«سموم مغلفة» أغذية الرصيف تقودك لـ«غرف الطوارئ»

  • منذ شهر
  • المصرى اليوم
  • هدير حنتيش
Loading image...
فى قلب الزحام، حيث تختلط أصوات الباعة بضجيج المارة، تتكرر المشاهد ذاتها فى الأسواق الشعبية وأمام محطات المترو، تحت شمس حارقة أو فى أزقة تفتقر إلى الضوء، يفترش باعة الأرصفة الأرض، ويصطف أمامهم رصيف كامل من علب البسكويت الملونة وأصابع الشيكولاتة ذات الأغلفة اللامعة.أسعار تبدو مغرية، تناسب جيوبًا أثقلها الغلاء، وتجذب أطفالًا يبحثون عن تحلية سريعة بثمن بسيط، غير أن خلف هذا المشهد اليومى، تختبئ أزمة صحية صامتة، يدفع ثمنها فى الغالب الأكثر احتياجًا.فى جولة بمنطقتى العتبة والسيدة زينب، يتعالى نداء الباعة بأصوات مبحوحة: «الثلاثة بعشرة.. دوق قبل ما تشترى».. هنا لا تُقاس الجودة بتاريخ إنتاج مطبوع بخط باهت، بل بقدرة قطعة الحلوى على إسكات جوع طفل أو إسعاد أسرة بمنتج زهيد الثمن، تتجاور البسطات بلا فواصل، يفترش أصحابها «كراتين» تضم أنواعًا شتى من البسكويت والشوكولاتة، بعضها مجهول المصدر، وبعضها الآخر يقترب من نهاية صلاحيته.على امتداد الأرصفة فى السيدة زينب وميدان رمسيس، تتراص علب الحلوى والعصائر، بل وحتى الألبان، فوق طاولات خشبية بسيطة، «أى نوع بخمسة جنيه».. عبارة تتردد كعنوان دائم للمشهد.وبين المعروضات، تظهر منتجات مقلدة لعلامات تجارية شهيرة، تتشابه فى الشكل ولون الغلاف، وتُطبع عليها تواريخ إنتاج وأسعار واضحة، بينما يغيب أحيانًا تاريخ الانتهاء.ورغم ذلك تشهد هذه البسطات إقبالًا لافتًا، مستفيدة من مواقعها الحيوية أمام محطات المترو والمدارس والميادين التى تعبرها يوميًا آلاف الأقدام الباحثة عن الأرخص، ولو كان الثمن صحة لا تُرى بالعين المجردة.أمام محطة مترو سعد زغلول يفترش الباعة الرصيف ببضائعهم، ومن بينهم منير فتحى الشاب الثلاثينى، الذى يأتى يوميا من محافظة المنوفية على مدار عامين ليبيع بضاعته فى السوق، حيث قال: «كل أنواع البسكويت بـ٥ جنيه فقط، مهما بلغ حجم العبوة، السادة، والمحشى كريمة، وشيكولاتة، كل الأنواع فى متناول المواطن البسيط، وعليها إقبال كبير من المواطن».وأوضح أن هذه المنتجات أفضل للمواطن فى السعر من شراء أى سندوتشات أو منتجات أخرى، والإقبال على الشراء هائلًا من قبل طلاب المدارس والمواطنين، بسبب الحالة الاقتصادية دلوقتى محدش لاقى يأكل أصلا علشان يجيب بسكويت وشيكولاتة وحاجات تعتبر رفاهية لكن المنتجات الجديدة خلت الكل يأكل.وعلى أرصفة منطقة وسط البلد افترش محمد نبيل، أحد الباعة الجائلين، وزملاؤه الأرض ووضعوا أمامهم طاولات عليها مئات الأكياس والعلب لمنتجات غذائية متنوعة بين العصائر المجففة والأجبان والبسكويت دقائق ثم توافد الزبائن على المنتجات المرصوصة ذات الأغلفة الملونة والبراقة، لا سيما لأن سعرها رخيص، وأن جميعها مقلدة ومجهولة المصدر، غلاف لامع لكنه خادع فكل عبوة تحمل اسما وغلافا مشابهين لإحدى الماركات المشهورة، والمشترى بسيط الحال لا ينجذب إلا للسعر والعرض المغرى.المأساة أن هذه الأغذية رغم أنها مغلفة تخضع لظروف تخزين «وحشية» فالبسكويت والشيكولاتة مواد حساسة للحرارة والرطوبة وضعها على الأرصفة تحت أشعة الشمس المباشرة لساعات طوال يحول الدهون بداخلها إلى مواد متأكسدة، ويفقدها خصائصها الصحية، لتتحول من «غذاء» إلى «عبء كيميائى» على أى جسد.