حذر الدكتور محمد مجاهد الزيات، الخبير الاستراتيجي، من اقتراب منطقة الشرق الأوسط من مواجهة عسكرية واسعة، في ظل تصاعد التهديدات المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من ناحية، وإيران من ناحية أخرى، مشيرًا إلى أن تصريحات المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تعكس تمسك طهران بمواصلة المواجهة ورفض تقديم تنازلات تحت الضغط العسكري.وقال الزيات، في تصريحات لـ«المصري اليوم»، إن حديث المرشد الإيراني خلال اجتماعه مع كبار القيادات العسكرية تضمن رسالتين أساسيتين؛ الأولى تأكيد عدم وجود حدود جغرافية للرد على ما وصفه بـ«العدو الأمريكي والصهيوني»، والثانية أن الجيش والشعب الإيراني هما من سيحددان توقيت انتهاء الحرب، معتبرًا أن الرسالتين تعكسان طبيعة الحسابات الإيرانية في المرحلة الراهنة وإدراك القيادة لحجم التهديدات التي تواجهها.وأوضح أن هذه التصريحات تتزامن مع معلومات وتصريحات صادرة عن قيادات عسكرية أمريكية وإسرائيلية بشأن الاستعداد لتوجيه ضربة جديدة لإيران، لافتًا إلى أن بعض المصادر تتحدث عن حشد عسكري مشترك وصل إلى مرحلة تحديد التوقيت المحتمل لتنفيذ العملية، والذي قد يكون عقب انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي المقررة في 3 نوفمبر، سواء خلال الأسبوع الأول من الشهر أو الأيام التالية له.وأشار إلى أن المعلومات المتداولة تتحدث عن وصول أعداد غير معتادة من طائرات التزود بالوقود الأمريكية إلى المنطقة، وانتشار بعضها في قواعد عسكرية داخل إسرائيل والأردن، معتبرًا أن تأكد هذه التحركات يعني أن التجهيزات اللازمة لتنفيذ عمليات عسكرية واسعة بدأت تدخل مرحلة متقدمة.وأضاف أن زيارة قائد القيادة المركزية الأمريكية، برفقة وفد من مسؤولي العمليات بالقيادة، إلى إسرائيل، وعقد اجتماعات موسعة مع المسؤولين العسكريين الإسرائيليين، تمثل مؤشرًا إضافيًا على وجود ترتيبات عسكرية مشتركة.ولفت إلى ما تتداوله مصادر أمريكية بشأن تقديم قائد القيادة المركزية ورئيس هيئة الأركان الأمريكية إحاطة للرئيس دونالد ترامب حول جاهزية مسرح العمليات لتنفيذ الضربة، حال اتخاذ القرار السياسي بذلك.وأكد الزيات أن مجموع هذه المؤشرات يعكس، وفق تقديره، وجود استعدادات عسكرية فعلية، وليس مجرد تبادل للتهديدات السياسية والإعلامية، موضحًا أن المخاوف من اندلاع مواجهة جديدة امتدت إلى عدد من الدول الكبرى، التي قد تتعرض اقتصاداتها لأضرار كبيرة نتيجة تعطل التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.وكشف أن أكثر من 15 دولة، بحسب المعلومات التي أشار إليها، بدأت اتخاذ إجراءات احترازية تتعلق بتخزين الغذاء والوقود والأدوية، تحسبًا لتداعيات ضربة أمريكية إسرائيلية محتملة ضد إيران، وما قد يصاحبها من اضطرابات في الأسواق العالمية وسلاسل الإمداد.رسائل وزير الدفاع السعودي للقيادة الإيرانية في زيارته لطهرانوفيما يتعلق بالتحركات الدبلوماسية، قال الزيات إن القيادة الإيرانية تدرك طبيعة الاستعدادات العسكرية الجارية، وهو ما يفسر تشدد خطاب المرشد الإيراني، مشيرًا إلى أن الوفد الثلاثي الذي زار طهران مؤخرًا لم ينجح في تحقيق اختراق بمسار الوساطة أو دفع المفاوضات إلى الأمام، كما لم يتمكن من الحصول على تنازلات إيرانية تحول دون تنفيذ الضربة المحتملة.