يعيش هذان اليتيمان وغيرهما كثيرون، انتظارا لا يحتمل وحدادا غير ممكن على فراق "الغائبين الحاضرين"، من أهلهم الذين ماتوا في البحر أو انقطعت أخبارهم بعد اختفاء قواربهم.
يُقدّر عدد هؤلاء القتلى والمفقودين، بمن فيهم أطفال، بالآلاف في السنغال خلال السنوات الأخيرة، على ما يوضح لوكالة فرانس برس ساليـو ديوف، مؤسس جمعية "بوزا في" التي تكافح من أجل عدم طي صفحة المهاجرين المفقودين.
في مدينة مبور الساحلية (غرب)، يمكن سماع قصص هؤلاء الأطفال وحياتهم المدمّرة من خلف جدران البيوت. بينما الحديث عن خيار آبائهم وأمهاتهم أخذ طريق الهجرة يبقى بمثابة موضوع يحرّم الكلام عنه.
ويخشى أفراد عائلات المفقودين الحديث في الموضوع في وقت تنتهج السلطات القمع لوقف انطلاق مراكب الصيد المحمّلة بالمهاجرين، وتعتقل المهرّبين.
يتحدث فالّو لوكالة فرانس برس بعبارات متقطعة، وجسده يهتز في كل مرة وهو يستحضر وفاة والدته، "بكيت كثيرا...ثم قلت في قرارة نفسي إنها إرادة الله".
في تيفيس، حيّ الصيادين ذات الأزقة الرملية والبيوت الهشّة، يشعر فالّو وشقيقه ذو التسعة أعوام بالسعادة لأنهما التقيا من جديد، يجلس أحدهما مستندا الى الآخر في الغرفة الوحيدة التي تشكّل مكان إقامتهما لدى جدتهما نداي نداي.
انقلبت حياتهما رأسا على عقب عندما توفيت والدتهما آوا، وكانت في الثلاثينات من عمرها، في المغرب في العام 2024، بعد غرق مركب صيد كانت فيه. منذ تلك المأساة، يقول فالّو "أصبحت صامتا"، ولا يتحدث "عن الأمر مع جدته ولا مع أصدقائه"، بل فقط مع والده أثناء زياراته حين يتجاذب معه أطراف الحديث "عن أمي التي كانت إنسانة طيبة".
على غرار غالبية الأسر التي تختفي فيها الأم المهاجرة، تفكّكت العائلة وعاد الأب ليعيش مع عائلته، وبقي الأطفال مع جدتهما.
لم تبلغ آوا أمها بقرار الهجرة، لكنها كانت غالبا تقول إنها تشعر بالحزن لرؤيتها "تتعب"، وكانت تريد أن "تقدّم لها العون"."ادعي لي"
وتروي نداي "قالت لي ببساطة إن عليها أن تذهب إلى دكار". لكن في إحدى الليالي، اتصلت بها آوا وقالت "أمّي، لقد صعدتُ إلى مركب هجرة إلى أوروبا وأريدك أن تدعي لي".
بعد أسبوعين من الانتظار المرير، تلقّت العائلة اتصالا يُعلن وفاة المرأة في مستشفى في المغرب.
وتهمس نداي، وهي لا تستطيع حبس دموعها، "لم يُعد إليّ جثمانها وما زلت أنتظر".
وتضيف "رؤية أطفال أبرياء مثلهم مضطرين للعيش بلا أم، تمزّق فؤادي".
في العام 2024، لقي ما لا يقل عن 10457 مهاجرا حتفهم أو فُقدوا "على الحدود الغربية بين أوروبا وإفريقيا" أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا عبر طريق الأطلسي المحفوف بالمخاطر، وفقا لمنظمة "كاميناندو فرونتيراس" التي تتابع مسألة الهجرة. وهو أعلى عدد يُسجل منذ بداية عمليات الإحصاء التي تجريها المنظمة منذ عام 2007.