خلف هذه المنتجات تقف مصانع غير مرخصة تستخدم أسوأ أنواع المواد الخام وألوان صناعية حيث يتم استخدام صبغات رخيصة لإعطاء الشيكولاتة لونًا جذابًا، وهى صبغات تسبب الحساسية المفرطة ونشاطًا زائدًا وتشتت انتباه لدى الأطفال، بجانب تلاعب بالصلاحية جيث أن كثير من هذه السلع انتهت صلاحيتها، فيتم إعادة تغليفها أو مسح تاريخ الانتهاء ووضع تاريخ جديد يدويًا.سميرة فريد، مواطنة، إحدى ضحايا المنتجات مجهولة المصدر فى الأسواق التى لم تحتمل الألم بعد تناولها ٣ أكياس من البسكويت بعد شرائها من على الأرصفة أمام إحدى محطات المترو، دخلت على إثر تناول البسكويت فى حال إعياء شديدة وأصيبت بقيء وإسهال حاد، حتى اكتشفت أن البسكويت السبب فى إصابتها بهذه الحالة.«سميرة» قالت لـ«المصرى اليوم»: «اشتريت علبة بسكويت مجهول المصدر من بائع أمام محطة المترو لأنها كانت رخيصة وشكلها حلو، وخلال ساعة بس من تناول البسكويت بدأت أعراض النزلة المعودية الحادة تظهر عليا وتعبت جدا، الباعة بتستغل حاجة المواطنين، بسبب غياب الرقابة على الأسواق».وطالبت بوضع ضوابط ملزمة لسلامة الغذاء ويكون له معايير محددة لمنع انتشار الأغذية الفاسدة فى الأسواق.الدكتورة سعاد الديب، رئيسة الاتحاد النوعى لجمعيات حماية المستهلك، قالت: إن الغش التجارى منتشر حول العالم وينشط فى أوقات الأزمات الاقتصادية لأن الناس يبحثون عن المنتجات الرخيصة، ومن يقومون بها هم أصحاب مخازن وشركات غير معتمدة دون أوراق وليس عليها رقابة، مُفرّقة بين السلع المغشوشة والمقلدة وبين المنتجات غير الصالحة للاستخدام الآدمى أو غير المطابقة للمواصفات التى تؤثر على الصحة والسلامة، داعية لعدم الشراء من متاجر لديها سلع مجهولة المصدر.وأضافت «الديب» لـ«المصرى اليوم»، أن إدارة الأسواق تتعاون مع الأجهزة المختصة للوقوف على الشكاوى المقدمة من المواطنين ضد السلع الفاسدة أو مجهولة المصدر، مشيرة إلى أن المنتج للسلعة على ثقة أن المواطن فى حاجة منتج رخيص الثمن لذا يعمل على التقليد والغش لسلع موجودة بالفعل والتكنولوجيا أصبحت أسرع فى تقليد الماركات والعبوات.وأوضحت أن تقليد شكل العلامات التجارية وأسماء السلع مع تغيير طفيف لكن الأمر لا يقتصر على ذلك، فهناك من يغشون السلع ويغلفونها بنفس أشكال الأغلفة الأصلية، مضيفةً أن عدم الوعى يدفع بعض الفقراء لشراء منتجات غذائية فاسدة أو مغشوشة لمجرد كونها أرخص سعرًا رغم أن الصحة لا تُقدّر بثمن.وأشارت إلى أن جهاز حماية المستهلك أعلن حصاده السنوى لعام ٢٠٢٥، كاشفًا عن تنفيذ ٩،٤٣٦ حملة رقابية على مستوى الجمهورية، شملت المرور على ١٢٢٠٩٧ منشأة تجارية فى ٢٤ محافظة، وأسفرت عن تحرير ٣٠٥١٦ محضرا لمخالفات متنوعة، أبرزها عدم الإعلان عن الأسعار، وتداول سلع مجهولة المصدر أو منتهية الصلاحية.ونصحت المواطنين بشراء السلع الغذائية من مكان موثق له مرجعية حتى يتمكن جهاز حماية المستهلك الرجوع له فى أى وقت لكن «بائعى الطرق» تغير أماكنها كل فترة، بجانب أن هذه السلع «مضروبة» وليست صحية وليست عليها رقابة، لذا من الممكن شراء أشياء حجمها صغير لأن الأطعمة الفاسدة تكلف اكتر من الغالية.الدكتورة غادة الصايغ، أخصائى التغذية العلاجية، قالت: إن أطعمة الباعة الجائلين أو كما يطلق عليها أطعمة الرصيف والتى تباع بسعر أقل من المحلات تكون بها أضرار كبيرة خاصة لعدم وجود رقابة صحية عليها.