وأوضح أن مهمة الوفد، وفقًا لتقديره، لم تقتصر على محاولة تحريك المفاوضات، وإنما تضمنت نقل رسائل إلى القيادة الإيرانية بشأن جدية الاستعدادات العسكرية وخطورة الموقف، بهدف تنبيه طهران إلى احتمالات التصعيد.وتطرق الخبير الاستراتيجي إلى زيارة وزير الدفاع السعودي لإيران، معتبرًا أنها تحمل دلالات مهمة، خاصة أنها الزيارة الثانية له إلى طهران، بعد زيارة سابقة سبقت الضربة العسكرية الأولى في يونيو الماضي.وأضاف أن التحرك السعودي يعكس رغبة الرياض في نقل ما لديها من معلومات بشأن احتمالات التصعيد، وتوضيح موقفها من أي مواجهة محتملة، إلى جانب محاولة دفع القيادة الإيرانية إلى إدراك المخاطر المترتبة على استمرار التصعيد.وأكد أن هذه التحركات الدبلوماسية لم تنجح حتى الآن في تغيير مواقف الأطراف المعنية، وهو ما يجعل احتمالات المواجهة، وفق تقديره، تتقدم على فرص التوصل إلى تسوية سياسية قريبة.هل تقدم طهران تنازلات خلال المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟وبشأن المفاوضات الأمريكية الإيرانية، أشار الزيات إلى أهمية الاتصالات التي جرت بين نائب الرئيس الأمريكي وأحد كبار قادة الحرس الثوري الإيراني، الذي وصفه بأنه من أبرز الصقور داخل المؤسسة العسكرية الإيرانية، معتبرًا أن هذه الاتصالات مثلت محاولة أخيرة من إدارة ترامب للحصول على تنازل إيراني يتيح إحراز تقدم في المفاوضات.وأوضح أن ترامب يركز حاليًا على ضرورة تقديم إيران تنازلًا واضحًا بشأن برنامجها النووي، وتحديدًا مخزون اليورانيوم الأعلى تخصيبًا، باعتبار أن تحقيق تقدم في هذا الملف قد يمنح واشنطن مخرجًا سياسيًا للإعلان عن إنجاز في المواجهة مع طهران.في المقابل، تتمسك إيران، بحسب الزيات، بضرورة تقديم الولايات المتحدة تنازلات مسبقة قبل الدخول في تفاهمات نهائية بشأن البرنامج النووي، باعتباره الورقة الرئيسية التي تمتلكها طهران للمساومة في الملفات العالقة مع واشنطن.وأضاف أن القيادة الإيرانية تتبنى تقديرًا بأنها لن تخسر من ضربة عسكرية جديدة أكثر بكثير مما خسرته بالفعل خلال المواجهات السابقة، وأن قدرتها على الصمود أمام الهجمات الأمريكية والإسرائيلية يمكن تقديمها داخليًا باعتبارها انتصارًا سياسيًا واستراتيجيًا، وفي المقابل هزيمة للرئيس الأمريكي.وأشار إلى أن ترامب يسعى لتحقيق إنجاز واضح يستطيع من خلاله إعلان انتهاء الحرب وتحقيق أهدافها، بينما تدرك القيادة الإيرانية هذه الرغبة الأمريكية، وهو ما يفسر تأكيد المرشد الإيراني أن طهران هي التي ستحدد توقيت انتهاء المواجهة، وليس واشنطن أو تل أبيب.ووصف الزيات الموقف الإيراني بأنه يتسم بدرجة كبيرة من التشدد، مضيفًا: «في تقديري الشخصي، هناك نوع من غرور القوة لا يزال موجودًا لدى بعض القيادات الإيرانية»، وهو ما يؤثر في حساباتها السياسية والعسكرية ويقلل استعدادها لتقديم تنازلات تحت الضغط.كما أشار إلى وجود أبعاد ثقافية ومذهبية تؤثر في طبيعة اتخاذ القرار الإيراني، ترتبط بما وصفه بعقيدة الثأر المتجذرة في الذاكرة التاريخية للمذهب الشيعي منذ استشهاد الإمام الحسين، موضحًا أن مقتل عدد من القيادات الإيرانية، وعلى رأسهم المرشد السابق علي خامنئي، يعزز لدى بعض دوائر القيادة الاعتقاد بعدم جواز تقديم تنازلات للأطراف التي تحملها مسؤولية مقتل هؤلاء القادة.