عمر خيرت.. موسيقى بربطة عُنق تناسب البسطاء أيضًا

  • منذ 4 ايام
  • المصرى اليوم
  • محمد الحسن,بشري عبدالمؤمن
Loading image...
«أسامة» القهوجى: فكّرتني بقصة حب من 30 سنة.. و«شيماء» جارة العائلة: لمّا بسمع مزيكته بحس براحة نفسية فى مقهى شعبى كبير بوسط القاهرة، يتعالى الصخب مِن كل زاوية: التلفزيون يذيع مباراة كرة قدم، كبير «الصنايعية» يصرخ كل دقيقة، والسيارات فى الشارع كأنها فى سباق. هنا لا يمكن لإنسان أن ينعم بالهدوء، لكن «أسامة» بمجرد أن أنصت إلى الموسيقى انفصل عما حوله تمامًا.30 ثانية فقط من موسيقى عُمَر خيرت قطعت مسافة 30 سنة من عُمْر أسامة جميل، وهو «قهوجى» يملك وجهًا بشوشًا وشهادة متوسطة وقصة حب قديمة.«أسامة»، 50 سنة، لم يذهب إلى الأوبرا، ولا يعرف عن عُمَر خيرت أكثر من أنه «ملحن». ربما سمع موسيقاه ذات ليلة فى حفلة عابرة على التلفزيون بالمنزل، أو التقطتها أذناه فى خلفية مشهد سينمائى أو تلفزيونى.يقول لـ«المصرى اليوم»، وهو خَجِلٌ على ما يبدو من عدم معرفته بالاسم بما يكفى: «دى الناس اللى من أيام الفن الجميل».أمسك «أسامة» بالهاتف، قرّب الصوت إلى أذنه، ومال إلى الأمام قليلًا. بدأت مقطوعة «خلى بالك من عقلك» بنقرات رقيقة ثم تدفقت شحنة ساحرة وغامضة من الموسيقى، وبعد نصف دقيقة عندما رفع «أسامة» رأسه كانت ملامحه أكثر صفاءً وعذوبة.لقد مسّت الموسيقى روحه، استحوذت عليه تمامًا وسحبته إلى نقطة عميقة فى نفسه بعيدًا عن المقهى، وأعادته بقوة الحنين إلى مرحلة الأحلام.تذكّر بصوت متوتر بينما تلمع نصف دمعة فى عينه: «بعد ما خلّصت الدبلوم، كنت عايش قصة حب مع بنت، المزيكا دى فكرتنى بيها. بس الموضوع راح لحاله ومتجوزناش».نهض «أسامة» خوفًا من لحظة ضعف تتداعى فيها الذكريات وذهب لتلبية نداءات الزبائن، غير أنه الآن يبدو مختلفًا عن الشخص الذى جلس منذ قليل.لطالما شغل «الجمهور» تفكير عُمَر خيرت، لمَن يصنع موسيقاه؟ لـ«أسامة» على المقهى أم لرجل ببذلة أنيقة فى الأوبرا؟كان حلمه أن يدخل كل بيت، فى الحوارى الشعبية وفى الأحياء الراقية، أن يعزف للجميع. ربما لأن الموسيقى لغة إنسانية جميلة، تصل مباشرة إلى الروح، وصالحة لكل الطبقات، حتى وإن ارتدت ربطة عنق.حفلة صغيرة لـ5 أفراد أمام منزل عبيد الله خيرتأمام منزل عائلة عُمَر خيرت بحى السيدة زينب، كانت «شيماء» وصديقتها «إيمان» تجلسان فى وصلة سمر ليلية، على هامش مهام حراسة العقار، بينما يلعب 3 أطفال بالجوار.هنا حيث وُلد عُمَر خيرت فى 11 نوفمبر 1948 وعاش أول 6 سنوات من عمره، أقيمت بعفوية حفلة مصغرّة جدًا كان الموسيقار يعزف فيها للسيدتين والأطفال الثلاثة موسيقى هادئة منبعثة من الهاتف.«سمعت المزيكا حسيت براحة نفسية»، تقول شيماء، 39 سنة، وهى سيدة محجبة تحب من أعمال عُمَر خيرت أغنية «فيها حاجة حلوة» التى غنتها ريهام عبد الحكيم فى فيلم «عسل أسود» 2010.كانت تتكلم بلهفة وحماس، ولا تصدق أن عُمَر خيرت الذى تسمع عنه وُلد هنا، وأن جده الأكبر عبيد الله خيرت امتلك هذا المنزل والمنطقة كلها بأمر من الخديو توفيق.أما «إيمان»، 41 سنة، وهى سيدة منتقبة، فراحت تردد مقاطع عشوائية من كلمات أغنية «المصرى» لجمال بخيت، والتى غنتها لطيفة من ألحان عُمَر خيرت فى فيلم «سكوت هنصور» 2001.تتظاهر «إيمان» بأنها تغنى وتقول «تعرف تتكلم بلدى وتشم الورد البلدى يبقى انت أكيد المصرى»، ثم تضحك بروح طفلة.الفنانة نسمة عبدالعزيز، العازفة الشهيرة فى فرقة «خيرت»، تقول لـ«المصرى اليوم»: «ربنا أنعم على الأستاذ عُمَر بحب الناس».