خلال السنوات الأخيرة، شهدت أصول البنوك المصرية نموًا قويًا لتتجاوز 26.887 تريليون جنيه بنهاية الربع الأول من 2026، مقارنة بـ20.8 تريليون فى ختام 2024، بزيادة تتخطى 6 تريليونات جنيه خلال 15 شهرًا، وهو ما يشير إلى تضخم المركز المالى للبنوك وزيادة الثقة فى القطاع المصرفى ونجاح السياسات النقدية والاقتصادية وارتفاع الوعى بأهمية الادخار، إضافة إلى توسع الأنشطة المصرفية والنمو الاقتصادى.هذه القفزة جاءت رغم استمرار الاقتصاد العالمى فى مواجهة تحديات متلاحقة، بدءًا من تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التى ما زالت مستمرة حتى يومنا هذا، مرورًا بالتوترات الجيوسياسية فى الشرق الأوسط والحرب الأمريكية الإيرانية وما صاحبها من اضطرابات فى أسواق الطاقة، وصولًا إلى الضغوط التضخمية العالمية، وهو ما يعكس متانة القطاع المصرفى المصرى وقدرته على مواصلة النمو فى بيئة اقتصادية معقدة..لكن مع وصول أصول البنوك إلى مستويات تاريخية، يبرز سؤال مهم، أين تذهب هذه الأموال؟ وهل تظل داخل خزائن البنوك أو يعاد ضخها فى الاقتصاد؟ الهدف الأول لتوظيف البنوك أموال المودعين يتمثل فى تحقيق الربح، وذلك من خلال الفوائد التى يدفعها المقترضون على التمويلات، والتى تعد مصدرًا رئيسيًا من مصادر الإيرادات المصرفية، فيما يبرز الهدف الثانى فى دعم الاقتصاد من خلال منح القروض، لتحفيز النشاط الاقتصادى ودعم المشاريع الجديدة وتحريك عجلة الاقتصاد، كما أن تلبية احتياجات العملاء يعد أحد الأهداف المهمة للبنوك.وارتفعت ودائع العملاء إلى نحو 16.884 تريليون جنيه بنهاية مارس الماضى، مقابل نحو 13.481 تريليون جنيه 2024، وهو ما يرجع بشكل أساسى إلى الجهود الحثيثة من قِبل «المركزى» والبنوك لتعزيز الشمول المالى.وتستهدف البنوك جميع شرائح المجتمع وتوفير منتجات وخدمات تلبى احتياجاتهم، وترسيخ بعض مفاهيم ومبادئ الشمول المالى بالمجتمع مثل الادخار، وتوجيه المصارف للتركيز على الفئات المستبعدة مثل المرأة والفلاحين وذوى الهمم.وفى إطار نجاح التجربة خصص البنك المركزى 6 فعاليات للشمول المالى على مدار العام، تزامنًا مع الاحتفال بمناسبات عالمية، والتى تضم اليوم العربى للشمول المالى خلال شهر أبريل، وفعالية المرأة خلال مارس، والشباب خلال أغسطس، وعيد الفلاح فى سبتمبر، ويوم الادخار خلال أكتوبر، وسادسًا فعالية ذوى الهمم خلال شهر ديسمبر.وأسفرت جهود البنك المركزى عن مواصلة معدلات الشمول المالى فى مصر ارتفاعها لتصل إلى 77.6٪ بنهاية 2025، ليصبح عدد المواطنين الذين يمتلكون حسابات نشطة تمكنهم من إجراء معاملات مالية 54.7 مليون مواطن من إجمالى 70.5 مليون فى الفئة العمرية من 15 سنة فأكثر، وبمعدل نمو بلغ 219٪ خلال الفترة من 2016 إلى 2025.وشهدت نسبة الشمول المالى للمرأة طفرة ملموسة لترتفع من 19.1٪ عام 2016 إلى 71.4٪ بنهاية 2025، بمعدل نمو 316٪ خلال تلك الفترة، كما زادت معدلات الشمول المالى للشباب فى الفئة العمرية (15-35) إذ ارتفعت من 36.3٪ فى 2020 إلى 56.8٪، بمعدل نمو 79٪ خلال الفترة نفسها، ويجرى حاليًا إعداد الاستراتيجية الثانية للشمول المالى (2026-2030).