وأضاف أن هذه الاعتبارات تسهم، وفق تحليله، في استمرار التشدد الإيراني رغم الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تواجهها البلاد، لافتًا إلى أن الرئيس الإيراني أقر بسوء الوضع الاقتصادي واستمرار الأزمة، بما يعكس حجم الضغوط الداخلية التي تواجه طهران بالتزامن مع التهديدات الخارجية.موقف التحالف الأمريكي الإسرائيلي اتجاه استمرار النظام الإيراني وفي المقابل، أكد الزيات أن إسرائيل تتبنى موقفًا أكثر تشددًا بشأن مستقبل المواجهة، وتسعى إلى استمرار العمليات العسكرية حتى تحقيق أهداف تتجاوز مجرد إضعاف البرنامج النووي الإيراني.وأوضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يخشى أن تنفذ الولايات المتحدة ضربات قوية ضد المنشآت النووية وبعض الأهداف العسكرية الإيرانية، ثم يعلن ترامب تحقيق الانتصار وإنهاء الحرب، تاركًا إسرائيل في مواجهة تداعيات الصراع دون استكمال أهدافها.وأضاف أن نتنياهو يرى ضرورة استمرار الحرب وصولًا إلى إسقاط النظام الإيراني، معتبرًا أن تدمير أجزاء من البرنامج النووي أو إضعاف القدرات العسكرية الإيرانية لن يكون كافيًا لتحقيق الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه حكومته.واستبعد الخبير الاستراتيجي إمكانية إسقاط النظام الإيراني بسهولة من خلال الضربات العسكرية، مؤكدًا أن هذا التصور يتجاهل طبيعة الدولة الإيرانية وتكوين مجتمعها وتاريخها الحضاري ومؤسساتها وقدرتها على التماسك أمام الأخطار الخارجية.وقال إن توجيه ضربات عسكرية واسعة لإيران قد يؤدي إلى زيادة تماسك المجتمع حول الدولة بدلًا من انهياره، معتبرًا أن هذا الاتجاه ظهر بالفعل خلال المواجهات السابقة.وتطرق الزيات إلى الحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، مشيرًا إلى أن نتنياهو يواجه تعقيدات تتعلق بمرحلة تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة، والتي قد تستغرق فترة طويلة، موضحًا أنه قد يستمر خلالها رئيسًا لحكومة تصريف أعمال، وهو وضع يرى أنه يمنحه مساحة للتحرك في الملفات الأمنية والعسكرية.وأكد أن إسرائيل تحاول دفع الولايات المتحدة إلى خوض مواجهة جديدة مع إيران، بينما تختلف حسابات ترامب عن حسابات نتنياهو، إذ يسعى الرئيس الأمريكي إلى تحقيق انتصار، حتى لو كان محدودًا أو شكليًا، يستطيع توظيفه سياسيًا في مواجهة الحزب الديمقراطي.وأشار إلى أن تقديراته ترجح احتمال استعادة الديمقراطيين الأغلبية في مجلسي الكونجرس خلال انتخابات التجديد النصفي، وهو ما يزيد أهمية تحقيق إنجاز سياسي أو عسكري بالنسبة إلى ترامب قبل بدء عمل الكونجرس الجديد.وأضاف أن الفترة الممتدة من انتخابات 3 نوفمبر وحتى انعقاد الكونجرس الجديد في 3 يناير تمثل نافذة زمنية مهمة، قد يتمتع خلالها الرئيس الأمريكي بهامش أوسع لاتخاذ قرارات عسكرية كبرى قبل تغير موازين القوى داخل المؤسسة التشريعية الأمريكية.وشدد على أن هذه الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة وإسرائيل تتداخل بصورة مباشرة مع التطورات العسكرية في المنطقة، وتزيد من صعوبة التوصل إلى تفاهمات توقف التصعيد.الحوثيون ورقة إيران لتحقيق مكاسب من المفاوضات وفيما يتعلق بتداعيات المواجهة المحتملة على اليمن والبحر الأحمر، رجح الزيات عدم نجاح جهود الوساطة مع جماعة الحوثيين في المرحلة الحالية، معتبرًا أن الجماعة ستظل ورقة استراتيجية تستخدمها إيران في التعامل مع التطورات الإقليمية، خاصة حال اندلاع مواجهة جديدة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.