ويُضطر العديد من السكان إلى اللجوء إلى خيار الهجرة غير القانونية عبر قوارب غالبا ما تكون متهالكة ومكتظة، مدفوعين بشعور باليأس إزاء انعدام فرص العمل في بلدانهم والبطالة وتراجع الموارد السمكية، وبسبب أيضا تقييد أوروبا للتأشيرات وتشديدها الصارم لمراقبة حدودها.
ويؤكد ساليو ضيوف أنه "غالبا ما لا تتمكن العائلات من الحصول على ما يكفي من المعلومات لإعلان الوفاة والحداد"، مضيفا أن "القبول بحقيقة الاختفاء يكون شديد الصعوبة".
يتلقّى الأطفال الخبر أحيانا بشكل صادم في الشارع أو عند الجيران. بعضهم يتخبّط بين انتظار لا يُحتمل أو رفض تقبّل خبر الوفاة أو الغضب.
هذي هي حال سوخنا (11 عاما)، ذات الوجه الملائكي والنظرات التي يغلب عليها حزن كبير.
تعيش والدتها فاتو نغوم وأخوها وأختها في ظروف صعب في مبور، في غرفة وساحة مستأجرتين بالشراكة مع عائلات أخرى.
فُقد والدها أسّان منذ أن اشتعلت النار في مركب الصيد الذي كان يقلّه في العام 2022. وأبلغت فاتو بمعلومة وحيدة هي أنه "كان بين الضحايا".تنادي والدها
تقول فاتو إن سوخنا باتت تعاني منذ فترة من أوقات "شرود"، لا سيما في قاعة الصف، ومن تأخّر في مسارها الدراسي.
وتضيف "أحيانا في الليل، تنتابها كوابيس، فتصرخ منادية أبيها مرّات عدّة" في الغرفة التي تتقاسمها مع كامل أسرتها.
تقول سوخنا إن والدتها التي ما زالت ترزح تحت حزن فقدان زوجها وتجد صعوبة كبيرة في الحديث عن اختفائه، "لا تفهمها".
وتقول "عندما أحلم به وأشعر بالخوف لأن لديّ فعلا إحساس بأنه يكلمني، أذهب لرؤية جدتي"، مشيرة الى أن هذه الأخيرة "تروي لي كيف كان والدي يتودّد إلى أمي، وحكايات أخرى عنه".
وتتابع "أفكر دائما في أبي عندما أرى البحر".
طلبت منها جدتها تجنّب المرور عبر الشاطئ وبجانب الزوارق المصطفة هناك كي لا تشعر في كل مرة بحزن شديد.
وعلى عكس أخته التي تكتم حزنها، يجد بوبكر البالغ من العمر 14 عاما، صعوبة في حبس مشاعره وهو يتذكّر ذلك اليوم من عام 2022، "جاء أقارب لي لتبحث عن أمي التي كانت تحضّر القهوة حينها. أبلغوها بأن أسان توفي في الزورق. كانت في حالة صدمة، وبدأت تبكي، ونحن أيضا".
كان والده "يريد أن يبني لنا بيتا. ومات قبل أن ينجح في ذلك".
يتذكّر بوبكر والده "كثيرا، خصوصا عندما لا يكون عند أمي مال لمصاريف الحياة اليومية، لأنه هو من كان يساعدنا على العيش".
بدأ الفتى البالغ 14 عاما يعمل بانتظام بعد المدرسة في ورشة للحدادة والنجارة لمساعدة أمه.
يحاول هؤلاء الأيتام إعادة بناء أنفسهم داخل عائلات تواجه هشاشة شديدة الوقع بتقليل عدد وجبات الأكل وانقطاع الأطفال عن الدراسة والاستدانة.
كثيرون منهم يكبرون بسرعة وقبل الأوان، مُرهَقين بثقل المسؤوليات.
تقف قرب بوبكر أخته كوما ذات الخمس سنوات، حافية القدمين، ترتدي ثيابا بالية، وتنشغل بالرسم على سبّورة معلّقة على جدار الفناء.
كبِرت الطفلة من دون أن تعرف والدها.