على الهاتف، كانت طاقة من المحبة تتدفق من صوت عازفة الماريمبا وهى تتحدث عن عُمَر خيرت، مُستعيدة ذكريات انضمامها لفرقته قبل أكثر من 20 عامًا: «شرف لأى حد يبقى جزء من الجمال ده».احترفت «نسمة» العزف على آلات الإيقاع الغربى منذ أن تخرّجت فى معهد الكونسرفتوار عام 1997، واختارت آلتها الأثيرة «الماريبما» وبحسب حوار معها لمجلة «المصور»، أغسطس 2001، فإن سبب عشقها هذه الآلة هو «صوتها الناعم الحنون».تحكى «نسمة»، التى نشاهدها وهى تعزف بخفّة ومرح فى كل مرة: «وأنا طالبة كنت جزء من أوركسترا أوبرا القاهرة، تشجّعت وطلبت من أستاذ عُمَر ألعب مقطوعة (البخيل وأنا)، كتبها ووزعها لى، بعدين عزفت (صابر يا عم صابر)، هو إنسان جميل وساعدنى كتير».«كنت لسه صغيرة ومش معروفة، بس زى ما بيقولوا القلوب بتتلاقى»، تواصل «نسمة» معتبرة أن «من أحلى الحاجات فى عمرى إنى قابلت عُمَر خيرت، أى فنان يتمنى يشتغل معاه».على اليمين من ناحية الجمهور، يكون موقع نسمة عبد العزيز على المسرح فى آخر نقطة فى الخلف، يتيح لها هذا مراقبة المشهد فى الفترات التى تتوقف فيها عن العزف انتظارًا لدورها فى اللحن.وقال عُمَر خيرت، فى لقاء تلفزيونى مع منى الشاذلى، نوفمبر 2014: «هناك كيميا بينى وبين الجمهور فى الحفلات، الحالة التى تكون بين الجمهور والموسيقى والفرقة حالة شبيهة بالأحلام».تفلت الكلمات من عُمَر خيرت كلما حاول إيجاد وصف مناسب لتلك الحالة التى تشبه «الأحلام»، يقول لمن يسأله: «حاجة جميلة جدًّا صعب أشرحها، لازم تيجى تحضرها».ماذا ترى نسمة عبد العزيز من موقعها على المسرح إذن؟ تجيب وكأنها تحاول أيضًا أن تُمسك بالإحساس: «مشاعر كتير مختلطة، اللى بيدور فى قلبى وعقلى وقتها إحساس خاص جدًّا، فى لحظات كتيرة المزيكا بتمسّك قوى، وده بيكون حسب اللحظة، مثلًا ساعات ببقى حزينة فبتشد أكتر للحزين».خلف الكواليس، وفقًا لـ«نسمة»، فإن عُمَر خيرت «جاد جدًا فى البروفات، لكن على مستوى العلاقة الإنسانية مع الفرقة روحه حلوة ودمه خفيف».«أنا عندى فرقتى وحياتى»، تلفت عازفة الماريمبا الشهيرة، مشددة: «لكن مفكرتش أسيب أستاذ عُمَر، ليه فضل كبير إنه عرّف الناس عليا. وعلى قد ما هو فنان كبير على قد ما هو إنسان جميل برضو».تسمع «نسمة» مقطوعات عُمَر خيرت كثيرًا، وبالنسبة لها هناك ثلاثة أعمال مفضلة هى أغنيتا: «فى هويد الليل» و«عارفة»، ومقطوعة «دعاء».تختم: «موسيقى عُمَر خيرت حتة من مصر».بيانو ودارمز.. مشاغبات «القطط الصغيرة»كان «شاكر» (اسم مستعار) يتمشّى فى حى جاردن سيتى بينما يدور حديث عن عُمَر خيرت على بُعد أمتار من المنزل الذى عاش فيه الموسيقار هنا.لم يكن الرجل السبعينى بحاجة إلى سؤال، تطوّع بالكلام: «فنان رزين، موسيقته مفيهاش ابتذال، حلوة.. للى فى سنّى. أنا محضرتلوش حفلة، لكن ليا ذكريات مع مزيكته ويستاهل كل خير».بحث العجوز الأرستقراطى فى ذاكرته عن اسم مقطوعة يحبها لعُمَر خيرت: «نغمتها معايا دايمًا، موسيقى هادية وجميلة، بس مش فى بالى اسمها دلوقتى».بعد تخمينات سريعة، انبعثت موسيقى «اللقاء الثانى» وأخذت العجوز إلى دنيا أخرى. كانت كلمات سيد حجاب الموازية للموسيقى تقول: «زى الهوا السارى وخيال الطيف.. أحلى سنين العمر.. بينّا تمر.. يا نعيش هوانا حلم ليلة صيف.. يا تتوه خطانا فى ليل شتانا المُرّ».نكأت الموسيقى على ما يبدو جرح ذكرى قديمة فى حياة الرجل، كانت ملامحه أفصح من كل الكلام، فأغلق الحديث بابتسامة ومضى: «هقول إيه طيب!».