياء التى بقيتفى بيت ديماجيو، تتحول الأشياء إلى مداخل للزمن: صورة لمارلين مونرو، وعلبة فضية لحفظ السيجار أهداها له زملاؤه، وأخبار رياضية فى صحيفة الصباح، لا تبقى هذه الأشياء أثاثًا؛ بحيث يستدعى كل منها طبقة من حياته، فوراء الهدية موسم ١٩٤١، حين حقق ضربات ناجحة فى ٥٦ مباراة متتالية، ووراء الصورة امرأة لا يحتمل أن يستبيح الغرباء ذكراها، وإن كان هو نفسه لم يستطع فصلها عن جراحه وغضبه.يورد تاليز، فى قصته عن عودة مونرو من زيارة الجنود بكوريا خلال شهر العسل، قولها: «كان رائعًا يا جو. لم تسمع فى حياتك هتافًا كهذا»، فيأتى جوابه: «بل سمعته»، لا يحتاج الحوار هنا إلى شرح طويل عن اختلاف مساريهما؛ فهى كانت تعود من ذروة احتفاء، فيما يعرف هو جيدًا ذلك الصوت من المباريات السابقة، ومع ذلك، لا يكفى هذا التبادل وحده لتفسير زواج انتهى؛ بل قوته أنه يفتح نافذة على اختلاف اللحظة التى يعيشها كل منهما.وفى رواية تاليز، ظل ديماجيو يريد تذكر مونرو كامرأة بسيطة ودافئة القلب، ويتألم مما يراه استغلالًا لها، حيث أمر بوضع الزهور الطازجة على قبرها «إلى الأبد»، والزهور هنا تصبح فعلا متكررا يحاول به الرجل أن يمنح علاقة انقطعت حضورًا يمكن الاعتناء به.لكن القصة لا تكتفى بصورة الزوج المفجوع، بل تنقل تملكه وتشدده، وطريقة تعامله مع أصدقائه، وضيقه بتأخرهم، فتمنح حزنه مكانًا دون أن تجعله تفسيرًا يعفى كل تصرف من المساءلة، وهكذا يخرج ديماجيو من الصورة المعلقة على جدار المطعم إلى مساحة أقل راحة: رجل يمكن التعاطف مع ألمه، ثم الانزعاج من قسوته فى الصفحة نفسها، هذه المساحة هى ما تمنح البورتريه حياته خارج حدود الإعجاب.ويضيف حضور الإخوة مقياسًا آخر للحياة الناجحة، فيروى تاليز أن فينسنت، الذى لعب البيسبول هو أيضًا ثم عمل فى مهن مختلفة، ويعيش مع زوجته وله أحفاد،…