ويقول بوبكر "هي التي تجعلني أبكي لأنها تسألني دائما عن أخباره، أجيبها بأنه مسافر".
ويرى أنها "قد تجنّ إذا فسّرنا لها الأمر الآن".كسر الصمت
لم تُخبر آمي درامي أطفالها البالغين من العمر عشرة أعوام وستة أعوام وثلاثة أعوام بالحقيقة هي أيضا. فقد اتصل بها زوجها آخر مرة من على قارب في 10 آب/أغسطس 2024.
وتقول بتأثر "سألني عن أخبار الأطفال، وطلب أن أدعو له. كانت تلك آخر مرة سمعت فيها صوته".
بعد شهر، أبلغتهم السلطات أن الزورق الخشبي جنح قبالة سواحل الرأس الأخضر، ولا ناجين في الحادث.
إلا أن آمي تقول لأطفالها إن والدهم في رحلة صيد.
وتضيف "إنهم أطفال... يأخذون هاتفي طوال الوقت لمشاهدة مقاطع الفيديو التي يظهر فيها والدهم. لن ينسوه أبدا".
في العام 2024، انطلق في السنغال برنامج رائد يسعى الى كسر الصمت حول هذه القضية وتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية لأطفال المفقودين في البحر.
وتتولى منظمة غير حكومية "دي دي أم" مرافقة نحو خمسين يتيما. وشرعت في هذا العمل الخيري إثر ملاحظتها لمعاناة نساء المفقودين، لا سيما بسبب عدم اليقين حول مصيرهم.
ويشرح مدير المنظمة جوردي بالسيلس "لاحظنا أن الكثير من أطفالهن يعانون أيضا، ولكن بطريقة مختلفة، أكثر صمتا، مع الكثير من الغضب".
وتقوم المنظمة بثلاث جولات سنويا في مناطق أخرى من السنغال، كما تؤمّن مرافقة نفسية واجتماعية في المنازل.
في مركز مبور، في مبنى كثيف الانارة، وبينما تعمل الأمهات في ورشة خياطة لتأمين مصدر دخل إضافي، يخضع الأطفال الأيتام لآباء مهاجرين، لجلسات علاجية.
لم يستطع بابكر نداي البالغ من العمر 12 عاما أن يبوح بما يشعر به حيال اختفاء والده، تاجر السمك، في العام 2024 إثر انقلاب زورق قبالة سواحل مبور.
تفسّر له بهدوء تيسا ريمات كوربيّا، الطبيبة المتخصصة في علم النفس والمسؤولة عن المتابعة النفسية والاجتماعية، "اعلم أننا هنا إذا أردت أن تتكلم"."لا أريد الحديث"
في المقابل، يريد شقيقه البالغ من العمر تسع سنوات باب بالّا أن يعبّر عمّا في داخله.
يبحث في كلامه عن مبررات مقنعة لقرار والده الذي اختفت أخباره، ويقول "أبي لم يكن يريد الرحيل، لكن الشخص الذي نظّم الرحلة هو الذي أجبره"، معبرا في الوقت ذاته عن ألمه "كونه اختفى. كنت أريده أن يبقى معنا".
ثم يضيف "لديّ أصدقاء في الحي عاشوا الشيء نفسه، لكننا لا نتحدث في الأمر".
ويروي أيضا ذكريات مع والده "كان كثيرا ما يشتري لي كرات، وأفتقد ذلك".
على غرار بابكر، لم تستطع بامبي ديوب ذات الأعوام العشرة في البداية أن تنطق سوى بضع كلمات "لا أريد الحديث عن أبي".
وتمسك الأخصائية النفسية كاتي فاي بكتفي بامبي وتحاول تهدئتها وتطلب منها التوقّف عن البكاء.
وتقول بامبي "أفكّر به عندما أكون في الصف"، موضحة أن والدها كان غالبا من يوصلها إلى المدرسة.
تصرّ الطفلة على انكار وفاة والدها، وتؤكد لفرانس برس أنه يعيش في مدينة أخرى من السنغال وأنه "بخير".