قبل أكثر من خمسين عامًا، عندما كان «شاكر» فى بدايات شبابه أواخر الستينيات، كان عُمَر خيرت يعزف «الدرامز» على مسرح واحد مع ابن جيله هانى شنودة الذى كان يلعب على «البيانو».فى يوليو 1967، بعد شهر واحد من نكسة يونيو، تأسّست فرقة «لى بيتى شاه- القطط الصغيرة» (بالفرنسيةLes Petits Chats )، وكانت تحاكى الموسيقى الغربية.وقال عُمَر خيرت مع منى الشاذلى فى لقاء تلفزيونى، فى نوفمبر 2014: «من غُلبنا قُلنا نرد بالفن».الموسيقار الراحل هانى شنودة، الذى انضم لاحقًا للفرقة بديلًا للفنان عزت أبو عوف، كان يتذكر تلك الأيام جيدًا، وقال لنا قبل شهور من رحيله فى يوليو 2026 عن رفيق «لى بيتى شاه»: «عُمَر صديق وزميل، قضينا مع بعض وقت فى منتهى الجمال».تذكر هانى شنودة لـ«المصرى اليوم»: «كانت فترة ليها أثر كبير، وكان بينا روح، الروح دى أهم حاجة على المسرح».فى قمة مجد الفرقة، بعد سنتين من تأسيسها، سيكتفى عُمَر خيرت بهذا القسط من التمرد الشامل فى كل شىء، وسيعود إلى البيانو ومعهد الكونسرفتوار حيث سيواصل الدراسة الأكاديمية، لكن التجربة ستفيده لاحقًا فى التأليف الموسيقى.بعد 57 عامًا من كل هذا، نظر هانى شنودة إلى تجربة عُمَر خيرت الموسيقية بإعجاب وتقدير شديدين. يحلّل فى مقارنة مثيرة بين لونين موسيقيين: (عُمر قرّب ما بين الفلكلور المصرى والكلاسيك، فى حين إن أنا قرّبت ما بين الفلكلور المصرى والبوب)».هل تخيّلت عمر خيرت وهانى شنودة فى عمل موسيقى معًا؟ رغم أن السؤال كان افتراضيًا فإن الفكرة لم تكن تبدو مستحيلة فى رأى صاحب موسيقى «المشبوه».رحّب وقتها قائلًا: «لو حد عنده فكرة أنا معنديش مانع، وما أظنش عُمَر عنده مانع»، لكنه رأى ضرورة أن تتبنى جهة ما المشروع، وضرب مثالًا بالتعاون الأسطورى بين أم كلثوم ومحمد عبد الوهاب فى أغنية «إنت عمرى»، وكيف كانت بتكليف ودعم من الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.أضاف هانى شنودة: «الفن عاوز مصاريف كتير». ثم وسّع الرؤية: «حان الوقت إن رجال الأعمال مش بس يتبرعوا بديون مصر لا إنهم يقفوا جنب الفن الجاد».كان هانى شنودة يحب موسيقى عُمَر خيرت: «كل حاجة بيعملها فيها لمحات فنية عظيمة جدًّا جدًّا جدًا»، لكنه لو سيختار عملين مفضلين لزميله فهما «قضية عم أحمد» و«ليلة القبض على فاطمة».فقراء وأغنياء.. لمن يقدم موسيقاه؟يظهر عُمَر خيرت على المسرح، فتندفع موجة من التصفيق، ويهلّل صوت من الجمهور، فى تصرف غير معتاد ربما: «وصل وصل وصل». يطوى «عُمَر» يديه على صدره متقاطعتين تحيةً للجمهور، ثم يُرسل لهم قُبلات فى الهواء.فى 7 سبتمبر 2023، عزف عُمَر خيرت للآلاف فى مهرجان القلعة للموسيقى والغناء، كان المشهد مُبهجًا وملهمًا، ها هو رجل الأوبرا الأنيق وسط الناس كما يحب، يأخذ مكانه أمام البيانو ويقول لهم فى الميكروفون «وحشتونا جدًّا جدًّا جدًّا»، فتعود موجة التصفيق أعلى.يقول محمد منير، المستشار الإعلامى لدار الأوبرا، وصديق عُمَر خيرت: «كان يقول لى: حفلاتى فى القلعة من أسعد لحظات حياتى».كان سعر التذكرة فى ذلك الحفل 60 جنيهًا فقط. وهو رقم ضئيل قياسًا بأسعار التذاكر فى حفل عُمَر خيرت بدار الأوبرا فى مهرجان الموسيقى العربية، أكتوبر 2026، إذ تشمل 8 فئات: المقاعد الجانبية 1900 جنيه، والبالكون 2000 جنيه، والفوتيه 3500 جنيه، واللوج 4400 جنيه، والمقاعد الجانبية للبانوار 4400 جنيه، والبانوار 4500 جنيه، والبارتير 4500 جنيه، والأوركسترا 4800 جنيه.رغم ذلك، لا يتفق «منير» مع القول بأن عُمَر خيرت «يعزف للصفوة…

شخصيات

دول