القلب في مصر القديمة: مركز الروح وميزان العدالة

  • منذ 2 ساعات
  • أهل مصر
Loading image...
في يقين المصري القديم، لم تكن تلك العضلة النابضة في الصدر مجرد مضخة صماء تدفع الدم في الشرايين، بل كانت هي 'الذات' في أبهى تجلياتها، والجوهر الذي يحدد ماهية الإنسان.

لقد منحوها اسماً يشف عن قدسيتها وهو 'إيب'، ولم يروْا فيه وعاءً للدم، بل مستودعاً للحكمة، ومقراً لا يضل للذاكرة، ومنبعاً تتدفق منه العواطف وتتشكل فيه الإرادة. كان 'إيب' عندهم هو البوصلة التي توجه العقل والقلب معاً، كأنهم أدركوا مبكراً أن ذكاء الإنسان الحقيقي لا يبدأ من رأسه، بل من نبضه.

"إيب": العقل والوجدان

وعلى نقيض ما استقر عليه وعينا الحديث من إسناد الفكر وتدبير الأمور إلى خلايا الدماغ، كان المصري القديم يرى في 'إيب' وحده صانع القرار ومستودع الخبرة الإنسانية التي لا تبلى.

ومن هنا، لم يكن من قبيل الصدفة أن يُستثنى هذا العضو دون غيره في طقوس التحنيط المهيبة؛ فبينما كانت تُوزع الأحشاء على الأواني الكانوبية أو تُهمل، كان 'إيب' يُترك في مكانه الحصين داخل الجسد. لم يكن ذلك مجرد إجراء جنائزي، بل كان إيماناً عميقاً بأن الإنسان لا يمكنه عبور عتبة الخلود أو مواجهة الأبدية بلا 'ذاكرته' وبلا ذلك الشاهد الوحيد الذي يحمل أسرار رحلته في الدنيا.

مشهد 'وزن القلب' (محاكمة الموتى)

وتصل هذه القدسية إلى ذروة جلالها في المشهد الجنائزي المهيب، وتحديداً حين نفتح صفحات 'الفصل 125' من كتاب الموتى. هناك، لا يقف المتوفى في 'قاعة الحقيقتين' أمام الإله أوزيريس ليدلي بحجج واهية، بل ليواجه الحقيقة العارية تماماً.

في ذلك الموقف الذي يختصر رحلة العمر، يُوضع 'إيب' في كفة ميزان دقيق، بينما توضع في الكفة المقابلة ريشة 'ماعت'؛ تلك الريشة التي لا تمثل وزناً مادياً، بقدر ما تمثل ثقل العدل والنظام الكوني بأسره. إنه اختبار 'الخفة' الروحية أمام 'ثقل' الأطماع، حيث لا ينجو إلا من كان قلبه طاهراً، رقيقاً، ومتصالحاً مع نواميس الحق والجمال.

وهكذا، يصبح الميزان هو الفيصل الحاسم في رحلة الوجود؛ فإذا ما مالت الكفة لصالح 'الخفة'، كان ذلك صك براءة لروح لم تلوثها آثام الدنيا، وبرهاناً جلياً على نقاء صاحبه الذي استحق بجدارة أن تطأ قدماه 'حقول الإيارو' الساحرة، حيث الخلود في رحاب الفردوس المنشود.

أما إذا رجحت كفة 'إيب' واستبد به ثقل الخطايا والمظالم، فقد كان ذلك نذيراً بهلاك لا رجعة فيه؛ إذ يتربص به الوحش الخرافي 'عمعم' ليلتهم ما تبقى من أثره، فيمحي وجوده من سجلات الأبدية وكأنه لم يكن. إنها فلسفة مصرية باهرة، تجعل من 'الخفة' الروحية غاية الوجود، ومن 'الثقل' الأخلاقي مرادفاً للعدم.

تعويذة "لا يشهد القلب ضد صاحبه"

ولأن رهبة تلك اللحظة كانت تفوق طاقة الاحتمال البشري، لم يجد المصري القديم مفزعاً سوى في تلك 'التميمة' الوديعة التي عُرفت بـ 'جعران القلب'. كان يضعها فوق صدر المومياء، قريباً من النبض الذي سكن، وكأنها حارس أمين يحمي السر الأخير.

لقد نُقشت على ذلك الحجر الصغير كلمات تفيض بالرجاء والتوسل، نصٌّ سحري يخاطب فيه الإنسان أغلى ما يملك: 'إيب'. يستحلفه فيها، بكل لوعة المشتاق للخلود، ألا يقف ضده في تلك القاعة المهيبة، وألا يفتح سجلات المساوئ أمام ميزان 'ماعت' الصارم. هي لحظة اعتراف صامتة، يرجو فيها المرء ألا ينطق ضميره بما قد يحول بينه وبين الأبدية، كأنما يدرك أن عدالة السماء لا تكتمل إلا بشهادة هذا الـ 'إيب' الذي حفظ كل نبضة وكل نية.
إقرأ الخبر الكامل من المصدر