وأضافت «الصايغ» لـ«المصرى اليوم»، أن هذه الأطعمة تتسبب فى تسمم غذائى بسبب تلوث الأغذية بالبكتيريا نتيجة سوء التخزين ومن الممكن أن تتسبب فى إسهال أو قىء وألم فى البطن، وتكون شديدة خاصة عند الأطفال وكبار السن لقلة المناعة وهذه بالنسبة للأضرار السريعة.وأوضحت أنه بالنسبة للأضرار على المدى البعيد فتسبب تلك الأغذية الجرثومة الحلزونية والتهابات المعدة مع ضعف المناعة نتيجة التعرض للميكروبات والسموم الغذائية، بجانب تراكم مواد ضارة فى الجسم بسبب الزيوت غير الصحية فى تلك الأغذية مما يؤثر على الكبد والقلب.وأكدت أن هذه الأغذية تدخل فى مكوناتها زيوت رديئة والذى يعد سبب مباشر لأمراض القلب وانسداد الشرايين وأنواع من السرطانات خاصة المعدة والقولون، بجانب أن الألوان الصناعية تحسين الطعم وإخفاء المكونات السيئة أو منتهية الصلاحية.وأشارت إلى أن أغلب البسكويت والعصائر التى تباع على الأرصفة فعلى الرغم من أنها مغلفة إلا أنها أكثرها منتهية الصلاحية أو أنها يبقى لها أيام معدودة وتنتهى الصلاحية ومع سوء التخزين فتكون سبب فى ضعف المناعة وسرعة زيادة احتمالية التسمم الغذائى حتى ولو بكميات صغيرة.ولفتت إلى أن أغلب الأطفال لديهم اضطرابات معوية تسبب مشاكل فى الشهية والهضم وهذا بسبب المنتجات المغلفة مثل البسكويت والعصائر المعرضة للشمس، لذا تكون منفوخة أو مكسرة أو بدون القرمشة المعتادة مما تسبب تدمير الفيتامينات المضافة، بجانب إنهم بلا سعرات يعنى بلا فائدة غذائية حقيقية فبدل ما يسعدهم أو يشبعهم بشكل مؤقت هيكون سبب فى أمراض مش سهلة زى مشاكل الكبد لوجود السموم ونقص المناعة بسبب السكر.الدكتور ياسر شويتة، الخبير الاقتصادى والاستراتيجى، قال: إن الأغذية التى تباع على الأرصفة تكون مجهولة المصدر وتفتقد لمعايير السلامة الصحية ولا تخضع للرقابة لذلك تكلفة إنتاجها تكون أقل مما يتم يتم انتاجها وفقا للقانون لذلك تباع بأسعار أقل عما تباع عن مثيلاتها فى المحلات والأسواق لذا يلجأ إليها المواطن لأنها أقل سعرا.وأضاف لـ«المصرى اليوم»، أن أغذية الرصيف قد تضر بصحة المواطن لذا يجب عليه عدم شراء السلع التى يتم بيعها على الأرصفة رغم رخص ثمنها لأنها مجهولة المصدر وتضر بصحة المواطن ويجب على المواطن شراء السلع من المحلات والأسواق لأن مصدرها معروف وتخضع لمعايير الرقابة من الجهات المعنية المختصة.وأكد أنه لمواجهة غلاء الأسعار يجب تحديد الأولويات والاستغناء عن السلع غير الضرورية وشراء السلع الضرورية حسب الاحتياجات لأن الاستهلاك ثقافة والشراء ثقافة والترشيد أيضا ثقافة.الدكتور كريم العمدة، الخبير الاقتصادى، قال: إن ظاهرة بائعى الطرقات موجودة بالفعل منذ سنوات ولكن لدينا صناعة غذائية غير رسمية «مخبوزات أو شيكولاتة أو بسكويت» مغلفة مجهولة المصدر تصنع فى نصانع بدائية أو كما يطلق عليها «تحت بير السلم» وهى صناعة غير مطابقة للمواصفات.وأضاف «العمدة» لـ«المصرى اليوم»، أنه بسبب الحالة الاقتصادية الصعبة أصبح المواطنين تبحث عن البديل الأرخص، مشيرا إلى أن الماركات تبدأ تتخلص من المنتجات لديها قبل شهر من انتهاء تاريخ الصلاحية فتباع هذه المنتجات بأسعار محروقة فيشتريها الباعة على الأرصفة.وأشار محمود العسقلانى، رئيس جمعية «مواطنون ضد الغلاء»، إلى أن المواطنين يتجهون إلى شراء الأغذية الأرخص ثمنا أو كما يطلق عليها «أغذية الرصيف» مقارنة بأسعار مثيلاتها فى المحال التجارية، حيث إن…