وأوضح أن طهران قد تسعى إلى توظيف قدرات الحوثيين في البحر الأحمر وباب المندب للضغط على المصالح الأمريكية والإسرائيلية وحركة التجارة الدولية، بما يرفع التكلفة الاقتصادية والاستراتيجية لأي عمليات عسكرية تستهدف الأراضي الإيرانية.وأشار إلى أن فرص نجاح الوساطات ستظل محدودة ما لم يتمكن ترامب من تحقيق إنجاز يمكن تقديمه باعتباره انتصارًا، أو تحصل إيران على استجابة لبعض مطالبها، حتى لو اقتصرت في البداية على إجراءات لبناء الثقة.وأضاف أن من بين هذه الإجراءات إمكانية السماح لطهران بالاستفادة من عوائد أموالها المجمدة أو المصادرة، موضحًا أن الأمر لا يتعلق بالضرورة بالإفراج الفوري عن جميع الأموال، وإنما بإظهار قدر من حسن النية الأمريكية يسمح بتهيئة الأجواء لاستئناف المفاوضات والتوصل إلى تفاهمات.وأكد أنه في غياب مثل هذه الخطوات ستظل فرص التسوية ضعيفة، مع استمرار الحوثيين في أداء دورهم ضمن حسابات المواجهة الإقليمية، بما قد يؤدي إلى اتساع نطاق العمليات العسكرية في البحر الأحمر وتعطيل الملاحة والتجارة الدولية.استهداف منشآت الخليج يهدد الاقتصاد العالميوحذر الزيات من أن تداعيات المواجهة المحتملة لن تقتصر على منطقة الخليج، موضحًا أن البحر الأحمر قد يتحول إلى إحدى ساحات التصعيد الرئيسية، بما يحمله ذلك من مخاطر على حركة السفن وسلاسل الإمداد والتجارة العالمية.وقال إن تعطيل الملاحة في البحر الأحمر ستكون له انعكاسات اقتصادية خطيرة على دول المنطقة والعالم، خاصة الدول التي تعتمد على هذا الممر الحيوي في تجارتها الخارجية، فضلًا عن ارتفاع تكاليف النقل والتأمين وتأثر حركة السلع والطاقة.وأضاف أن أخطر ما في التصعيد الراهن هو استمرار احتمالات اتساع الحرب، خاصة في ضوء التهديدات الإيرانية باستهداف البنية التحتية في المنطقة حال تعرض المنشآت الحيوية داخل إيران لضربات أمريكية أو إسرائيلية.وأشار إلى أن مصادر إيرانية نشرت، بحسب قوله، خريطة توضح طبيعة الأهداف التي قد تتعرض للاستهداف حال ضرب البنية التحتية الإيرانية، وتتضمن منشآت حيوية في دول الخليج، من بينها محطات تحلية المياه ومنشآت الطاقة والجسور وغيرها من المرافق الأساسية.وأكد أن تنفيذ مثل هذه التهديدات سيؤدي إلى خسائر اقتصادية وإنسانية واسعة، لن تقتصر على الدول الخليجية المستهدفة، وإنما ستمتد إلى الدول المرتبطة بها اقتصاديًا، فضلًا عن تأثيراتها على حركة التجارة العالمية وأسواق الطاقة.واختتم الدكتور محمد مجاهد الزيات تصريحاته بالتأكيد أن المنطقة تواجه مرحلة شديدة الخطورة، تتراجع فيها فرص التسوية السياسية مقابل تصاعد الاستعدادات العسكرية والتهديدات المتبادلة، معتبرًا أن استمرار التشدد الإيراني، وسعي نتنياهو إلى توسيع الحرب، ورغبة ترامب في تحقيق انتصار سياسي وعسكري، تمثل عوامل تدفع المنطقة نحو مواجهة جديدة قد تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، وتترك تداعيات أمنية واقتصادية واسعة على المستوى الدولي.
خبير استراتيجي: الشرق الأوسط يقترب من مواجهة جديدة وترامب ونتنياهو يدفعان المنطقة نحو التصعيد
- منذ 14 ساعات
- المصرى اليوم
Loading image...