حديثها يفاجئ والدتها التي تشدّد على أن ابنتها "تعرف" أن والدها قضى في غرق مركب عام 2024.
بالنسبة لتيسا رايمات كوربيّا، التحدّي الرئيسي "هو كسر حاجز الصمت" حول حقيقة اختفاء المهاجرين.
وتدعو إلى وجوب "البدء في تفسير ما حدث، وأن نتمكّن من الحديث مع الأطفال عن ذكرى أوليائهم، وأن نعمل مع أحد الوالدين المتبقيين".
وتشير الى أن المنظمة نجحت في خلق "فضاء آمن حيث يمكنهم أن يتقاسموا ما يعيشونه مع أطفال آخرين".
وتضيف "أن يقبلوا ما حدث وأن يكونوا قادرين على الحديث عنه من دون خوف ومن دون خجل، هذا هو الأهم"، لكنها تقرّ بأنه "ما زال الكثير من العمل"، وخصوصا "عندما يخرج الأطفال من هذا الفضاء، ويواجهون في المدرسة أو في الشارع هذا الوصم من جديد".
يأسف مامادو ديوب ثيون لأن الدعم الاقتصادي والنفسي والاجتماعي لهذه الأسر "لا يؤخذ في الاعتبار في سياساتنا العامة".
ويشير في ذلك إلى نقص المعلومات لدى السلطات، وغياب الأدوات والكوادر المؤهلة، في حين أن "التبعات الاجتماعية" على السنغال جرّاء اختفاء هؤلاء المهاجرين "كارثية".
في مركز الجمعية، يصطف الأطفال على فرش موضوعة على الأرض يتابعون فيلما بالرسوم المتحركة تحت أنظار تيسا وزملائها.
وتؤكد تيسا أن على المجتمع السنغالي أن يكون "أكثر وعيا بوضع المختفين وأسرهم". وتضيف "من المهم أن نعيد الكرامة إلى المفقودين، أولئك الأشخاص الذين غادروا بحثا عن حياة أفضل".
وتخلص "يجب أن نتمكن من الحديث عن هذا الموضوع من دون إخفاء هؤلاء الأطفال وهذه الأسر".
يُقدّر عدد هؤلاء القتلى والمفقودين، بمن فيهم أطفال، بالآلاف في السنغال خلال السنوات الأخيرة، على ما يوضح لوكالة فرانس برس ساليـو ديوف، مؤسس جمعية "بوزا في" التي تكافح من أجل عدم طي صفحة المهاجرين المفقودين.
في مدينة مبور الساحلية (غرب)، يمكن سماع قصص هؤلاء الأطفال وحياتهم المدمّرة من خلف جدران البيوت. بينما الحديث عن خيار آبائهم وأمهاتهم أخذ طريق الهجرة يبقى بمثابة موضوع يحرّم الكلام عنه.
ويخشى أفراد عائلات المفقودين الحديث في الموضوع في وقت تنتهج السلطات القمع لوقف انطلاق مراكب الصيد المحمّلة بالمهاجرين، وتعتقل المهرّبين.
يتحدث فالّو لوكالة فرانس برس بعبارات متقطعة، وجسده يهتز في كل مرة وهو يستحضر وفاة والدته، "بكيت كثيرا...ثم قلت في قرارة نفسي إنها إرادة الله".
في تيفيس، حيّ الصيادين ذات الأزقة الرملية والبيوت الهشّة، يشعر فالّو وشقيقه ذو التسعة أعوام بالسعادة لأنهما التقيا من جديد، يجلس أحدهما مستندا الى الآخر في الغرفة الوحيدة التي تشكّل مكان إقامتهما لدى جدتهما نداي نداي.
انقلبت حياتهما رأسا على عقب عندما توفيت والدتهما آوا، وكانت في الثلاثينات من عمرها، في المغرب في العام 2024، بعد غرق مركب صيد كانت فيه. منذ تلك المأساة، يقول فالّو "أصبحت صامتا"، ولا يتحدث "عن الأمر مع جدته ولا مع أصدقائه"، بل فقط مع والده أثناء زياراته حين يتجاذب معه أطراف الحديث "عن أمي التي كانت إنسانة طيبة".