وبشكل عام، توظف البنوك أموالها فى 6 استخدامات رئيسية، تتمثل فى القروض والائتمان، والأوراق المالية بما فيها استثمارات أذون الخزانة، والنقدية، وأرصدة لدى البنوك فى مصر، وأرصدة لدى البنوك فى الخارج، وبعض الأصول الأخرى، إذ تعمل البنوك كوسيط بين المُدخرين والمستثمرين، فهى تجمع الأموال من أولئك الذين لديهم فوائض مالية وتعيد إقراضها أو استثمارها لصالح أولئك الذين يحتاجون إلى التمويل، بما يسهم فى تحقيق النمو والتنمية للدول.الإقراض.. الوجهة الأولى ومحرك الأرباحالوجهة الرئيسية التى توجه إليها البنوك أموال المودعين هى عملية الإقراض، وهو الهدف الأساس الذى أنشئت من أجله المصارف والاستخدام الأكثر شيوعًا للأموال التى تجمعها البنوك، إذ تمنح الأخيرة أموال المودعين للأفراد والشركات مقابل فائدة.وتتوزع أرصدة الإقراض بالبنوك ما بين قروض للشركات سواء بشكل مباشر أو فى هيئة قروض مشتركة أو حسابات جارية مدينة، وتمويلات للأفراد وتشمل القروض العقارية وقروض السيارات والقروض الشخصية، إضافة إلى أرصدة بطاقات الائتمان والحسابات الجارية المدينة.وبالنظر إلى الحصة التى تستحوذ عليها أرصدة القروض من إجمالى أصول البنوك، نجد أنها تستحوذ على نسبة 42.3٪ بنهاية مارس الماضى، والتى تبلغ 11.39 تريليون جنيه، من إجمالى الأصول البالغة 26.9 تريليون جنيه، وتفضل البنوك توظيف أموالها فى القروض عن أى وسيلة توظيف أخرى، لأن الفائدة على القروض أعلى من الفوائد الأخرى.كما أن القروض تعد بمثابة محرك رئيسى لنمو حجم أعمال البنك، إذ إن منح قرض لإحدى الشركات لا يعنى تقديم المبلغ المالى فحسب، وإنما يصحبه عادة تقديم خدمات مصرفية أخرى للشركة مثل بطاقات ائتمان وبرامج ائتمان مخصصة للموظفين، وتقديم حلول الدفع والتحصيل وإدارة النقدية للشركات، وهو ما ينعكس على تعزيز إيرادات البنك من الأتعاب والعمولات.ومن خلال منح القروض، تسهم البنوك فى تحفيز النشاط الاقتصادى، سواء كان ذلك من خلال تمويل مشاريع جديدة أو مساعدة الأفراد على شراء منازل أو سيارات، فعادة يكون هناك ارتباط إيجابى بين النمو الاقتصادى وزيادة الحاجة إلى التمويل، ما يدفع الشركات والأفراد إلى طلب المزيد من القروض، ومن ثم زيادة محفظة القروض لدى البنوك.الأوراق المالية وأذون الخزانة.. الاستثمار الآمن لنحو 8.6 تريليون جنيه من السيولةكما تستثمر البنوك جزءًا من أموالها فى مختلف الأصول المالية، مثل الأسهم والسندات والصكوك وأدوات الدين الحكومية كـ«أذون وسندات الخزانة»، إذ تسهم هذه الاستثمارات فى تحقيق أرباح إضافية للمصارف وتساعدها على تنويع المخاطر، فضلاً عن دعمها الموازنة العامة للدولة.ويوفر الاستثمار فى أذون الخزانة، للبنوك سيولة سريعة وسهلة، ما يجعلها خيارًا جذابًا للبنوك ويمنحها مرونة عالية فى إدارة سيولتها وتلبية طلبات العملاء، فضلاً عن أنها تعد من أكثر الأوراق المالية أمانًا، إذ إن الحكومة هى المُصدرة لها، ما يعنى أن خطر التخلف عن السداد منخفض للغاية.ورغم أن عائد أذون الخزانة قد يكون أقل من بعض الاستثمارات الأخرى مثل القروض، فإنه عائد ثابت ومضمون، ما يوفر للبنوك تدفقًا نقديًا مستقرًا، كما أنه يتوافق مع اللوائح التى تطلب من البنوك الاحتفاظ بنسبة معينة من أصولها فى أدوات آمنة وسائلة مثل أذون الخزانة.وتستحوذ الأوراق المالية واستثمارات أذون الخزانة على ما قيمته 8.6 تريليون جنيه من إجمالى أصول البنوك حتى نهاية شهر مايو الماضى، ما يشكل 32٪ من أموال البنوك، كثانى وجهة استثمارية للبنوك عقب الإقراض.