الناقد أحمد حسن عوض يكتب صلاح عبدالصبور من الولاء للشعر.. إلى البحث عن القصيدة المستحيلة

  • منذ شهر
  • اليوم السابع
  • كتبه/صححه: فريق العمل
Loading image...
لم يكن من قبيل المصادفة أن يختار صلاح عبدالصبور عنوان "حياتي في الشعر" لكتابه الفارق الذي تحدث فيه عن تجربته الشعرية، وقدم خلاصة ٱرائه النقدية في الشعر والفن والمذاهب الأدبية والموروث والأسطورة والمسرح وفلسفة الحياة؛ فقد كان من الممكن أن يختار عنوانا ٱخر يدور حول التجربة الشعرية أو ما حول هذا الموضوع من الحقول اللغوية الدلالية، لاسيما أنه قد كتب هذا الكتاب - كما أشار- متأثرا بفكرة كتاب "تجربتي الشعرية" للشاعر العراقي عبدالوهاب البياتي أحد رواد شعر التفعيلة الكبار, لكنه ٱثر أن يصك ذلك العنوان اللافت "حياتي في الشعر"؛ ليجسد حقيقة واقعية عاشها بكل عمق، وعرفها عنه كل أصدقائه من المبدعين والنقاد في كل مراحل حياته وهي محبته الغامرة لفن الشعر وانتماؤه المطلق لعالم الشعراء، منذ أن اكتشف في نفسه القدرة على كتابة الشعر والقدرة على وزنه وضبط إيقاع كلماته، حتى تصور أنه ملك كنزا من كنوز السحرة الأقدمين؛ لأن الشعر-كما يقول- سيد الكلام والشاعر يختلف عن البشر العاديين لكن هذا الإحساس بالتميز المبكر لم يجعل عبدالصبور ينتشي نشوة لاهية غافلة بل دفعه إلى الوحدة والمسئولية، وطالبه بمستوى ٱخر من الإحساس بالكون والحياة، إنه يلقي به في عذاب السعاده وعليه أن يعبر لا كما يعبر الناس بل كما يعبر الشعراء؛ لذلك نراه يقول متقمصا صوت المنفلوطي متحدثا عن سيرانو دي برجراك: "إنك شاعر يا مولاي، وقلب الشاعر مرٱة تتراءى فيها صور الكائنات صغيرها وجليلها" إذن -على حد تعبير عبدالصبور- "لقد تمت الصفقة ودفع حياته ثمنا لموهبته، لقد خير بين أن يحيا حياة كاملة أو يبدع فنا كاملا فٱثر الثانية" لتظل حياته متعلقة بالشعر، ولندرك أن عنوان الكتاب لم يكن مجرد لافتة براقة لجذب القراء بقدر ما كان تعبيرا عن ولاء مطلق لفن الشعر العظيم، ولاء تحرك من الوعي النقدي المسيج بالتزام أخلاقي لا يقبل المساومة أو التنازل عن مقام الشعر الرفيع إلى إبداع متحقق بالفعل يجسده عبدالصبور دون أدنى مواربة في كثير من قصائده التي تتحدث عن الشعر بالألف واللام بل إنه استحضر ملمح "الولاء" ليشكل عتبة عنوانية لإحدى قصائده الفارقة التي تتناول علاقة الشاعر بشعره وتعبر عن تحوله العميق في فهمه، وهي قصيدة"أغنية ولاء" حيث كان عبدالصبور يرى أن رحلة الشعر هي رحلة المعنى إلى الشاعر، لا رحلة الشاعر إلى المعنى؛ لذلك نراه يجسد الوعيين في القصيدة نفسها راصدا في المقطع الأول منها كل طقوس التهيؤ المهيبة لاستقبال الشعر/ الزائر الحبيب:

صنعت لك