على غرار غالبية الأسر التي تختفي فيها الأم المهاجرة، تفكّكت العائلة وعاد الأب ليعيش مع عائلته، وبقي الأطفال مع جدتهما.
لم تبلغ آوا أمها بقرار الهجرة، لكنها كانت غالبا تقول إنها تشعر بالحزن لرؤيتها "تتعب"، وكانت تريد أن "تقدّم لها العون"."ادعي لي"
وتروي نداي "قالت لي ببساطة إن عليها أن تذهب إلى دكار". لكن في إحدى الليالي، اتصلت بها آوا وقالت "أمّي، لقد صعدتُ إلى مركب هجرة إلى أوروبا وأريدك أن تدعي لي".
بعد أسبوعين من الانتظار المرير، تلقّت العائلة اتصالا يُعلن وفاة المرأة في مستشفى في المغرب.
وتهمس نداي، وهي لا تستطيع حبس دموعها، "لم يُعد إليّ جثمانها وما زلت أنتظر".
وتضيف "رؤية أطفال أبرياء مثلهم مضطرين للعيش بلا أم، تمزّق فؤادي".
في العام 2024، لقي ما لا يقل عن 10457 مهاجرا حتفهم أو فُقدوا "على الحدود الغربية بين أوروبا وإفريقيا" أثناء محاولتهم الوصول إلى إسبانيا عبر طريق الأطلسي المحفوف بالمخاطر، وفقا لمنظمة "كاميناندو فرونتيراس" التي تتابع مسألة الهجرة. وهو أعلى عدد يُسجل منذ بداية عمليات الإحصاء التي تجريها المنظمة منذ عام 2007.
ويُضطر العديد من السكان إلى اللجوء إلى خيار الهجرة غير القانونية عبر قوارب غالبا ما تكون متهالكة ومكتظة، مدفوعين بشعور باليأس إزاء انعدام فرص العمل في بلدانهم والبطالة وتراجع الموارد السمكية، وبسبب أيضا تقييد أوروبا للتأشيرات وتشديدها الصارم لمراقبة حدودها.
ويؤكد ساليو ضيوف أنه "غالبا ما لا تتمكن العائلات من الحصول على ما يكفي من المعلومات لإعلان الوفاة والحداد"، مضيفا أن "القبول بحقيقة الاختفاء يكون شديد الصعوبة".
يتلقّى الأطفال الخبر أحيانا بشكل صادم في الشارع أو عند الجيران. بعضهم يتخبّط بين انتظار لا يُحتمل أو رفض تقبّل خبر الوفاة أو الغضب.
هذي هي حال سوخنا (11 عاما)، ذات الوجه الملائكي والنظرات التي يغلب عليها حزن كبير.
تعيش والدتها فاتو نغوم وأخوها وأختها في ظروف صعب في مبور، في غرفة وساحة مستأجرتين بالشراكة مع عائلات أخرى.
فُقد والدها أسّان منذ أن اشتعلت النار في مركب الصيد الذي كان يقلّه في العام 2022. وأبلغت فاتو بمعلومة وحيدة هي أنه "كان بين الضحايا".تنادي والدها
تقول فاتو إن سوخنا باتت تعاني منذ فترة من أوقات "شرود"، لا سيما في قاعة الصف، ومن تأخّر في مسارها الدراسي.
وتضيف "أحيانا في الليل، تنتابها كوابيس، فتصرخ منادية أبيها مرّات عدّة" في الغرفة التي تتقاسمها مع كامل أسرتها.
تقول سوخنا إن والدتها التي ما زالت ترزح تحت حزن فقدان زوجها وتجد صعوبة كبيرة في الحديث عن اختفائه، "لا تفهمها".
وتقول "عندما أحلم به وأشعر بالخوف لأن لديّ فعلا إحساس بأنه يكلمني، أذهب لرؤية جدتي"، مشيرة الى أن هذه الأخيرة "تروي لي كيف كان والدي يتودّد إلى أمي، وحكايات أخرى عنه".