الاستثمار فى النقدية.. سيولة جاهزة لتلبية احتياجات العملاء واقتناص الفرصالنقدية تمثل عنصرًا أساسيًا فى النظام المالى، إذ توازن البنوك بين الحاجة للاحتفاظ بالنقدية لتلبية طلبات العملاء، والرغبة فى تحقيق عوائد أعلى من خلال الاستثمار فى أصول أخرى.والنقدية هى الأموال المتداولة بشكل فعلى، سواء كانت أوراقاً نقدية أو عملات معدنية، وهى الوسيلة الأساسية للتبادل التجارى، إذ يتم استخدامها لشراء السلع والخدمات، لذا تحتفظ البنوك بجزء من أموالها على شكل نقدية، لتلبية طلبات عملائها لسحب أموالهم فى أى وقت، ولتسهيل المعاملات اليومية، كون النقدية ضرورية لإجراء المعاملات الصغيرة واليومية التى قد لا يتم فيها استخدام وسائل الدفع الإلكترونية.كما تبرز أهمية النقدية فى الاقتصاد، كوسيلة للتبادل، ولقياس القيمة، فهى وحدة قياس قيمة السلع والخدمات، فضلاً عن أنها وسيلة للاحتفاظ بالقيمة، إذ يمكن للأفراد والشركات الاحتفاظ بجزء من ثرواتهم على شكل نقدية، كما يستخدم البنك المركزى كمية النقدية المتداولة كأداة للتأثير على الاقتصاد.وتستحوذ النقدية على نحو 0.8٪ من إجمالى أصول البنوك، إذ تحتفظ المصارف بنحو 204.6 مليار جنيه من مركزها المالى فى شكل أموال نقدية لتلبية احتياجات عملائها.الأصول الأخرى.. استثمارات تشغيلية تدعم التوسع والانتشاربينما جزء من أموال البنوك يتم توجيهه إلى أصول متنوعة تحت مسمى «الأصول الأخرى»، مثل الأصول الثابتة والتى تشمل المبانى والفروع والمعدات التكنولوجية التى تمتلكها المصارف، والتى تعد ضرورية لتشغيل الأعمال المصرفية وتقديم الخدمات للعملاء.ويبلغ عدد البنوك العاملة فى مصر 36 مصرفا، بإجمالى 4787 فرعًا ووحدة مصرفية، وماكينات صراف آلى تبلغ 26.160 ألف ماكينة، ونحو 274.9 ألف نقطة بيع إلكترونية حتى نهاية ديسمبر 2025.كما تتضمن هذه الأصول أيضًا الإيرادات المستحقة للبنك سواء لدى الشركات أو الأفراد أو البنوك الأخرى، إضافة إلى المصروفات والدفعات المُقدمة تحت حساب شراء أصول ثابتة، والأصول التى آلت ملكيتها للبنك، إلى جانب التأمينات والعُهد.وتستحوذ الأصول الأخرى على نحو 7٪ من توظيفات أموال البنوك، ما يقدر بـ1.9 تريليون جنيه، ما يؤكد جهود البنوك فى التوسع والانتشار وتطوير المنتجات والخدمات البنكية للوصول إلى شرائح المجتمع كافة، وهو ما ظهر جليًا فى ارتفاع نسب الشمول المالى فى مصر.الأرصدة لدى البنوك فى مصر.. احتياطى للسيولة والالتزامات الرقابيةفى حين تمثل أرصدة البنوك فى مصر، الأموال التى تحتفظ بها المصارف لدى البنك المركزى أو لدى مصارف أخرى، إذ تضع البنوك نسبة 16٪ من ودائع العملاء لدى المركزى لضمان قدرة البنك على تلبية طلبات السحب النقدى للعملاء وحماية النظام المصرفى من الصدمات.كما تضع المصارف أرصدة لدى البنوك الأخرى لأسباب عدة، أبرزها الحصول على فائدة على هذه الأرصدة، أو إدارة السيولة اليومية وتلبية احتياجاتها التمويلية قصيرة الأجل، أو كاحتياطات احترازية لمواجهة أى مخاطر غير متوقعة.ويتأثر حجم الأرصدة لدى البنوك بقرارات «المركزى» بشأن أسعار الفائدة ونسبة الاحتياطى الإلزامى، وحجم الودائع التى يتلقاها البنك والتى بدورها تتأثر بالنشاط الاقتصادى.