وتتابع "أفكر دائما في أبي عندما أرى البحر".
طلبت منها جدتها تجنّب المرور عبر الشاطئ وبجانب الزوارق المصطفة هناك كي لا تشعر في كل مرة بحزن شديد.
وعلى عكس أخته التي تكتم حزنها، يجد بوبكر البالغ من العمر 14 عاما، صعوبة في حبس مشاعره وهو يتذكّر ذلك اليوم من عام 2022، "جاء أقارب لي لتبحث عن أمي التي كانت تحضّر القهوة حينها. أبلغوها بأن أسان توفي في الزورق. كانت في حالة صدمة، وبدأت تبكي، ونحن أيضا".
كان والده "يريد أن يبني لنا بيتا. ومات قبل أن ينجح في ذلك".
يتذكّر بوبكر والده "كثيرا، خصوصا عندما لا يكون عند أمي مال لمصاريف الحياة اليومية، لأنه هو من كان يساعدنا على العيش".
بدأ الفتى البالغ 14 عاما يعمل بانتظام بعد المدرسة في ورشة للحدادة والنجارة لمساعدة أمه.
يحاول هؤلاء الأيتام إعادة بناء أنفسهم داخل عائلات تواجه هشاشة شديدة الوقع بتقليل عدد وجبات الأكل وانقطاع الأطفال عن الدراسة والاستدانة.
كثيرون منهم يكبرون بسرعة وقبل الأوان، مُرهَقين بثقل المسؤوليات.
تقف قرب بوبكر أخته كوما ذات الخمس سنوات، حافية القدمين، ترتدي ثيابا بالية، وتنشغل بالرسم على سبّورة معلّقة على جدار الفناء.
كبِرت الطفلة من دون أن تعرف والدها.
ويقول بوبكر "هي التي تجعلني أبكي لأنها تسألني دائما عن أخباره، أجيبها بأنه مسافر".
ويرى أنها "قد تجنّ إذا فسّرنا لها الأمر الآن".كسر الصمت
لم تُخبر آمي درامي أطفالها البالغين من العمر عشرة أعوام وستة أعوام وثلاثة أعوام بالحقيقة هي أيضا. فقد اتصل بها زوجها آخر مرة من على قارب في 10 آب/أغسطس 2024.
وتقول بتأثر "سألني عن أخبار الأطفال، وطلب أن أدعو له. كانت تلك آخر مرة سمعت فيها صوته".
بعد شهر، أبلغتهم السلطات أن الزورق الخشبي جنح قبالة سواحل الرأس الأخضر، ولا ناجين في الحادث.
إلا أن آمي تقول لأطفالها إن والدهم في رحلة صيد.
وتضيف "إنهم أطفال... يأخذون هاتفي طوال الوقت لمشاهدة مقاطع الفيديو التي يظهر فيها والدهم. لن ينسوه أبدا".
في العام 2024، انطلق في السنغال برنامج رائد يسعى الى كسر الصمت حول هذه القضية وتقديم الرعاية النفسية والاجتماعية لأطفال المفقودين في البحر.
وتتولى منظمة غير حكومية "دي دي أم" مرافقة نحو خمسين يتيما. وشرعت في هذا العمل الخيري إثر ملاحظتها لمعاناة نساء المفقودين، لا سيما بسبب عدم اليقين حول مصيرهم.
ويشرح مدير المنظمة جوردي بالسيلس "لاحظنا أن الكثير من أطفالهن يعانون أيضا، ولكن بطريقة مختلفة، أكثر صمتا، مع الكثير من الغضب".
وتقوم المنظمة بثلاث جولات سنويا في مناطق أخرى من السنغال، كما تؤمّن مرافقة نفسية واجتماعية في المنازل.
في مركز مبور، في مبنى كثيف الانارة، وبينما تعمل الأمهات في ورشة خياطة لتأمين مصدر دخل إضافي، يخضع الأطفال الأيتام لآباء مهاجرين، لجلسات علاجية.
لم يستطع بابكر نداي البالغ من العمر 12 عاما أن يبوح بما يشعر به حيال اختفاء والده، تاجر السمك، في العام 2024 إثر انقلاب زورق قبالة سواحل مبور.
تفسّر له بهدوء تيسا ريمات كوربيّا، الطبيبة المتخصصة في علم النفس والمسؤولة عن المتابعة النفسية والاجتماعية، "اعلم أننا هنا إذا أردت أن تتكلم"."لا أريد الحديث"
في المقابل، يريد شقيقه البالغ من العمر تسع سنوات باب بالّا أن يعبّر عمّا في داخله.
يبحث في كلامه عن مبررات مقنعة لقرار والده الذي اختفت أخباره، ويقول "أبي لم يكن يريد الرحيل، لكن الشخص الذي نظّم الرحلة هو الذي أجبره"، معبرا في الوقت ذاته عن ألمه "كونه اختفى. كنت أريده أن يبقى معنا".
ثم يضيف "لديّ أصدقاء في الحي عاشوا الشيء نفسه، لكننا لا نتحدث في الأمر".
ويروي أيضا ذكريات مع والده "كان كثيرا ما يشتري لي كرات، وأفتقد ذلك".
على غرار بابكر، لم تستطع بامبي ديوب ذات الأعوام العشرة في البداية أن تنطق سوى بضع كلمات "لا أريد الحديث عن أبي".
وتمسك الأخصائية النفسية كاتي فاي بكتفي بامبي وتحاول تهدئتها وتطلب منها التوقّف عن البكاء.
وتقول بامبي "أفكّر به عندما أكون في الصف"، موضحة أن والدها كان غالبا من يوصلها إلى المدرسة.
تصرّ الطفلة على انكار وفاة والدها، وتؤكد لفرانس برس أنه يعيش في مدينة أخرى من السنغال وأنه "بخير".
حديثها يفاجئ والدتها التي تشدّد على أن ابنتها "تعرف" أن والدها قضى في غرق مركب عام 2024.
بالنسبة لتيسا رايمات كوربيّا، التحدّي الرئيسي "هو كسر حاجز الصمت" حول حقيقة اختفاء المهاجرين.
وتدعو إلى وجوب "البدء في تفسير ما حدث، وأن نتمكّن من الحديث مع الأطفال عن ذكرى أوليائهم، وأن نعمل مع أحد الوالدين المتبقيين".
وتشير الى أن المنظمة نجحت في خلق "فضاء آمن حيث يمكنهم أن يتقاسموا ما يعيشونه مع أطفال آخرين".
وتضيف "أن يقبلوا ما حدث وأن يكونوا قادرين على الحديث عنه من دون خوف ومن دون خجل، هذا هو الأهم"، لكنها تقرّ بأنه "ما زال الكثير من العمل"، وخصوصا "عندما يخرج الأطفال من هذا الفضاء، ويواجهون في المدرسة أو في الشارع هذا الوصم من جديد".
يأسف مامادو ديوب ثيون لأن الدعم الاقتصادي والنفسي والاجتماعي لهذه الأسر "لا يؤخذ في الاعتبار في سياساتنا العامة".
ويشير في ذلك إلى نقص المعلومات لدى السلطات، وغياب الأدوات والكوادر المؤهلة، في حين أن "التبعات الاجتماعية" على السنغال جرّاء اختفاء هؤلاء المهاجرين "كارثية".
في مركز الجمعية، يصطف الأطفال على فرش موضوعة على الأرض يتابعون فيلما بالرسوم المتحركة تحت أنظار تيسا وزملائها.
وتؤكد تيسا أن على المجتمع السنغالي أن يكون "أكثر وعيا بوضع المختفين وأسرهم". وتضيف "من المهم أن نعيد الكرامة إلى المفقودين، أولئك الأشخاص الذين غادروا بحثا عن حياة أفضل".
وتخلص "يجب أن نتمكن من الحديث عن هذا الموضوع من دون إخفاء هؤلاء الأطفال وهذه الأسر".