وتستحوذ الأرصدة لدى البنوك فى مصر على نحو 11.1٪ من إجمالى الأصول المصرفية، بما مقداره 2.991 تريليون جنيه بنهاية مارس الماضى، ما يشكل ثالث أكبر استثمار للبنوك بعد الإقراض والاستثمارات فى الأوراق المالية وأذون الخزانة.الأرصدة لدى البنوك فى الخارج.. انعكاس لتحسن مركز النقد الأجنبىعقب الإجراءات الإصلاحية التى اتخذها البنك المركزى فى مارس 2024، وتوقيع الحكومة اتفاقيتى رأس الحكمة وعلم الروم اللتين وفرتا سيولة دولارية للبلاد، وما تبعها من عودة لتحويلات المصريين العاملين بالخارج والاستثمارات الأجنبية فى أدوات الدين، تحولت البنوك من تحقيق عجز فى صافى الأصول الأجنبية إلى فائض قوى بقيمة تعادل 1.2 تريليون جنيه حتى نهاية شهر أبريل الماضى، مقابل عجز يعادل 174.3 مليار بنهاية أبريل 2024، ما دفع البنوك إلى تعزيز توظيف أرصدتها بالخارج.ويمثل بند صافى الأصول الأجنبية، الأصول المستحقة للجهاز المصرفى على غیر المقیمین مطروحًا منها التزامات تجاه غیر المقیمین، ويعبر التغیر فى هذا البند عن صافى معاملات الجهاز المصرفى (بما فیه البنك المركزى) مع العالم الخارجى خلال فترة زمنية محددة..لترتفع أرصدة البنوك فى الخارج إلى ما يعادل 1.782 تريليون جنيه بنهاية مارس الماضى، لتستحوذ على نسبة 6.6٪ من إجمالى أصول البنوك بنهاية الربع الأول من العام الجارى.وتكشف خريطة توظيف أموال البنوك أن القطاع المصرفى المصرى لا يسعى فقط إلى تعظيم الأرباح، بل يعتمد على إدارة متوازنة للأصول تجمع بين العائد والسيولة والأمان، إذ إن استحواذ القروض على الحصة الكبرى من الأصول يعكس استمرار الدور الرئيسى للبنوك فى تمويل الأفراد والشركات ودعم النشاط الاقتصادى، باعتبار الإقراض المصدر الأهم للإيرادات المصرفية.وفى المقابل، يبرز الحجم الكبير للاستثمارات فى الأوراق المالية وأذون الخزانة كأداة توفر عائدًا مستقرًا وسيولة مرتفعة، فضلًا عن مساهمتها فى تمويل احتياجات الدولة، بينما تعكس الأرصدة المحتفظ بها لدى البنك المركزى والمصارف الأخرى التزام المصارف بالمتطلبات الرقابية وإدارة السيولة بصورة احترازية، بما يعزز قدرتها على الوفاء بالتزاماتها فى مختلف الظروف.وفى الوقت نفسه، تشير الاستثمارات الموجهة إلى الأصول التشغيلية، من فروع وبنية تكنولوجية وتجهيزات، إلى استمرار البنوك فى توسيع شبكاتها وتطوير خدماتها، بما يتماشى مع التوسع فى الشمول المالى والتحول الرقمى.ومن ثم، فإن هيكل أصول القطاع المصرفى لا يعبر فقط عن كيفية توظيف 26.9 تريليون جنيه، وإنما يعكس أيضًا استراتيجية متوازنة تقوم على تحقيق الربحية، والحفاظ على الاستقرار المالى، وإدارة المخاطر، ودعم النمو الاقتصادى فى آن واحد، وهو ما يفسر قدرة البنوك المصرية على مواصلة النمو وتعزيز متانتها رغم التقلبات الاقتصادية المحلية والعالمية. ومع استمرار نمو الودائع واتساع قاعدة المتعاملين مع القطاع المصرفى، ستظل قدرة البنوك على تحقيق التوازن بين التوسع فى الإقراض، وإدارة السيولة، والالتزام بالمتطلبات الرقابية، العامل الحاسم فى الحفاظ على قوة القطاع ودوره فى تمويل الاقتصاد خلال السنوات المقبلة.
26.9 تريليون جنيه استثمارات داخل القطاع المصرفى.. أين توظف البنوك أموالها؟
- منذ شهر
- المصرى اليوم
Loading image...
